أعمل يومياً لمدة لا تقل عن 10ــــ 12 ساعةبمكتبي، مستخدماً تقنيات متقدمة، وبلغتين أو ثلاثة، المصادر كثيرة، بعضها تدلك على مفاتيح التفكير، والتحليل، وتأخذك إلى نتائج كبيرة، بعضها سارة حين تنبأك عن تقدم محتمل، إذ [نه يحمل كمؤشرات وملامح، عناصر إيجابية تدفع إلى الأمام،ـ ,وأخرى تنبأك بمؤشرات سلبية إلى نتاج كامنة، أو أنك لا تلاحظها، أو لا تشخصها بالدقة الضرورية. حين تراقب هذه العملية (Prozess). وحين تراقب مجريات هذه العملية بدقة ومآلاتها على مدى السنوات المنصرمة ستجد أنتقالات باهرة في مستويات العمل والانجاز، أو سلبية في إنحدار ملموس، أو غير ظاهرة للعيان، ولكنها واضحة في عيون الخبراء والمختصين.
وأود هنا أن أركز على الاستحقاقات الرئيسية في المجالات التي تؤدي في تضافرها في المدى المتوسط والبعيد، إلى نتائج كبيرة، نتائج ستمنح المراقب رؤية مادية دقيقة، لا تحتمل الخطأ، ولا التزوير، بل مواجهة مباشرة للمعطيات الواقعية، وبعقل علمي مادي تقودك إلى نتائج حتمية لا شك في صحتها، ولا علاقة للمزاج والهوى في تبلورها النهائي.
ومن أهم العناصر الغير ظاهرة للعيان يألوان صارخة، ولكن لغة الأرقام تقشر وقار الحقيقة، وتضعك مباشرة أمام نتائج كبيرة، أنت مضطر للأخذ بها، إن كنت تبحث عن حلول لمشكلات قد يكون مؤدى البعض منها هو الموت السريري، أي مريض عاجز عن إبداء أي رد فعل، جسد متوفي واقعياً، يعيش بواسطة الاجهزة فقط. عاجز عن إبداء أي رد فعل. وهناك حقائق مادية (أرقام واحصائيات) ومقارنات، حين تسمعها أو تتعرف عليها دراسياً وبحثياً، تصيبك بالصداع، وربما الصرع إذا كنت متعلقا بالقضية موضوعة المقارنة أو البحث.
وحين تعلم مثلاً، الفرق في القدرة الانتاجية في بلد متقدم كألمانيا أو اليابان، أو بريطانيا، وبين البلدان النامية والعراق مثلاً، ستصاب بالدهشة والذهول، والصداع إذا عملت مثلاً أن مصنع للسيارات (قسم التركيب) ينتج في المانيا 120 سيارة يومياً، ونفس القسم وبنفس المعطيات ينتج : 8 سيارات فقط، في مصنع مماثل في القاهرة، وهذا يعني أن عامل واحد ينتج بقدرما ينتجه 15 عامل مصري. مع العلم أن انتاجية العامل المصري هي أعلى من انتاجية العامل العراقي. وأطلعت شخصياً (في زيارة رسمية) على عمل وأنتاج مصنع ألماني مهم، وبعد الجرد تبين أن المصنع ينتج ويصدر ويدخل للبلاد العملة الصعبة، بقدر كل صادرات دولة مهمة من الدول النامية (11 مليار دولار).
وأعترف اني اصبت بالصداع حين سمعت هذا الرقم، ولدي معطيات أخرى مؤلمة، سنستعرضها في مكان آخر. والتجسيد الواقعي لهذه المشكلة المؤلمة، أن أي بلد إذا أراد أن يشتري مصنع يقدم تكنولوجيا متقدمة، سوف يجد صعوبة كبيرة في إيجاد العمال المهرة، وربما المهندسين لتشغيل المصنع، فالمشكل تصبح مضاعفة: أولاً سعر التكنولوجيا المستوردة، وثانياً تأهيل عمال مهرة لإدارة المصنع. وإلا فتسليم مصنع متقدم جداً، بأيدي عمال غير مؤهلين فالنتيجة كارثية حتماً.
وأهم ما أود الإشارة إليه هنا، هي الفقرات الخمسة أو الستة التي تمنح أي مجتمع ملامح المستقبل، مظلماً كان، أم مشرقاً، لا يختلف فيها العلماء، على اختلاف مذاهبهم العلمية هي: التعليم، الصحة، السكن، الغذاء. العمل، ويضيف بعض الخبراء الأمن.
التعليم:
ببساطة شديدة نتعرف على قاعدة أساسية: أن العلم والتعليم، هو الاستثمار الأكثر مردوداً للمكاسب، والأنجح على المدى المتوسط والبعيد، وهو الخطوة الأولى للتقدم والتنمية الشاملة، ومكافحة كافة آفات التخلف. وأهمية التعليم والأنفاق بسخاء عليه، يبتدأ من مرحلة الحضانة والروضة، وأنتهاء بالدراسات العليا، وربما التعليم في مرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية لا تقل أهمية عن الدراسات العليا.
وللتعليم قواعد صارمة لا تحتمل التساهل، فالتغافل عمداً أو سهواً عن فقرة تبدو صغيرة، إلا أنها ستمثل بالضبط، حفرة صغيرة في جسم سد شاهق، والحفرة خرق قابل للأتساع، وإحداث تخريب بعيد الأثر في البنية التعليمية.
وتكشف مصادر تهتم بالتزوير في مجال التعليم العالي أن " شهادات الماجستير تباع بما يتراوح بين خمسة آلاف وخمسة عشر ألف دولار، بينما تسعر شهادات الدكتوراه بين عشرة وعشرين ألف دولار، سواء صادرة من جامعات عراقية خاصة أو من جامعات خارجية.(1)
" وفي الآونة الأخيرة، تم الكشف في العراق عن حصول مسؤولين وسياسيين على شهادات مزورة من بين 27 ألف شهادة عليا مزورة (ماجستير ودكتوراه) حصل عليها طلاب عراقيون من ثلاث جامعات لبنانية "(2)
ومن مآسي شيوع التخلف والضحالة العلمية، أن يتوصل كثير من أصحاب الشهادات المزورة، أو الغير معادلة، إلى مراكز علمية في التعليم والتدريب، أو في مناصب حكومية سيادية.
وليس هذا فحسب، بل وفي تراجع مثير للأسى، تراجع مخيف في مستوى التعليم الابتدائي والاعدادي، يخرج لنا طلبة لا يتمتعون بأي مستوى، بل وبعضهم لا يجبد الكتابة حتى باللغة العربية، في حين التعليم في البلدان ذات المستوى التدريسي الجيد، يشترطون أن يجيد خريج الاعدادية(الثانوية) لغتين بجانب لغته الأم ..! وفي المدارس الممتازة، درجة النجاح هي 94% ويشترط معرفة 3 لغات إلى جانب لغته الأم. وكنا ذات يوم نسير قبل قرن تقريباً، على هذا الطريق يوم كان في بغداد ثانوية(كلية بغداد / Baghdad Coleg ) ومدرسة الموسيقى والباليه ...! وفي بغداد كانت بضعة ثانويات ممتازة: الاعظمية، المركزية، المنصور، الشرقية.. تقدم مستويات جيدة جداً، ولكن هذا راح وأندثر للأسف. ويوما كان العالم فيه ثلاث دول قضت على الامية تماماً وهي : كندا، كوريا الشمالية والعراق.
التعليم في العراق بحاجة لثورة شاملة من الروضة والابتدائية فصاعداً، وتطهير حازم حتى التعليم العالي والدراسات العليا، التي أصبحت مع الاسف الشديد من معاقل وحصون الجهل والتخلف، بل وهناك أجواء معادية للعلم، فهناك أتجاه ممنهج للأفكار الخرافية، وهيمنة اصحاب الشهادات المزورة والغير معادلة. التعليم في العراق في خطر حقيقي، بالكاد بمستوى محو الأمية. ويوما ما سنفكر ماذا نفعل بحملة شهادات الدكتوراه الهزيلة والماجستير والبكالوريوس التي لا تضم إلا قدراً ضئيلاً من العلم، مقابل التضليل والتجهيل وأحتقار العلم.
وسوف يتعين على قادة عملية تطوير التعليم أن يضعوا مؤشرات وعلامات إن ارادوا الوصول لنتائج ممتازة:
الاهتمام بالجهاز التعليمي بمبادئ تربوية، وهذا يعني أنتقاء الكوادر التعليمية من خريجي الكليات المتخصصة. ونهاية لعهد معلمي خريجي دار المعلمين الابتدائية.
الاهتمام باللغة الأجنبية الانكليزية بدرجة أساسية، بحيث يكون خريج الثانوية يتقن اللغة الإنكليزية تماماً.
البداية من المدارس الابتدائية بتعليم الكومبيوتر، بحيث يكون لدى خريج الثانوية شهادة أولية في علوم الكومبيوتر.
بذل اهتمام حقيقي بالدراسات العليا، وإلغاء الشهادات الغير معادلة.
أن تكون الاتقان التام للكومبيوتر والتي تتطلب تأهيلاً عالياً الاجنبية (إنكليزي، ألماني، فرنسي، اسباني) شرطاً لابد منه في الوظائف العالية التأهيل
أن تكون الكفاءة العلمية / الوظيفية، المعيار الأول والحاسم في التقدم للوضائف، وأن تقام أمتحانات ترقية صارمة، مع التقدم في سلم الدرجات الوظيفي. فالدولة ليست بقرة حلوب، تمنح الوضائف والدرجات كهبات وهدايا وإكراميات، يتربع في ظلها الكسالى وعديموا الكفاءة، في ظل محسوبيات ومحسوبيات، قادت إلى خراب دولة كانت مزدهرة.
أجازة لعدد غير محدود من المعاهد الأهلية المختصة بتعليم اللغات، والكومبيوتر، وتشرف الدولة وتتأكد من حسن مستوى التعليم فيها.
في أوربا وأميركا هناك معاهد وكليات تحمل هذا الأسم أو ما يشابهه(أكاديمية / معهد) ولكنها لا تعادل الشهادة الحكومية، وغير معترف بها، (الآن بدأت تتقلص بعد أن أستفحل أمرها) وفي العديد من الدول الاوربية ألغي التعليم الخاص، لتحتكر الدولة التعليم بكافة مراحله(كألمانيا والسويد وهولندة). وقيمتها العلمية هي ما يقرره أمتحان يؤديه حامل الدكتوراه أو الماجستير أو البكالوريوس، بموجبه يتقرر المرحلة العلمية التي يستحقها. وينص القانون الالماني على عقوبة رادعة لكل من يستخدم اللقب العلمي بدون إجازة، وحين تكون الشهادة رسمية ومعترف بها، يدون اللقب العلمي (د. Dr) في هويته الشخصية وجواز سفره، وسائر هوياته، كجزء متمم للهوية.
ليس بالضرورة أن يحصل كل فرد على شهادة عالية، ولكن من المعيب جداً أن تكون الشهادة مزورة أو غير معادلة، وغير معترف بها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
اقرأ المزيد على الرابط : https://www.almutalee.com/news/تقرير خطير: أكثر من نصف الشهادات العليا في العراق مزيفة"
نقلاً عن المدى
عناصر الدفع، عناصر السحب أولاً : التعليم
2026-10-31
76 قراءة
مختلفات
د. ضرغام عبد الله الدباغ
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال