بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من يملك الحقيقة ؟

2026-11-01 111 قراءة مقالات رأي محمد عزيز الغنودي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من يملك الحقيقة ؟
من يملك الحقيقة؟

بقلم: محمد عزيز الغنودي
في الحروب قد تكون الرصاصة أسرع من الحقيقة غير أن الرواية التي تنتشر بعدها قد تكون أكثر تأثيرا في تحديد نتائج الصراع. فبينما تنشغل الجيوش بإدارة العمليات العسكرية تعمل الحكومات والمؤسسات الإعلامية وشبكات الاتصال على جبهة موازية تتعلق بتفسير ما يحدث وتحديد المسؤوليات وتوجيه الرأي العام . ققد أصبح المشهد الدولي المعاصر يكشف عن مفارقة لافتة : العالم يشاهد نفس الحدث لكنه لا يتلقى بالضرورة المعنى ذاته . لأن الوقائع تمر عبر منظومات سياسية وإعلامية وتقنية تتنافس على صياغة تفسيرها .
هذا التحول يطرح سؤالا يتجاوز طبيعة العمل الإعلامي وحدود الدعاية السياسية:
من يمتلك القدرة على صناعة الحقيقة في المجال الدولي؟ وهل أصبحت السيطرة على رواية الأحداث مكونا من مكونات القوة للدول؟
لطالما ارتبطت قوة الدولة بقدراتها العسكرية والاقتصادية وبمدى امتلاكها أدوات التأثير الدبلوماسي والتحالفات الإقليمية والدولية. غير أن التطور المتسارع في تكنولوجيا الاتصال أعاد تشكيل البيئة التي تمارس ضمنها هذه القوة . فالمعلومة أصبحت موردا استراتيجيا والقدرة على إنتاجها وتوزيعها وتوجيه استقبالها باتت جزءا لا يتجزأ من التنافس بين الفاعلين الدوليين.
من هذه الزاوية يمكن فهم صعود ما يعرف بالقوة الإدراكية باعتبارها قدرة الفاعل السياسي على التأثير في تصورات الجمهور وتفسيراته ومواقفه تجاه الأحداث والقضايا .
تكمن أهمية هذا التحول في أن الصراع على السرديات أصبح يمتد إلى ما وراء حدود المؤسسات الإعلامية التقليدية. فالدولة تسعى إلى تقديم رواية تبرر مواقفها وتدافع عن شرعيتها وتحافظ من خلالها على حلفائها فيما تعمل الأطراف المنافسة على تفكيك تلك الرواية وإنتاج إطار تفسيري مضاد.
هكذا تتحول الوقائع إلى موضوع للتنافس السياسي . أين يصبح تحديد سياق الحدث وطريقة عرضه جزءا من إدارة الصراع ذاته.
وتقدم الحرب الروسية الأوكرانية مثالا واضحا على هذا المسار.
فمنذ اندلاع الحرب في فيفري 2022 لم تقتصر المواجهة على العمليات العسكرية والمواقع الجغرافية . بل امتدت إلى المجال المعلوماتي والدبلوماسي.
فقد سعت موسكو إلى تقديم مبرراتها السياسية والأمنية للحرب بينما ركزت كييف على إبراز انتهاك سيادتها وسلامة أراضيها وحشد الدعم الدولي لموقفها.
وفي موازاة ذلك تحولت الصور الميدانية والتصريحات الرسمية والتقارير الصحفية إلى أدوات مؤثرة في تشكيل المواقف الدولية. حيث اكتسبت القدرة على الوصول إلى الجمهور العالمي وإقناعه بأحد التفسيرات أهمية خاصة في معركة استقطاب الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي.
أما في الأراضي الفلسطينية المحتلة فقد اتخذ الصراع على السرديات أبعادا أكثر تعقيدا فبالنظر إلى الطبيعة التاريخية والسياسية والقانونية للقضية. أظهرت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 كيف يمكن للمعلومة والصورة والشهادة الميدانية أن تتحول إلى عناصر مؤثرة في النقاش الدولي حول الحرب.
فقد ساهم انتشار المشاهد القادمة من القطاع في توسيع دائرة الاهتمام العالمي بالكارثة الإنسانية كما أثار نقاشات واسعة حول القانون الدولي الإنساني ومسؤولية الأطراف المتنازعة .
في المقابل برزت محاولات متواصلة لتوجيه تفسير الأحداث والتحكم في المصطلحات المستخدمة لوصفها . بما يعكس أهمية اللغة في بناء المواقف السياسية وتحديد طبيعة التعاطف الدولي.
من المهم في هذا السياق الانتباه إلى أن المعركة على الرواية لا تجري دائما من خلال التصريحات الرسمية أو الحملات الإعلامية المباشرة. فقد أصبحت البنية التقنية للمنصات الرقمية نفسها جزءا من معادلة النفوذ.
فالشركات التي تدير شبكات التواصل الاجتماعي تمتلك قدرة واسعة على تنظيم تدفق المحتوى وترتيبه وتحديد مدى ظهوره للمستخدمين اعتمادا على خوارزميات وأنظمة توصية معقدة. وهذا يمنحها موقعا مؤثرا في تشكيل المجال العام الرقمي وفي تحديد الموضوعات التي تحظى بالاهتمام والانتشار.
تثير هذه المسألة إشكالا سياسيا بالغ الأهمية يتعلق بطبيعة السلطة التي تمارسها المنصات الرقمية.
فعندما تتحكم الخوارزميات في ترتيب المحتوى تصبح قرارات التصميم والإشراف والتوزيع ذات آثار تتجاوز الاعتبارات التقنية والتجارية.
وقد يؤثر حذف منشور أو تقييد انتشاره أو إبراز محتوى آخر في قدرة الأفراد والمؤسسات على إيصال مواقفهم. ومن ثم تبرز أسئلة تتعلق بالشفافية والمساءلة وحدود المسؤولية السياسية للشركات التكنولوجية الكبرى خاصة عندما يتعلق الأمر بالنزاعات المسلحة والقضايا ذات الحساسية الدولية .
و تأكيدا لذلك : أضاف الذكاء الاصطناعي التوليدي مستوى جديدا من التعقيد إلى هذا المشهد. فإنتاج الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية الاصطناعية أصبح متاحا على نطاق أوسع وتطورت تقنيات التلاعب بالمحتوى المرئي والمسموع بدرجة تجعل التحقق من بعض المواد المتداولة أكثر صعوبة.
ويبرز هنا خطر ما يعرف بالتزييف العميق الذي يمكن توظيفه في فبركة تصريحات أو مشاهد أو أحداث بهدف التأثير في الرأي العام وإرباك المؤسسات وإلحاق الضرر بسمعة الفاعلين السياسيين .
غير أن الخطر الأكثر عمقا قد يتمثل في تراجع الثقة بالمعلومات ذاتها .
فعندما يصبح الجمهور مدركا لإمكانية اصطناع الصور والتسجيلات يمكن أن يتحول هذا الإدراك إلى مدخل للتشكيك حتى في الأدلة الصحيحة.
هنا تبرز معضلة جديدة: لم تعد المشكلة مقتصرة على انتشار المعلومات المضللة وإنما أصبحت تشمل إمكانية استخدام وجود التضليل ذريعة للطعن في الوقائع المثبتة . وتكتسب هذه الظاهرة خطورتها عندما تتحول حالة الشك العام إلى بيئة تسمح بتسويق روايات متناقضة دون معايير واضحة للتحقق .
في هذا الإطار تتجه دول عديدة إلى إدماج الأمن المعلوماتي والاتصال الاستراتيجي ضمن حساباتها المتعلقة بالأمن القومي.
فالتأثير في الرأي العام وتوجيه النقاشات الرقمية واستهداف الثقة بالمؤسسات أصبحت موضوعات حاضرة في الدراسات الأمنية والاستراتيجية.
كما أن العمليات المعلوماتية قد تتداخل مع أدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري بما يجعلها جزءا من منظومة أوسع لإدارة الصراع. مع ذلك تظل هناك ضرورة للتمييز بين الاتصال الاستراتيجي الذي تستخدمه الدول لشرح سياساتها والدفاع عن مصالحها وبين حملات التضليل التي تقوم على التلاعب المتعمد بالوقائع أو اصطناع الأدلة أو إخفاء مصادر المعلومات .
تتصل هذه الإشكالية كذلك بمستقبل المؤسسات الإعلامية ودورها في النظام الدولي.
ففي بيئة تتسم بسرعة تداول المحتوى وشدة المنافسة على جذب الجمهور تواجه الصحافة تحديا يتعلق بالحفاظ على معايير التحقق والاستقلالية المهنية.
وقد أصبحت سرعة النشر في بعض الحالات عامل ضغط يدفع المؤسسات إلى التعامل مع مواد غير مكتملة التحقق وهو ما يهدد مصداقيتها على المدى الطويل.
كما أن الاستقطاب السياسي قد يؤثر في اختيار المصادر والمصطلحات وزوايا المعالجة فتتحول بعض المنابر إلى امتداد للخطاب السياسي للأطراف المتنافسة.
رغم ذلك . إن اختزال المجال الإعلامي في كونه ساحة للدعاية المتبادلة يغفل الدور الذي يمكن أن تؤديه الصحافة المستقلة والتحقيقات الميدانية والوثائق المفتوحة في كشف الوقائع ومساءلة أصحاب السلطة.
فالتقنيات الرقمية التي أتاحت نشر المعلومات المضللة وفرت أيضا أدوات جديدة للتحقق والتوثيق من بينها تحليل الصور والأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة.
إن التحولات الجارية تفرض إعادة النظر في مفهوم القوة داخل العلاقات الدولية. فامتلاك أدوات التأثير في الإدراك الجماعي أصبح عنصرا إضافيا في قدرة الدول على حماية مصالحها وتوسيع نفوذها لكنه يظل مرتبطا بمدى صدقية خطابها واتساقه مع ممارساتها.
فقد تحقق الرواية السياسية انتشارا واسعا بفعل التفوق التقني أو الموارد المالية أو النفوذ الإعلامي غير أن استمرار تأثيرها يتطلب قدرا من المصداقية تستطيع الوقائع اختباره بمرور الوقت .
في تقديري فإن جوهر التحول الذي نشهده يكمن في انتقال التنافس الدولي إلى مستوى جديد أصبحت فيه معركة تفسير الأحداث جزءا من معركة التأثير في نتائجها.
فالدولة التي تنجح في توجيه الإدراك العام قد تعزز قدرتها على حشد الدعم أو إضعاف خصومها أو تحسين موقعها التفاوضي .
غير أن امتلاك أدوات التأثير لا يمنحها حق احتكار الحقيقة كما أن القدرة على فرض رواية معينة لا تعني بالضرورة أنها الرواية الأكثر مطابقة للوقائع.
خلاصة القول : أصبح العالم أمام معادلة معقدة تتداخل فيها القوة العسكرية مع النفوذ الإعلامي والتفوق التكنولوجي والقدرة على إدارة المعلومات. وفي ظل هذه المعادلة قد تنجح بعض الدول في كسب معركة الرواية بينما تتعثر في اختبار المصداقية وقد تتمكن أطراف أخرى من فرض حضورها في المجال الإعلامي دون امتلاك القوة المادية ذاتها. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم يتجاوز تحديد الطرف الأكثر قدرة على إيصال صوته إلى العالم إنه يتعلق بالمعايير التي تسمح لنا بالتمييز بين الحقيقة والرواية السياسية في زمن أصبحت فيه المعلومة نفسها ساحة للصراع.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال