بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

ما بعد 7 أكتوبر: هل أصبحت حقوق الإنسان رهينة السياسة من كونية الحقوق إلى انتقائية تطبيقها...كيف أعادت غزة تشكيل الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية؟

2026-10-29 226 قراءة مقالات فكر حنان الحيدري
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
2
ما بعد 7 أكتوبر: هل أصبحت حقوق الإنسان رهينة السياسة
من كونية الحقوق إلى انتقائية تطبيقها...كيف أعادت غزة تشكيل الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية؟
لم يكن السابع من أكتوبر 2023 مجرد منعطف جديد في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل لحظة كاشفة لاختلالات عميقة في النظام الدولي، وفي المنظومة التي طالما قدّمت حقوق الإنسان بوصفها قيمة كونية تتجاوز الحدود والهويات والتحالفات السياسية.

فمع اندلاع الحرب على غزة، لم ينحصر الجدل في طبيعة الهجوم الذي شنّته حركة حماس أو في الرد العسكري الإسرائيلي، بل امتد إلى سؤال أكثر جذرية: هل لا تزال حقوق الإنسان معيارًا ثابتًا يُحتكم إليه في تقييم الأفعال أم أصبحت خطابًا انتقائيًا يتغير تبعًا لهوية الضحية والجاني وموقعهما في خريطة المصالح الدولية؟

لقد كشفت الحرب عن مفارقة مؤلمة: عالمٌ يعلن تمسّكه بالحرية والكرامة الإنسانية، لكنه يعجز عن تحويل هذه المبادئ إلى حماية فعلية عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين. وبينما تصدّرت الاعتبارات الأمنية والسياسية الخطاب الدولي، ظلّت جذور الصراع، وفي مقدمتها الاحتلال والحصار والحرمان من تقرير المصير، موضع خلاف وتهميش في أجزاء من الخطاب السياسي والإعلامي.

إن فهم ما بعد السابع من أكتوبر يقتضي تجاوز منطق اللحظة المنفصلة عن تاريخها، والعودة إلى السؤال الذي ظل يؤرق القضية الفلسطينية: كيف يمكن الحديث عن السلام والحقوق في ظل استمرار الاحتلال وانسداد أفق التسوية العادلة؟

من كونية الحقوق إلى جغرافيا الضحايا

منذ اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، استقرّ مبدأ أساسي مفاده أن الكرامة الإنسانية ليست امتيازًا تمنحه الدول، ولا حقًا يتوقف على الانتماء الوطني أو السياسي. غير أن حرب غزة أعادت كشف المسافة بين هذا المبدأ وتطبيقه.

فحين تتفاوت الاستجابات الدولية لمعاناة المدنيين، وحين تتحرك أدوات الضغط والمساءلة بدرجات مختلفة تبعًا لهوية الطرف المعني، تصبح الكونية الحقوقية مهددة بالتحول إلى شعار أخلاقي لا يضمن حماية متساوية للجميع.

ولا يتعلق الأمر بإنكار اختلاف السياقات أو المسؤوليات، بل برفض تحويلها إلى مبرر لانتقائية المعايير. فالمدني الفلسطيني ليس أقل استحقاقًا للحماية من أي مدني آخر، وحق الفلسطينيين في الحياة والحرية والكرامة لا يجوز أن يُختزل في الاعتبارات الأمنية لدولة الاحتلال.

لقد أظهرت الحرب أن الأزمة لا تكمن بالضرورة في غياب النصوص القانونية، بل في تفاوت القدرة على فرض احترامها. فالقانون الدولي الإنساني يفرض التزامات على أطراف النزاع، ويحظر استهداف المدنيين وأخذ الرهائن والعقاب الجماعي، ويضع قيودًا على استخدام القوة، بصرف النظر عن هوية الأطراف.

لكن المعضلة تبدأ عندما تصبح هذه القواعد صارمة في الخطاب ومرنة في التطبيق؛ وعندما تتحول المساءلة إلى مسألة سياسية بدل أن تكون التزامًا قانونيًا.

حماس والسابع من أكتوبر: تحوّل في صورة المقاومة والخطاب الغربي

من أبرز المفارقات التي أفرزتها مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر أن حركة حماس، التي ارتبطت صورتها في الخطاب الغربي لعقود طويلة بتصنيف الإرهاب، أصبحت في قلب نقاش عالمي أوسع حول الاحتلال والمقاومة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

لم يكن هذا التحول نتيجة تبدّل موحّد في المواقف الرسمية الغربية، ولا يعني أن الحكومات الغربية تخلّت عن تصنيفاتها ومواقفها السابقة تجاه الحركة. لكنه كشف عن مسافة متزايدة بين المواقف الرسمية وقطاعات واسعة من الرأي العام، ولا سيما بين الشباب والطلاب والناشطين الحقوقيين الذين أعادوا النظر في الطريقة التي تُقدَّم بها القضية الفلسطينية في الإعلام والسياسة.

فقد أعادت مشاهد الدمار في غزة، وحجم الخسائر البشرية، ومعاناة المدنيين، القضية الفلسطينية إلى صدارة النقاش العالمي، ودفعت قطاعات من المجتمعات الغربية إلى مساءلة حكوماتها بشأن دعم إسرائيل، وحدود الدفاع عن النفس، ومدى اتساق سياساتها مع المبادئ التي تعلن الدفاع عنها.

وهنا تكمن المفارقة: لم يعد بالإمكان احتواء النقاش في ثنائية جاهزة تختزل المشهد في تصنيفات أمنية، بينما يتسع السؤال الشعبي ليشمل تاريخ الاحتلال، وحقوق الفلسطينيين الوطنية، ومسؤولية المجتمع الدولي عن استمرار الصراع.

لقد أظهرت التطورات أن تصنيف حركة سياسية أو عسكرية لا يكفي وحده لإغلاق النقاش بشأن القضية التي تنشط في سياقها، ولا يلغي حق الشعب الذي تنتمي إليه في الحرية وتقرير المصير. فالقضية الفلسطينية أوسع من حماس، كما أن فهم صعود الحركة لا ينفصل عن تاريخ الاحتلال وتعثر التسويات السياسية وتراجع الثقة في قدرة المجتمع الدولي على إنصاف الفلسطينيين.

ومن المهم هنا التمييز بين التحول في صورة الحركة لدى بعض قطاعات الرأي العام وبين تغير المواقف القانونية والرسمية للدول؛ فهما مساران مختلفان. لكن الأهم أن السابع من أكتوبر وما تلاه من حرب فتحا نقاشًا لم يعد محصورًا في الحكومات والمؤسسات، بل انتقل بقوة إلى الشوارع والجامعات والمنصات الرقمية.

لقد استطاعت القضية الفلسطينية، بفعل هذا التحول في الاهتمام العالمي، أن تتجاوز الحواجز التي حاولت طويلًا حصرها في إطار أمني ضيق، لتعود قضية تحرر وحقوق وطنية وكرامة إنسانية في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.

الشوارع الغربية تعيد طرح سؤال تقرير المصير

لم تكن المسيرات الحاشدة التي شهدتها عواصم ومدن غربية مجرد تعبير عابر عن التضامن مع غزة، بل مثّلت، في جانب منها، تحوّلًا في طبيعة النقاش العام بشأن فلسطين.

فقد خرج متظاهرون إلى الشوارع، واحتج طلاب في جامعات، ورفعت نقابات ومنظمات مدنية أصواتها مطالبة بوقف الحرب وحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وتجاوزت شعارات كثيرة المطالبة بوقف إطلاق النار إلى إعادة طرح القضية في إطارها السياسي الأوسع: إنهاء الاحتلال، ورفض التمييز، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وتكتسب هذه التحركات أهميتها من كونها جرت في مجتمعات ترتبط حكوماتها، بدرجات مختلفة، بعلاقات سياسية وعسكرية واقتصادية مع إسرائيل. فقد أصبحت السياسات الرسمية موضع مساءلة من مواطنين لم يعودوا يكتفون بتلقي الرواية الحكومية، بل يطالبون بتفسير التناقض بين الخطاب المعلن حول حقوق الإنسان والمواقف المتخذة إزاء غزة.

ولا تعني هذه المسيرات أن الرأي العام الغربي أصبح موحدًا، أو أن التحولات الشعبية تُرجمت بالضرورة إلى تغيير في السياسات الرسمية. لكنها تشير إلى أن احتكار تعريف القضية الفلسطينية لم يعد ممكنًا بالسهولة نفسها، وأن قطاعات من الجمهور باتت أكثر استعدادًا لمساءلة السرديات السائدة والبحث في جذور الصراع.

إن الشارع هنا لا يصنع السياسة الخارجية وحده، لكنه يغيّر شروط النقاش حولها، ويرفع الكلفة الأخلاقية والسياسية لاستمرار سياسات لا تنسجم مع مطالب قطاعات واسعة من المواطنين.

وهكذا، أصبحت فلسطين بالنسبة إلى كثيرين أكثر من قضية إقليمية؛ غدت اختبارًا لمصداقية الديمقراطيات الغربية، ولمدى استعدادها للدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها عندما يتعارض ذلك مع مصالح حلفائها.

الأمننة: حين تتحول الحرية إلى استثناء

من أبرز تحولات ما بعد السابع من أكتوبر تصاعد خطاب الأمن ومكافحة الإرهاب بوصفه إطارًا لتحديد حدود الحرية المقبولة. وقد أثارت القيود المفروضة على بعض الاحتجاجات والتجمعات المؤيدة لفلسطين في دول مختلفة نقاشًا واسعًا بشأن حرية التعبير والتظاهر، وبشأن الحدود الفاصلة بين التدابير الأمنية المشروعة وتقييد المجال العام.

لا يمكن إنكار حق الدول في حماية السكان، لكن الأمن لا ينبغي أن يتحول إلى تفويض مفتوح لتعليق الحقوق أو توسيع القيود دون ضوابط. فكل إجراء يحد من الحرية يجب أن يستند إلى أساس قانوني واضح، وأن يكون ضروريًا ومتناسبًا مع غايته.

وتكمن الخطورة في أن يصبح الاستثناء قاعدة، وأن يُنظر إلى التضامن مع الفلسطينيين بوصفه مصدر اشتباه في حد ذاته، بدل تقييم الأقوال والأفعال وفق مضمونها وسياقها ومعايير قانونية موضوعية.

إن الديمقراطية لا تُختبر في قدرتها على حماية الآراء المتفق عليها، بل في استعدادها لحماية التعبير السلمي المختلف، حتى عندما يحرج الحكومات أو يناقض مواقفها الرسمية.

حرية التعبير ومعركة الرواية الفلسطينية

لم تقتصر الحرب على الميدان العسكري، بل امتدت إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث أصبح الصراع على الرواية جزءًا من الصراع على الشرعية والتعاطف الدولي.

لقد أتاحت المنصات الرقمية للفلسطينيين وللصحفيين والمواطنين نشر الشهادات والصور والمعلومات، وكسر بعض الحواجز التي حدّت تاريخيًا من وصول الرواية الفلسطينية إلى الجمهور العالمي. وفي المقابل، كشفت الحرب عن نفوذ الشركات الرقمية وخوارزميات التوصية وسياسات الإشراف على المحتوى في تحديد ما يصل إلى المستخدمين وما يتراجع انتشاره.

وهنا لا يتعلق الأمر بحرية النشر فقط، بل بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، وحق الصحفيين في العمل، وضرورة حماية الشهادات والتوثيقات التي قد تشكل لاحقًا جزءًا من مسارات المساءلة.

لقد أظهرت حرب غزة أن السيطرة على الرواية لم تعد حكرًا على الحكومات ووسائل الإعلام التقليدية؛ لكنها لم تصبح، في المقابل، متاحة للجميع بالتساوي. فامتلاك القدرة على النشر لا يضمن امتلاك القدرة على الوصول، والظهور في الفضاء الرقمي أصبح بدوره مسألة تتصل بتوزيع السلطة.

القانون الدولي أمام اختبار القوة

أعادت الحرب طرح سؤال فاعلية القانون الدولي في مواجهة الدول والجماعات المسلحة، لا من حيث وجود القواعد فحسب، بل من حيث القدرة على تطبيقها دون انتقائية.

فالقانون الدولي الإنساني يفرض التزامات على جميع أطراف النزاع، ويحظر استهداف المدنيين وأخذ الرهائن والهجمات العشوائية، كما يقيّد وسائل وأساليب القتال. وفي الوقت نفسه، لا يمكن التعامل مع الحرب بمعزل عن التزامات القوة القائمة بالاحتلال، أو عن القواعد المتعلقة بحماية السكان الواقعين تحت الاحتلال، أو عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وقد أظهرت التحركات أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية أهمية المؤسسات القضائية في مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات. لكن فاعلية هذه المؤسسات تظل مرتبطة بالتعاون الدولي وتنفيذ القرارات، في وقت تتداخل فيه الاعتبارات القانونية مع حسابات السياسة وموازين القوة.

إن أزمة القانون الدولي لا تكمن في أنه يفتقر إلى المبادئ، بل في أن إنفاذه يتأثر بالإرادة السياسية. ومع ذلك، فإن تعثر العدالة لا يبرر التخلي عن القانون، بل يجعل المطالبة بتطبيقه بصورة متساوية أكثر إلحاحًا.

ما الذي تغيّر بعد السابع من أكتوبر؟

ربما لا يتمثل التحول الأهم في أن العالم اكتشف القضية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر، فهي قضية حاضرة في الوعي الدولي منذ عقود، بل في أن الحرب أعادت تشكيل موقعها داخل النقاش العام، ودفعت قطاعات من الرأي العام إلى إعادة النظر في مفاهيم المقاومة والاحتلال والحقوق والحريات.

لقد تراجعت قدرة الخطاب الأمني وحده على احتواء النقاش، واتسعت المساحة التي تُطرح فيها الأسئلة المتعلقة بجذور الصراع والحقوق الوطنية الفلسطينية. كما أصبحت حرية التعبير والتظاهر في عدد من الدول الغربية جزءًا من النقاش بشأن صدقية المبادئ الديمقراطية نفسها.

لكن هذا التحول لا يعني أن النظام الدولي غيّر قواعده، أو أن الحكومات أعادت صياغة سياساتها بالضرورة. فالمواقف الرسمية ما زالت متفاوتة، والضغوط السياسية مستمرة، والفجوة بين الحراك الشعبي وصنع القرار لم تختفِ.

إن ما تغيّر بصورة أوضح هو أن القضية الفلسطينية استعادت حضورها في المجال العام العالمي بوصفها قضية حقوق وحرية وتقرير مصير، وأن قطاعات واسعة من الشباب والطلاب والناشطين لم تعد تقبل الاكتفاء بالتفسيرات الأمنية، بل تطالب بالنظر إلى السياق التاريخي والسياسي للصراع.

وهنا تبرز المفارقة التي ستبقى موضع نقاش: قد تتمكن القوة العسكرية من تغيير الوقائع على الأرض، لكنها لا تضمن التحكم في المعنى الذي تمنحه الشعوب لتلك الوقائع، ولا في الأسئلة الأخلاقية والسياسية التي تثيرها.

غزة وامتحان كونية الحقوق

بعد السابع من أكتوبر، لم يعد اختبار حقوق الإنسان متعلقًا بقدرة الدول على إعلان التزامها بالمبادئ، بل بمدى استعدادها لاحترامها حين تتعارض مع مصالحها وتحالفاتها.

لقد كشفت غزة أن الحقوق قد تكون كونية في النص، وانتقائية في التطبيق؛ وأن حرية التعبير قد تتحول إلى موضع اختبار عندما يخرج الناس للاحتجاج على سياسات حلفاء حكوماتهم؛ وأن القانون الدولي يواجه أزمة حقيقية عندما تتقدم الحسابات السياسية على مقتضيات المساءلة.

لكن التحول الأبرز يكمن أيضًا في قدرة القضية الفلسطينية على إعادة فتح النقاش العالمي حول الاحتلال والحرية وتقرير المصير. فقد أظهرت المسيرات والاحتجاجات والجدالات العامة أن الرأي العام ليس مجرد متلقٍ للسياسات، بل يمكنه أن يصبح قوة ضاغطة تعيد طرح الأسئلة التي تفضّل الحكومات أحيانًا إبقاءها خارج دائرة النقاش.

إن الإنصاف للقضية الفلسطينية يبدأ بالاعتراف بأن الشعب الفلسطيني ليس موضوعًا للأمن الدولي فحسب، بل شعب له حقوق وطنية أصيلة، وفي مقدمتها الحق في تقرير المصير والحرية والكرامة. ولا يمكن بناء سلام مستدام من دون معالجة جذور الصراع وإنهاء الاحتلال وتحقيق عدالة لا تنتقي ضحاياها.

فالسابع من أكتوبر لم يغيّر تاريخ الصراع وحده؛ بل كشف أيضًا أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على الرأي العام، وأن تصنيف حركة أو شيطنتها لا يكفي لإغلاق النقاش حول قضية شعب بأكمله. وبينما تواصل الحكومات حساباتها، ترفع شوارع العالم سؤالًا أكثر عمقًا: من يملك حق تقرير مصير الشعوب، ومن يملك حق تعريف الحرية والعدالة؟
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

2
أبو دعاء عبدو
2026-10-29
طوفان الأقصى للسابع من أكتوبر كشف حقيقة الحكام العرب الخاضعة للصهاينة ...لم يعد من المجدي إستمرار حضور كل من الإمارات و المغرب في القمم العربية بعدما أثبتت ولاءها العلني للصهاينة ، حرب غزة عرت كل الحقائق بين من مع حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية وبين من يتبناها مبادئ ويرفضها ممارسة عندما يتعلق الأمر بالفلسطيني
الأزهر دلاع
2026-10-29
غزّة وامتحان الضمير العالمي: حقوق الإنسان لا تتجزأ

لم تكشف حرب غزّة حجم المأساة الإنسانية فحسب، بل أعادت طرح سؤال جوهري: هل حقوق الإنسان مبادئ كونية تُطبَّق على الجميع، أم معايير تتغيّر بحسب هوية الضحية ومصالح الدول؟

إنّ الدفاع عن حقوق الفلسطينيين لا يعني تبرير استهداف المدنيين أو أخذ الرهائن، كما أنّ إدانة هذه الأفعال لا تبرّر العقاب الجماعي أو انتهاك القانون الدولي الإنساني. فالمبادئ لا تكون كونية إلا إذا طُبّقت على الجميع دون استثناء.

ومن أهم ما أفرزته هذه الحرب اتساع النقاش العالمي حول الاحتلال وحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وصعود أصوات شبابية وحقوقية تطالب بمساءلة الحكومات عن مدى اتساق مواقفها مع القيم التي تعلن الدفاع عنها. غير أنّ تحوّل الرأي العام لا يعني بالضرورة تغيّر السياسات الرسمية، وهو ما يجعل استمرار الضغط المدني والقانوني والإعلامي ضرورة.

والدرس الأهمّ : لا يكفي أن نتعاطف مع الضحايا، بل يجب أن نتمسّك بمعايير واحدة للعدالة، وأن نميّز بين حقوق الشعوب وخيارات القوى السياسية والعسكرية، وأن نطالب بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات على أساس الأدلة والقانون، لا على أساس الهوية أو التحالفات.

فلا سلام مستداما دون إنهاء الاحتلال، ولا عدالة دون مساءلة، ولا مصداقية لحقوق الإنسان إذا ظلت انتقائية.

غزّة ليست امتحانا للفلسطينيين وحدهم، بل امتحان لمصداقية العالم كلّه: هل تكون الكرامة الإنسانية حقًّا للجميع، أم امتيازا للبعض؟

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال