ثمة حروب لا تبدأ بانفجار صاروخ ولا تنتهي عند حدود الدخان المتصاعد من منشأة نفطية.
هناك حروب أكثر خبثا لا تستهدف ما تراه العين بل ما لا يخطر ببال المواطن العادي كالألياف الزجاجية الراقدة في أعماق البحار ومحطات الإنزال على السواحل ومراكز البيانات التي تحفظ ذاكرة الاقتصاد العالمي والشبكات التي تنقل الأموال والأوامر والمعلومات بين القارات. وفي لحظة واحدة قد يكتشف العالم أن الحضارة الرقمية التي تفاخر بسرعتها وذكائها تقف فوق بنية مادية هشة وأن المسافة بين الاستقرار والفوضى قد لا تتجاوز كابلا بحريا يتعرض للتلف أو مسارا دوليا يفقد قدرته على نقل البيانات.
إننا أمام احتمال انتقال المواجهة مع إيران إلى جبهة لا تقل أهمية عن جبهات الصواريخ والطائرات والسفن. فمضيق هرمز شريان للطاقة والكوابل البحرية شرايين للمال والاتصالات والتجارة. وإذا تعرض الشريانان للاضطراب في الوقت نفسه فلن تكون المسألة مجرد ارتفاع في أسعار النفط أو بطء في الإنترنت بل أزمة تمس الطريقة التي يعمل بها الاقتصاد العالمي نفسه. ففي 23 أكتوبر 2026 نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين أمنيين إيرانيين أن طهران أعدت خططا لاستهداف كوابل الاتصالات البحرية في الخليج إذا تجددت الضربات الأمريكية والإسرائيلية وأن أحد المسؤولين تحدث عن إعاقة أعمال الإصلاح لإطالة أمد الاضطراب.
نحن هنا أمام تهديد منسوب إلى مسؤولين وليس أمام عملية ثبت تنفيذها لكن مجرد إدخال البنية الرقمية في حسابات الردع يكشف اتساع طبيعة المواجهة المقبلة.
ولكي نفهم حجم الخطر علينا أن نتذكر أن الكوابل البحرية تحمل أكثر من 99 % من حركة البيانات الدولية العابرة للقارات. إنها ليست أسلاكا إضافية يمكن الاستغناء عنها بل البنية التي تقوم عليها المصارف والتجارة الإلكترونية والخدمات السحابية والاتصالات الدولية.
وما يمر عبرها ليس رسائل وصورا فقط بل أوامر تحويل الأموال وبيانات الشركات ومعاملات الأسواق والاتصالات بين المؤسسات والملفات التي تحتاج إليها المستشفيات والموانئ والمطارات ومراكز التحكم. ولهذا فإن استهدافها لا يشبه إطفاء شبكة هاتف في مدينة بل يشبه العبث بشرايين نظام اقتصادي مترابط لا تستطيع دولة واحدة أن تعزله عن بقية العالم.
الخليج هو المنطقة الأكثر تعرضا للصدمة المباشرة في هذا السيناريو ليس لأنه يملك النفط والغاز فحسب بل لأنه تحول خلال السنوات الأخيرة إلى مركز مالي وتجاري وتقني وضخ استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
هذه المنشآت تحتاج إلى كهرباء مستقرة وتبريد متواصل واتصال دولي عالي السعة ولا تستطيع العمل بكفاءة إذا أصبحت طرق البيانات التي تربطها بالعالم عرضة للانقطاع المتكرر. وإذا تعطلت عدة مسارات بحرية في وقت متقارب فقد تظل الشبكات ظاهرة للمستخدم لكن الخدمات التي تعتمد عليها تبدأ في الاختناق كتطبيق مصرفي يفتح ولا ينفذ التحويل ومنصة تجارية تستقبل الطلبات ولا تستكمل الدفع وشركة تصل إلى خوادمها المحلية وتعجز عن الوصول إلى خدماتها السحابية الخارجية.
وقد تتأخر عمليات الشحن والتخليص والحجز والتسوية المالية فيما ترتفع تكاليف التأمين البحري والاتصالات والطاقة. وعندما يحدث ذلك في منطقة تعتمد اقتصاداتها على التجارة الدولية وتدفق الاستثمارات تصبح الخسارة أكبر من قيمة البيانات التي لم تصل، إنها خسارة في الثقة وفي القدرة على ضمان استمرار الأعمال.
أما أوروبا فليست بعيدة عن هذه النار كما يتصور البعض. فالقارة مرتبطة بآسيا والشرق الأوسط عبر مسارات بيانات تمر بالبحر الأحمر والمنطقة وتعتمد شركاتها ومصارفها على شبكة دولية متشابكة لا يمكن فصل حلقاتها بسهولة.
وقد أعدت مجموعة بوسطن الاستشارية نموذجا افتراضيا لانقطاع رقمي واسع في أوروبا يؤثر في نحو 30 % من السكان. وفي سيناريو يمتد يوما واحدا قدرت الدراسة أن معاملات بالجملة في منطقة اليورو بقيمة تتراوح بين 25 و30 مليار يورو قد تتعرض للتأخير أو التعطيل. وفي سيناريو يمتد أسبوعا تحدثت عن معاملات تجزئة وشركات وعابرة للحدود بقيمة تقارب 200 مليار يورو. وهذه ليست أموالا تبخرت ولا تقديرا مباشرا لخسائر هجوم إيراني محتمل بل قيمة معاملات قد تتعطل في نموذج افتراضي لانقطاع رقمي واسع.
اقتصاد بهذا الحجم يمكن أن يتعرض لاضطراب واسع عندما تتوقف البيانات التي تنقل أوامره ومدفوعاته وتسوياته.
والمشكلة الأوروبية لا تقف عند المصارف، فالصناعة تحتاج إلى سلاسل توريد رقمية والموانئ تحتاج إلى أنظمة حجز وتخليص وشركات الطاقة تحتاج إلى اتصالات ومراقبة مستمرة والمستشفيات تعتمد على أنظمة معلومات لا تعمل جميعها داخل مبانيها. وإذا تزامن اضطراب الاتصالات مع ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والتأمين فإن أوروبا قد تواجه ضغطا مزدوجا: فاتورة طاقة أعلى من جهة وتكاليف تشغيل وإنتاج واتصال أكثر ارتفاعا من جهة أخرى.
وعندها لا يكون الضرر مجرد خسارة يوم في البورصة بل ضغطا إضافيا على الصناعة والتنافسية والاستثمار في وقت تواجه فيه القارة أصلا تحديات اقتصادية وصناعية معقدة.
والولايات المتحدة بدورها لن تكون بمنأى عن التداعيات وإن كانت أكثر قدرة على امتصاص الصدمة بفضل شبكة كوابلها الأطلسية والهادئة وتعدد مساراتها الدولية.
فتعطل كوابل الخليج وحده لا يستطيع عزل أمريكا عن الإنترنت ولا توجد قاعدة تقنية تسمح بالقول إن ضربة في مضيق هرمز ستسقط الشبكة الأمريكية. لكن الشركات الأمريكية تمتلك استثمارات ومراكز بيانات وعقودا تقنية في الخليج كما أن الأسواق الأمريكية مرتبطة بأسعار الطاقة والتجارة والتمويل العالمي. ولذلك يمكن أن تتعرض شركاتها لخسائر تشغيلية واستثمارية وأن ترتفع كلفة التأمين والتمويل وأن تتزايد تقلبات أسواق الطاقة خصوصا إذا تزامن اضطراب الاتصالات مع اضطراب الملاحة وإمدادات النفط والغاز.
واشنطن قد لا تفقد اتصالها بالعالم لكنها قد تجد نفسها مضطرة إلى إدارة أزمة تتداخل فيها حماية الملاحة واستقرار الطاقة وأمن الاستثمارات واستمرار الخدمات الرقمية لدى حلفائها.
ولعل أكثر الأرقام دلالة ما ورد في تحليل RAND Europe الذي استندت إليه لجنة الأمن القومي في البرلمان البريطاني إذ قدر أن تعطل كابل بحري قد يكلف نحو 24 مليون يورو يوميا مع مدة إصلاح مرجعية تتراوح بين 7 و24 يوما. وبحساب بسيط يمكن أن تتراوح الكلفة الإجمالية التقديرية بين 168 و576 مليون يورو للكابل الواحد وفق الفرضيات نفسها. لكن هذه ليست فاتورة ثابتة لكل حادث إذ تختلف الخسائر باختلاف موقع الكابل وحجم البيانات التي يحملها والبدائل المتاحة ومدة الانقطاع.
وفي السياق نفسه يشار إلى أن نحو 1.5 تريليون دولار من التداولات المالية العابرة للحدود تمر يوميا عبر الكوابل البحرية. وهذا الرقم يمثل حجم معاملات لا خسائر يومية محتملة ومن يخلط بينهما لا يقدم تحليلا اقتصاديا بل يبيع وهما رقميا. ومع ذلك فإن وجود هذا الحجم الهائل من المعاملات فوق شبكة مادية معرضة للأعطال يوضح لماذا أصبحت حماية الكوابل مسألة أمن اقتصادي دولي.
لكن السيناريو الأكثر إثارة للقلق لا يتمثل في قطع كابل منفرد لأن الشبكات العالمية صممت لتسمح بتحويل جزء من حركة البيانات إلى مسارات بديلة.
الخطر يبدأ عندما تتعرض عدة مسارات للاضطراب في وقت متقارب ثم تتعقد أعمال الإصلاح بسبب استمرار الحرب ومخاطر الملاحة وتتزامن الأزمة مع أعطال في الطاقة أو مراكز البيانات أو خدمات الاتصالات.
عندئذ تصبح البدائل نفسها تحت الضغط وترتفع كلفة نقل البيانات وتزداد فترات التأخير وتبدأ الشركات في إعادة حساب مخاطر وجودها واستثماراتها في المنطقة.
وإذا طال الاضطراب فقد لا تقتصر الخسارة على أيام من الانقطاع بل تمتد إلى تأجيل مشاريع تقنية وتحويل استثمارات جديدة إلى مناطق أخرى وارتفاع أقساط التأمين وتراجع ثقة الأسواق في أمن الممرات الرقمية.
هنا بالضبط تكمن الورقة الإيرانية المحتملة فطهران إذا وسعت المواجهة إلى البنية التحتية الرقمية تكون قد نقلت جزءا من كلفة الحرب إلى فضاء اقتصادي أوسع من حدودها الجغرافية. لكنها في المقابل لا تملك ضمانة بأن تبقى الأضرار محصورة في خصومها فالكوابل البحرية شبكة مترابطة وتعطيلها قد يصيب دولا وشركات ومؤسسات لا علاقة مباشرة لها بالمواجهة.
كما أن إيران نفسها تعتمد على الاتصالات والتجارة والخدمات الرقمية وقد يؤدي التصعيد إلى مزيد من العزلة والضغوط الاقتصادية عليها. ثم إن التهديد لا يساوي القدرة على التنفيذ فبحسب التقديرات المتداولة تمر عبر مضيق هرمز نسبة محدودة من السعة الدولية العالمية ولذلك فإن قطع كوابل المضيق وحدها لن يؤدي إلى انهيار الإنترنت العالمي. أما البحر الأحمر فله أهمية أكبر في الربط بين أوروبا وآسيا لكن اضطرابه لا يعني تلقائيا سقوط الشبكة الدولية بل يرفع كلفة الاتصال ويزيد الضغط على المسارات البديلة.
أخطر ما يمكن أن ينتج عن هذا السيناريو هو انتقال العالم من مرحلة الخوف من انقطاع الإنترنت إلى مرحلة الخوف من عدم موثوقية البنية التي يعتمد عليها.
فالشركات لا تحتاج إلى انقطاع كامل كي تعيد حساباتها يكفي أن تصبح الاتصالات غير مضمونة وأن ترتفع كلفة التأمين وأن تتكرر الأعطال حتى يبدأ رأس المال في البحث عن بيئة أكثر استقرارا. وقد تكون هذه الخسارة الاستراتيجية أطول عمرا من الحرب نفسها لأن الكابل يمكن إصلاحه أما الثقة الاستثمارية حين تتصدع فلا تعود بمجرد عودة الإشارة إلى الشاشات.
لقد بنى العالم اقتصادا رقميا هائلا ثم تصرف كما لو أن البنية التي تحمله محصنة من الجغرافيا والحروب. وضع أمواله في السحابة وتجارته في المنصات ومصارفه في شبكات الدفع وذاكرته في مراكز البيانات ثم ترك جزءا كبيرا من هذا كله يمر عبر ألياف زجاجية في أعماق البحار.
واليوم يكتشف أن تلك الأعماق ليست خارج السياسة ولا بعيدة عن الصراع وأن الحرب الحديثة لا تستهدف فقط ما يملكه الخصم من سلاح بل ما يعتمد عليه كي يستمر اقتصاده في العمل.
لا أتحدث عن نهاية الإنترنت ولا عن انهيار حتمي للاقتصاد العالمي بل عن احتمال أزمة متعددة الطبقات قد تبدأ باضطراب الاتصالات ثم تنتقل إلى الطاقة والتجارة والتمويل والاستثمار. وفي عالم كهذا قد لا تحتاج إلى احتلال مدينة كي تخنق اقتصادها بل يكفي أن تجعل الطريق الذي يصلها بالعالم طريقا غير مضمون.
وعندما تصبح الكوابل البحرية جزءا من معادلة الحرب فإن السؤال لم يعد من يملك الصاروخ الأبعد مدى بل من يستطيع إبقاء اقتصاده حيا عندما تصبح شرايين البيانات نفسها ساحة للصراع.
حين تصبح الكوابل البحرية سلاحا : هل يستطيع الرد الإيراني خنق الإقتصاد العالمي ؟!
2026-11-03
49 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال