بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تقديم كتاب " قوة العمل الدبلوماسي في السياسة "

2026-11-05 6 قراءة مختلفات د. ضرغام عبد الله الدباغ
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم كتاب " قوة العمل الدبلوماسي في السياسة "
دأب بعض المثقفين على الاعتقاد أن جيلنا، الذي هو اليوم على وشك الرحيل (وأنا منهم)، هو جيل رائع، قدم الكثير ... نعم جيلنا قدم الكثير حتى أننا كنا نقاتل أحياناً في معارك خاسرة سلفاً، ولكن من أجل مجد الأمة والقضية، ولكني كنت وما أزال أقول أن الجيل الذي خلفنا، والذي بعده، هو أروع من جيلنا، أكثر تمرساً وأكثر صلابة، ولمن يريد أن يصدق ذلك، أدناه أنقل لكم مقدمة لكتاب لي صدر عام 1985 في بغداد بعنوان قوة العمل الدبلوماسي في السياسة، أذكر ذلك وتنبأت ذلك بكل وضوح في مقدمة الكتاب ... أعزائي الاخوة والأخوات، أقرأوا المقدمة ولا سيما السطور الأخيرة منه ... قلبي على شعبي ينبئني... ونبوئتي صحيحة .. والحمد لله على كل شيئ .. خسرت الكثير جداً ولكني ربحت الحكمة ......

مازحني صديق دبلوماسي، عن اعتباري العمل الدبلوماسي قوة، وهو عمل لا يعترف ولا يقبل بالقوة أساساً، فأجبته، بالطبع أني اعلم أن جوهر الدبلوماسية يهدف إلى استخدام الحوار والمباحثات في العلاقات الدولية، ولكن ما تعتبر حين يجلس رجلان أنيقان وفي قمة التهذيب لوحدهما أن يقود كل منهما فريقا من خبراء على درجة عالية جداً من التأهيل، وفي ختام المحادثات، يلقيان في مكبات القمامة بمئات الرؤوس النووية ... أي قوة جبارة يمتلك هؤلاء الرجال .... اخلاقية وقانونية والسيطرة على قوة مدمرة جبارة .... اليست هذه قوة ...؟ إنها قوة الاخلاق، وقوة الحياة، وقوة المبادئ في رؤوس الرجال لا في قواهم العضلية / البدنية، واستطراداً قواهم العسكرية ... إنها قوة الأمل ... قوة المستقبل .... تحيتي للجميع.

اليكم قرائي الاعزاء مقدمة كتاب قوة العمل الدبلوماسي في السياسة

المقدمة

يعتقد الكثيرون، أن عالم العلاقات الدولية المعاصرة قد بلغ اليوم درجة من التعقيد والتشابك في المصالح، تجعله أشبه بالطلاسم، منها إلى وضع يمكن تحليل عناصره وإيجاد سمته وتحديد أبعادة. ولا يخفي أن العديد من المؤرخين في هذا المجال يعتقدون، ويشاركهم في ذلك عدد من الدبلوماسيين، أن الدبلوماسية قد صغر شأنها كما أن تعقد واستعصاء حل العديد من المشكلات الدولية، قد يقلل من فرص عمل الدبلوماسيين وحظ مجهوداتهم في النجاح.
ومن المؤسف أن نضطر مخالفة أراء هذه النخبة من المؤرخين والدبلوماسيين ولنا في ذلك حجج وبراهين، بل لكي نؤكد أن مسرح العلاقات الدولية اليوم، هو بأمس الحاجة إلى الدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى. ولكن أية دبلوماسية وأي دبلوماسيين ...؟ فتلك هي المسألة الجوهرية.
وإذا كانت دبلوماسية اليوم تعتمد كلياً على أسس وأخلاقيات دبلوماسية القرون الماضية(مع صلاحية بعض تلك الأسس والأخلاقيات)، فهي بلا شك ستكون دبلوماسية فاشلة، أو لنقل أقل نجاحاً من دبلوماسية معاصرة تلك التي تعتمد بالدرجة الأولى على تحليل عناصر الموقف الدولي بحقائقه ووقائعه تحليلاً علمياً دقيقاً. فالعلم يقدم لنا مناهج التحليل العلمي للغوص في مشكلات والأزمات، ولا بد من الاعتراف أنها ليست قليلة، ويتغلب على صعوبات حلها، ونعترف أنها ليست سهلة، إلا أنها تلين وتغدو ممكنة التصور والفهم بصورة تبعد عنها سمة الطلاسم والألغاز.
ولا تؤشر كثرة الأزمات وتشابك المصالح إلى صغر شأن الدبلوماسية في العلاقات الدولية المعاصرة، بل على العكس من ذلك تماماً، فليس هناك ما يشيع الأمن والطمأنينة في المجتمع الدولي اليوم وفي ظل التكدس الهائل في مخزونات الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، سوى الحاجة الماسة لتحسين شروط التعامل السياسي والتجاري الدولي، فتلك هي مهمات مصيرية للقسم الأعظم من البلدان النامية، وليس سوى الدبلوماسية وفي تنشيطها، ومنحها فرصاً أكبر، يكمن البديل عن الصراعات التي تؤدي إلى إبادة البشرية ومنجزاتها. فدبلوماسية اليوم تعد مهنة صعبة، ذلك أن المحيط الذي تعمل ضمنه قد أزداد عمقاً وتعقداً وصعوبة، لكن دون إلغاء لتلك المهنة الإنسانية الجليلة.
ومن المؤكد، أن أوضاعاً كهذه، ودبلوماسية كما أسلفنا، تحتاج إلى دبلوماسيين من طراز رفيع تمتزج فيهم إلى جانب الإتقان المهني، ثقافة غزيرة، وقدرات علمية. فحقاً إن دبلوماسية اليوم لم تعد مهنة فحسب، بل مهنة وعلم. كما أن دبلوماسيو عصرنا الراهن ليسوا منفذين رئيسيين للسياسة الخارجية فقط، بل ويفترض أن يكونوا عاملاً هاماً في رفد صناع القرار السياسي في بلدانهم، فما أحوج متخذي القرارات السياسية من معرفة الأصداء الدولية لقراراتهم، وتأثيراتها المختلفة محلياً وقارياً ودولياً، وما هي سبل تحقيقه والقدرة على إنجاحه.
ولابد من الإقرار أن المكتبة العربية تعاني للأسف فقراً شديداً في هذا المجال، سواء فيما يتعلق بالدبلوماسية كمهنة، وتعلم بروتوكولاتها وأصولها وآدابها، أو تلك التي تأخذ بيد الدبلوماسي الحديث لتدخل به في بعض عالمه الواسع الرحب. لذلك فإنني لم أحاول التركيز على الجوانب المهنية الروتينية في عمل الدبلوماسي، والتي تتألف من قسمين رئيسيين :
الأول: ما يتعلق بالتشكيلات الإدارية وشؤون تصريف الأعمال، فذلك يعد على نحو ما أمراً يختلف من دولة لأخرى من جهة، كما يتعلق بحجم الكادر الدبلوماسي والإداري العامل في البعثة من جهة أخرى. بل وقد يختلف من بعثة لأخرى رغم كونها تابعة لوزارة خارجية دولة واحدة. وتلعب كفاءة ومهارة السفير المهنية وحنكته ودرايته بالشؤون الدبلوماسية والإدارية، وربما حتى مزاجه الشخصي، دوراً كبيراً في توزيع المهمات على الكادر المتوفر لديه وفي تقدير الظروف الذاتية والموضوعية التي تحيط بعمل بعثته.
الثاني: وهو ما يتعلق بالبروتوكول الدبلوماسي، وبعبارة أوضح، الأصول المكتوبة المعروفة في تحركات الدبلوماسيين وطريقة الدعوات وأصولها، وتبادل البطاقات الشخصية، والجلوس على موائد الطعام، وطريقة تقديم السفراء لأوراق اعتمادهم وقبولها...الخ فتلك رغم كونها بالغة الأهمية في عمل الدبلوماسيين، ولابد لكل من ينتسب إلى هذه المهنة معرفتها، إلا أنها تزيد عن مهمة مؤلفنا هذا، لذلك فضلنا أن يضم الكتاب ملحقاً لاتفاقية فيينا للتعامل الدبلوماسي بين الدول، فتلك وثيقة دولية أساسية وهامة أتفق على أن تكون أساسا في عمل البعثات الدبلوماسية وأمتيازاتها والحصانات الممنوحة لها.
قد يكون هذا الكتاب مفيداً كل الفائدة للدبلوماسيين، بيد أنه في الحقيقة موجه إلى عموم المثقفين والباحثين من أجل فهم وإدراك أعمق لقضايا السياسة الدولية والعلاقات الدولية المعاصرة، وموقع الدبلوماسية في التأثير عليها.
والكتاب لا ينوي أن يستر قصداً لم يسعى إليه مؤلفه، وهو أجراء عملية تجميل لصورة الدبلوماسي، فذلك بحد ذاته لم يكن هدفاً، إنما يطرح الكتاب لجمهرة واسعة من القراء حقيقة عمل الدبلوماسيين الجدي والشاق، وفي ذلك إيضاح دون قصد مباشر، أن الدبلوماسي ليس كما يتصوره البعض: بكونه إنسان متحذلق لا يعمل شيئاً مهماً في الواقع، لكنه يتقاضى راتباً ضخماً ويتمتع بأمتيازات كبيرة.
ولربما يريد أن يقدم المؤلف نصيحة إلى الدبلوماسيين الشبان والمبتدأين، أن جوهر الدبلوماسية ليست كذلك، بل إن الدبلوماسية في الحقيقة هي مهنة شاقة، وهي فن بكل ما تعنيه الكلمة من معان، تعددت مناهله ومنابعه. فلا يمكن تعلم الدبلوماسية على مقاعد الدراسة فقط، كما لم يعد اليوم كافياً تعلم المهنة دون دراسة وأدراك شامل للقضايا الأساسية في العلاقات الدولية، واستيعاب دروس الأحداث على مسرح السياسة الدولية. وليس للدبلوماسي أن ينقطع يوماً واحداً عن متابعة الأحداث وتحليلها، وليس أفضل معلم سوى التاريخ.
وطالما أن هناك حقيقة خالدة، هي أن بحر العلم لا ضفاف له. فإن هذا الكتاب سيكون قطرة في هذا البحر الزاخر ... ولكنه قطرة خير، وقد قصدت من خلاله خدمة بلادي وإعلاء مجدها وتواصل حضارتها. ولا شك أنه ليس كاملاً كل الكمال، ولكن حسبي قد فعلت. وسيأتي آخرون ليبنوا فوق ما بنوا قبلنا وبنينا، وليصلحوا ما وقعنا فيه من أخطاء إن حدثت، وليسدوا ثغرة النقص إن كانت.
نعم ... سيأتي جيل أفضل من جيلنا، وسيكون عمله أبدع مما عملنا ...
فمن أجلهم ومن أجل كل ذلك كان سعينا

المؤلف
بغداد / 1985
ملاحظة :
1. أعتبرت مجلة الحوادث اللبنانية عام 1986 (التي تصدر في لندن) أن كتاب قوة العمل الدبلوماسي في السياسة من أفضل الكتب التي صدرت في الوطن العربي في ذلك العام.
2. صدرت الطبعة الطبعة الأولى من الكتاب عن دار نشر آفاق عربية، عام 1985، وصدرت الثانية من الكتاب عن المركز الالماني العربي / برلين عام 2020
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال