ليست هذه الكلمات انتقاصا من قيمة المعرض الدولي للكتاب بالجزائر، ولا تبخيسا للجهود المبذولة في تنظيمه، وإنما هي كلمات صريحة، وتوجيه أخوي، ومساهمة متواضعة في الاستفادة من هذه المناسبة الثقافية المهمة، والخروج بها من دائرة الاحتفال الموسمي إلى فضاء أوسع من الوعي الثقافي وصناعة القارئ.
أولا: الكتاب الذي تراجع إلى الهامش
من المؤسف أن الكتاب فقد كثيرا من مكانته في حياتنا الاجتماعية، وأن القراءة لم تعد عادة راسخة لدى قطاعات واسعة من المجتمع، حتى أصبح الحديث عن أزمة المطالعة أمرا مألوفا. لكن لا ينبغي أن نستسلم لهذا الواقع ونكتفي بترديد أن الناس لا تقرأ؛ بل علينا أن نسأل: ماذا فعلنا لتنشئة جيل قارئ؟
إن المدرسة هي المدخل الأول لاستعادة مكانة الكتاب، وهي المؤسسة التي ينبغي أن تكون محور المشروع الثقافي، قبل المهرجانات والتظاهرات الموسمية. فلا يمكن أن نتحدث عن نهضة ثقافية في مجتمع لا تتوفر مدارسه على مكتبات حقيقية، ولا يتربى أبناؤه على مصاحبة الكتاب منذ الصغر.
والأمر لا يتوقف عند المدارس، فمدننا تعاني فقرا واضحا في المكتبات العمومية والخاصة، بل إن بعض الفضاءات التي كانت مخصصة للكتاب والثقافة تحولت إلى دكاكين لبيع المأكولات والمشروبات! فكيف نريد مجتمعا قارئا ونحن لا نوفر له فضاءات القراءة؟
ثانيا: دور النشر بين الرسالة التجارية والوظيفة الثقافية
من المشكلات التي تستحق الوقوف عندها واقع عدد من دور النشر الجزائرية التي اختزلت وظيفتها في الطباعة مقابل المال. يأتي المؤلف بكتابه، ويدفع تكاليف باهظة، فتتكفل الدار بطباعته، ثم تنتهي مهمتها عند هذا الحد؛ فلا توزيع حقيقيا، ولا ترويج، ولا إشهار، ولا متابعة لوصول الكتاب إلى القراء.
وهذا في الحقيقة أقرب إلى نشاط المطابع منه إلى وظيفة دور النشر. فالناشر الحقيقي ليس مجرد تاجر يبيع خدمة الطباعة، وإنما هو مثقف يؤمن بالكتاب، ويكتشف المواهب، ويرعى الأقلام الجديدة، ويغامر أحيانا بنشر أعمال واعدة لا يضمن منها ربحا سريعا.
ولعلنا نجد في تجارب عدد من دور النشر في المشرق العربي نماذج مختلفة، حيث يقف وراءها مثقفون لهم شغف بالكتاب، واهتمام بالمؤلفين، واستعداد لتشجيع المواهب الجديدة، وليس مجرد حسابات تجارية.
ومن هنا، أوجه تنبيها أخويا إلى الشباب المبتدئين الذين يرغبون في نشر مؤلفاتهم: احذروا بعض دور النشر التي تتصيد حماسة المؤلفين الجدد وقلة خبرتهم، وتستدرجهم بعقود وتكاليف لا تضمن لهم في النهاية سوى الحصول على نسخ من كتبهم. اسألوا عن التوزيع والتسويق والإشهار، واطلعوا على تجارب المؤلفين السابقين، ولا تجعلوا مجرد ظهور أسمائكم على غلاف كتاب سببا في التنازل عن حقوقكم أو دفع أموال طائلة دون مقابل ثقافي حقيقي.
وهناك أيضا ظاهرة تستحق النقاش، تتمثل في بعض دور النشر ذات التوجه الفرنكفوني التي تيسر النشر في موضوعات معينة، لكنها تضيق على الأعمال ذات المرجعية الإسلامية أو التوجه الفكري الإسلامي. وهذا يطرح سؤالا عن معايير الانتقاء والنشر، وعن مدى انفتاح سوق الكتاب على مختلف الاتجاهات الفكرية والثقافية.
ثالثا: ماذا نشتري من المعرض؟
إن المتجول في أجنحة المعرض يلاحظ حضورا لافتا لأنواع من الكتب التي لا تتطلب جهدا فكريا كبيرا، مثل كتب تفسير الأحلام والطبخ، والقصص الغرامية، وكتب الوصفات والمأكولات، في مقابل حضور يحتاج إلى تعزيز للكتب الفكرية والعلمية والتاريخية والتربوية والشرعية.
ليس الاعتراض على هذه الأصناف من الكتب في ذاتها، فلكل قارئ اهتماماته، ولكل مجال جمهوره، وإنما الاعتراض على اختلال التوازن، وعلى أن تصبح هذه العناوين هي الأكثر بروزا وجذبا، بينما يتراجع الكتاب الذي يبني الوعي، ويعمق المعرفة، ويساعد على فهم تحولات المجتمع والعالم.
فالمعرض ليس سوقا لتصريف المطبوعات فحسب، بل ينبغي أن يكون مناسبة لتوسيع آفاق القارئ، وتعريفه بالكتب الجادة، وفتح نوافذ جديدة أمامه.
رابعا: نصيحة لزوار المعرض
أدعو رواد المعرض، ولا سيما الشباب والطلبة، إلى ألا يجعلوا جولتهم محكومة بالأغلفة الجذابة والعناوين الرائجة، وأن يقصدوا أجنحة دور النشر المعروفة بالجدية والالتزام، وأن يخصصوا جزءا مهما من ميزانيتهم لاقتناء الكتب المؤسسة في الفكر والثقافة والتاريخ والعلوم الشرعية.
اقتنوا كتب كبار العلماء والدعاة والمفكرين، وابحثوا عن المؤلفات التي توسع مدارككم، وتمنحكم أدوات لفهم الواقع، وتعينكم على بناء مواقفكم على العلم والمعرفة، لا على الانطباعات العابرة والمعلومات المبتورة.
إن اقتناء الكتاب ليس مجرد عملية شراء، بل هو استثمار في العقل والوعي، واختيار لما نريد أن نكون عليه في المستقبل.
وأخيرا، نريد للمعرض الدولي للكتاب بالجزائر أن يكون أكثر من تظاهرة سنوية ناجحة من حيث التنظيم والإقبال؛ نريده أن يكون رافعة حقيقية للقراءة، ومنصة لاكتشاف المواهب، وفضاء لدعم التأليف الجاد، ومناسبة لمراجعة واقع النشر والتوزيع، وإعادة الاعتبار للكتاب في المجتمع.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الاحتفالات بالكتاب بقدر حاجتنا إلى مجتمع يعيش مع الكتاب، ومدرسة تصنع القارئ، وناشر يحمل رسالة، ومؤلف يجد من يشجعه، وقارئ يعرف كيف يختار.
تلك هي بعض الدروب التي ينبغي أن نخرج إليها، بدل الاكتفاء بالدروب المعبدة والمألوفة.
عبد العزيز كحيل
معرض الكتاب الدولي بالجزائر: دعوة إلى الخروج من الدروب المعبّدة
2026-11-02
50 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال