بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

رائحة التغيير في العالم: هل بدأ عصر اليمين المتطرف يتراجع؟ من البرازيل وصربيا إلى فرنسا وإسرائيل... هل تتشكل موجة سياسية جديدة تعيد رسم موازين القوة والوعي؟

2026-11-01 78 قراءة مختلفات صدقي الزهدي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
رائحة التغيير في العالم: هل بدأ عصر اليمين المتطرف يتراجع؟

من البرازيل وصربيا إلى فرنسا وإسرائيل... هل تتشكل موجة سياسية جديدة تعيد رسم موازين القوة والوعي؟

ثمة رائحة تغيير بدأت تفوح في أكثر من عاصمة، ومؤشرات سياسية واجتماعية تتراكم بما يوحي بأن العالم ربما يكون بصدد الدخول في مرحلة جديدة من التحولات. فمن البرازيل إلى صربيا، ومن شوارع فرنسا إلى المشهد السياسي الإسرائيلي، تتعدد الأحداث وتختلف سياقاتها، لكن ثمة خيطاً ناظماً بينها يستحق التأمل: تراجع جاذبية الخطاب اليميني المتطرف، وتصاعد الاعتراض الشعبي على نماذج سياسية جعلت الخوف والانقسام والعداء للآخر أدوات للحكم وإعادة إنتاج السلطة.

قد يكون من المبكر الحديث عن نهاية اليمين المتطرف، أو الجزم بأن العالم بدأ يلفظه بصورة نهائية، لكن من الصعب أيضاً التعامل مع هذه المؤشرات باعتبارها أحداثاً معزولة لا يجمع بينها شيء. فما يجري قد يكون تعبيراً عن بداية مراجعة سياسية واجتماعية أوسع، تتعلق بطبيعة السلطة، وحدود الشعبوية، ومستقبل الديمقراطية، ودور الأجيال الجديدة في صناعة القرار.

في البرازيل، مثّل انتصار لولا دا سيلفا على معسكر بولسونارو رسالة سياسية تتجاوز حدود أميركا اللاتينية. فقد أثبتت التجربة أن الشعبوية اليمينية، مهما امتلكت من أدوات التعبئة والتأثير، ليست قدراً سياسياً محتوماً، وأن المجتمعات تستطيع إعادة فتح المجال أمام خيارات سياسية مختلفة. ولم يكن الرهان في هذه المواجهة متعلقاً بشخص الرئيس وحده، بل بمستقبل الدولة البرازيلية، وبالتوازن بين المؤسسات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وبين خطاب الانقسام وإمكانية استعادة مشروع وطني جامع.

وفي صربيا، اكتسب الحراك الطلابي والشعبي أهمية استثنائية، لأنه كشف عن تحوّل في طبيعة الفعل السياسي. فالشباب لم يعودوا مجرد كتلة انتخابية تنتظر استدعاءها في مواسم الاقتراع، بل أصبحوا قوة قادرة على مساءلة السلطة وفرض قضايا الفساد والمحاسبة ومستقبل الدولة على جدول الأعمال الوطني. وهذه النقلة بالذات قد تكون من أهم ملامح المرحلة المقبلة: انتقال الأجيال الجديدة من موقع الاعتراض إلى موقع المشاركة في إعادة تشكيل المجال السياسي.

أما فرنسا، فإن الحراك الشبابي والاجتماعي في مواجهة سياسات ماكرون يكشف عن أزمة أعمق من الخلاف حول إجراء حكومي أو قرار اقتصادي. إنها أزمة ثقة بين المجتمع ومؤسساته، وبين جيل يبحث عن ضمانات لمستقبله وسلطة تبدو عاجزة عن تقديم إجابات مقنعة عن أسئلة العمل والتعليم والعدالة الاجتماعية والتمثيل السياسي. وما يميز هذا المشهد أن الاحتجاج لم يعد محصوراً في الأحزاب التقليدية أو النقابات، بل بات يعبر عن شعور متنامٍ بأن الصيغة السياسية القائمة لم تعد تستوعب تطلعات قطاعات واسعة من المجتمع.

وفي إسرائيل، تكتسب التحولات المرتبطة بمعسكر بنيامين نتنياهو وحليفيه بن غفير وسموتريتش دلالة خاصة. فالمشروع الذي راهن على توسيع نفوذ اليمين القومي والديني المتشدد يواجه بدوره تحديات سياسية واجتماعية، في ظل الانقسامات الداخلية وتداعيات الحرب وأزمة الثقة في القيادة. غير أن تراجع هذا المعسكر، إن تأكد انتخابياً، لا يعني بالضرورة انتهاء اليمين الإسرائيلي أو تحول الدولة إلى مسار سياسي جديد تجاه الفلسطينيين. فالمجتمعات قد ترفض حكومة بسبب إخفاقاتها الأمنية والسياسية، من دون أن تتخلى بالضرورة عن المنظومة الفكرية التي أنتجت سياساتها.

ومع ذلك، فإن اجتماع هذه المشاهد يفتح الباب أمام سؤال استراتيجي: هل بدأت المجتمعات، في أكثر من منطقة، تفقد قدرتها على احتمال الخطاب السياسي الذي يعيش على صناعة الخوف والعدو والانقسام؟

من الشعبوية إلى أزمة النموذج

لم يصعد اليمين المتطرف من فراغ. لقد استفاد من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، ومن تراجع الثقة بالأحزاب والمؤسسات التقليدية، ومن مخاوف قطاعات واسعة إزاء الهجرة والهوية والأمن ومستقبل الطبقة الوسطى. كما استفاد من عجز النخب السياسية عن تقديم حلول مقنعة لمشكلات المعيشة والتفاوت الاجتماعي وتراجع فرص الأجيال الجديدة.

لكن المشكلة أن الخطاب الشعبوي، بعد وصوله إلى السلطة، لم يكن دائماً قادراً على معالجة الأزمات التي ساهمت في صعوده. ففي حالات عديدة، تحولت الأزمات إلى أدوات لإدامة التعبئة السياسية، وأصبح إنتاج الخصوم والأعداء بديلاً عن إنتاج الحلول، وتحولت الهوية الوطنية من إطار جامع إلى أداة للإقصاء والاستقطاب.

وهنا يبدأ التناقض: السلطة التي تصل إلى الحكم باسم استعادة الدولة قد تنتهي إلى إضعاف مؤسساتها، والتي تعد باستعادة السيادة قد تجد نفسها عاجزة عن معالجة التبعية الاقتصادية والتكنولوجية، والتي ترفع شعار حماية المجتمع قد تعمق انقساماته الداخلية.

ولذلك فإن ما نشهده قد لا يكون مجرد رفض لأحزاب أو زعماء، بل بداية مساءلة للنموذج السياسي الذي جعل الشعبوية بديلاً عن السياسة، والخوف بديلاً عن الثقة، والاستقطاب بديلاً عن المشروع الوطني.

الشباب: القوة الصاعدة في معادلة التغيير

من أهم ما ينبغي التوقف عنده في هذه التحولات هو الدور المتزايد للشباب. فالأجيال الجديدة لم تعد تقبل بسهولة أن تكون موضوعاً للقرارات التي تحدد مستقبلها، ولا أن تظل محاصرة بين خيارات سياسية لا تعبر عن طموحاتها.

إنها أجيال تعيش في عالم مفتوح على المعرفة والاتصال والمقارنة، وتدرك أن الفجوة بين الإمكانات التي يتيحها العصر والفرص المتاحة داخل مجتمعاتها ليست أمراً طبيعياً أو حتمياً.

لكن أهمية هذه القوة الشبابية لا تكمن في قدرتها على الاحتجاج وحده، بل في قدرتها على الانتقال من الاعتراض إلى التنظيم، ومن التعبئة الرقمية إلى بناء المؤسسات، ومن المطالبة بالتغيير إلى إنتاج البدائل.

فالشارع يستطيع أن يفرض أزمة على السلطة، لكنه لا يستطيع وحده إدارة الدولة. والاحتجاج يستطيع أن يفتح أبواب التحول، لكنه يحتاج إلى مشروع سياسي واقتصادي ومعرفي يحمي مكتسباته ويمنع إعادة إنتاج الأزمات بصيغ جديدة.

هل نحن أمام تحول في المزاج العالمي؟

الأرجح أننا أمام مرحلة انتقالية تتراجع فيها قدرة بعض الخطابات السياسية على احتكار المجال العام، وتتزايد فيها المطالبة بالعدالة الاجتماعية والمحاسبة والكرامة والتمثيل السياسي. لكن ذلك لا يعني أن العالم يتجه بصورة آلية نحو اليسار، أو أن الديمقراطية تنتصر في كل مكان.

فاليمين المتطرف لا يزال يمتلك قواعد انتخابية وتنظيمية وإعلامية واسعة، وقد يستفيد من الأزمات الاقتصادية والهجرة والتوترات الأمنية لإعادة بناء نفوذه. كما أن فشل الحكومات التي تخلفه في تحقيق تطلعات الناخبين قد يمنحه فرصة جديدة للعودة.

ومن هنا، فإن المعركة المقبلة لن تكون بين اليمين واليسار بالمعنى التقليدي وحده، بل بين نموذجين في إدارة المجتمعات: نموذج يوظف الخوف والانقسام ويختزل الدولة في سلطة الحاكم، ونموذج يسعى إلى استعادة السياسة باعتبارها مجالاً للتنافس والمحاسبة وإنتاج الحلول وتحقيق المصلحة العامة.

وقد يكون العالم مقبلاً على إعادة تشكيل خريطته السياسية، لا عبر ثورة عالمية واحدة، وإنما من خلال تحولات متزامنة ومتفاوتة، تتراكم نتائجها تدريجياً حتى تغير اتجاهات الرأي العام وموازين القوة داخل الدول.

من جغرافيا الحرب إلى جغرافيا الوعي والعمران

هنا تبرز قراءة أعمق لهذه التحولات. فالتغيير لا يبدأ دائماً من مراكز القوة العسكرية والاقتصادية، بل قد يبدأ من تحول في وعي المجتمعات، ومن إعادة تعريفها لعلاقتها بالسلطة والدولة والمستقبل.

في جغرافيا الحرب، تتحدد موازين القوة بامتلاك أدوات الردع والقرار والسيادة والقدرة على حماية المصالح الوطنية. أما في جغرافيا الوعي، فتتحدد القدرة على تشكيل التصورات العامة، وإنتاج المعنى، وتعبئة المجتمع حول مشروع سياسي أو حضاري.

لكن جغرافيا الوعي وحدها لا تكفي. فلا بد أن تتحول إلى جغرافيا عمران، أي إلى مؤسسات واقتصاد منتج وعلم وتكنولوجيا وقدرة وطنية مستدامة.

وهذا هو الفارق بين تغيير الحكومات وتغيير مسار التاريخ. فقد تسقط حكومة وتأتي أخرى، وقد يتراجع حزب ويصعد منافسوه، لكن المجتمع لا يغادر أزمته ما لم يمتلك القدرة على إنتاج نموذج جديد للحكم والتنمية وتوزيع القوة والثروة.

إن القيمة الاستراتيجية للحظة الراهنة لا تكمن فقط في احتمال تراجع اليمين المتطرف، بل في السؤال عما إذا كانت المجتمعات قادرة على تحويل هذا التراجع إلى مرحلة جديدة من إنتاج القوة الوطنية والعدالة والمؤسسات.

والسؤال الذي ينبغي أن يشغل العالم العربي

بينما تتفاعل هذه التحولات في البرازيل وأوروبا وإسرائيل ومناطق أخرى، يظل السؤال العربي أكثر إلحاحاً: أين نحن من هذه اللحظة؟
هل نمتلك القدرة على قراءة التحولات الدولية باعتبارها فرصاً لإعادة بناء الدولة والمجتمع، أم سنظل نتابع صراعات الآخرين ونكتفي بالتعليق على نتائجها؟
إن المفارقة أن مجتمعات غربية تعيد اليوم طرح أسئلة السلطة والمحاسبة والعدالة والتمثيل، في حين لا تزال أجزاء واسعة من العالم العربي تعاني من انسداد سياسي، وضعف المؤسسات، وتراجع المشاركة الشعبية، وتهميش الأجيال الجديدة.

إن التحدي العربي ليس أن ينتصر اليسار في البرازيل أو يتراجع اليمين في أوروبا، بل أن نستخلص من هذه التحولات أن التاريخ لا يتوقف عند لحظة صعود سلطة، وأن المجتمعات التي تفقد قدرتها على التأثير في مستقبلها تتحول إلى موضوع لتاريخ يصنعه الآخرون.

نحو مرحلة جديدة أم مجرد هدنة سياسية؟
قد لا يكون ما يحدث بداية نهاية اليمين المتطرف، لكنه قد يكون بداية نهاية قدرته على تقديم نفسه باعتباره الخيار الوحيد أو التعبير الحصري عن إرادة الشعوب.
وقد لا تكون هذه التحولات كافية لإنتاج نظام دولي أكثر عدالة، لكنها تكشف أن المجتمعات لا تزال تمتلك القدرة على مراجعة خياراتها، ومقاومة احتكار السلطة، وإعادة فتح مسارات التغيير.
إن العالم لا يتغير بالضرورة عندما تسقط حكومة أو يخسر زعيم انتخابات، بل عندما يتغير وعي المجتمع بما يستحقه، وبما يستطيع إنتاجه، وبحدود ما يمكن أن يقبله من سلطته.
لهذا، ربما لم يعد السؤال الحقيقي هو: هل بدأ العالم يلفظ اليمين المتطرف؟
السؤال الأعمق هو: هل بدأت المجتمعات تستعيد حقها في صناعة مستقبلها، بعد سنوات من الخوف والاستقطاب واحتكار القرار؟
فإذا كانت البرازيل قد أثبتت أن صناديق الاقتراع تستطيع عكس اتجاه سياسي، وكانت صربيا قد كشفت قدرة الشباب على فرض إرادتهم، وكانت فرنسا تعبر عن أزمة تمثيل وثقة، وكان المشهد الإسرائيلي يكشف حدود المشروع اليميني المتشدد، فإن الرسالة المشتركة هي أن المجتمعات ليست كيانات جامدة، وأن موازين القوة السياسية قابلة للتغير.
المزاج العالمي يتغير، وربما تكون رائحة التغيير التي بدأت تفوح اليوم مقدمة لمرحلة سياسية جديدة. لكن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يتغير العالم؟ بل: هل نحن جاهزون لنكون جزءاً من هذا التغيير، بدل أن نبقى متفرجين عليه؟
فالتاريخ لا يمنح مكاناً دائماً للمتفرجين، ولا يكفي أن ننتظر سقوط نماذج الآخرين. المطلوب أن نمتلك الوعي والمشروع وأدوات القوة لبناء نموذجنا.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن ينتصر اليمين المتطرف في العالم، بل أن يتراجع في العالم بينما نظل نحن عاجزين عن إنتاج بديلنا التاريخي.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال