تثير الأحداث الاجتماعية التي تشهدها فرنسا أسئلة تتجاوز حدودها الجغرافية، بالنظر إلى طبيعة العلاقات التي تربطها بالجزائر، ووجود جالية مسلمة كبيرة على أراضيها، وما يمكن أن تتركه هذه الأحداث من انعكاسات سياسية واجتماعية على البلدين. ومع أن ما يجري لا يبلغ، من حيث الحجم والتحولات التاريخية، مستوى أحداث ماي 1968، فإن تبعاته وذرائعه السياسية قد تكون مهمة، خاصة في ظل التجاذبات الحادة التي تعرفها الساحة الفرنسية.
أولًا: بين الذاكرة التاريخية والشماتة في المصائب
ليس غريبًا أن يستقبل بعض الجزائريين ما يصيب فرنسا بمشاعر الشماتة، بالنظر إلى الذاكرة الاستعمارية المثقلة بالجرائم والمآسي. وقد عبّر الشيخ العربي التبسي عن عمق هذه الذاكرة بقوله: «نحمل بغضها في قلوبنا إلى قبورنا»، كما نُسب إلى الشيخ البشير الإبراهيمي قوله: «فرنسا هي أول الشر وأوسطه ومنتهاه».
ومهما يكن من أمر هذه العبارات، فإنها تعبّر عن موقف تاريخي من الاستعمار الفرنسي وسياساته، ولا ينبغي أن تتحول إلى دعوة للشماتة في كل ما يصيب المجتمع الفرنسي، أو إلى تبرير التخريب والاعتداء على الممتلكات والأشخاص. فنحن، بوصفنا مسلمين، نريد الخير للناس جميعًا، ولا نرى في الفوضى غاية تستحق الاحتفاء، ولا في معاناة الأبرياء انتصارًا لقضايانا.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم». وهذا يذكّرنا بأن غايتنا ينبغي أن تكون هداية الناس وإقامة العدل، لا توسيع دائرة الكراهية والانتقام.
ثانيًا: فرنسا لن تنهار بهذه الأحداث
ينبغي ألا نبالغ في تقدير ما يجري، أو نستسلم للأوهام التي تتحدث عن انهيار فرنسا الوشيك. ففرنسا دولة عريقة، تمتلك مؤسسات راسخة، ونظامًا سياسيًا وإداريًا قادرًا على امتصاص الأزمات، فضلًا عن مجتمع يضم قوى وشرائح حريصة على استقرار الدولة. وقد تكون الأحداث الحالية مؤلمة ومكلفة، لكنها لا تعني بالضرورة بداية النهاية.
ومع ذلك، فإن الأزمة قد تكشف اختلالات عميقة في العلاقة بين الدولة وقطاعات من المجتمع، ولا سيما الشباب والفئات المهمشة، كما قد توفر ذرائع لقوى سياسية تسعى إلى استثمار الخوف والاضطراب لتشديد سياساتها الأمنية وتضييق الخناق على المهاجرين والمسلمين.
ثالثًا: حسابات السياسة ومخاطر اليمين المتطرف
شهدت فترة إيمانويل ماكرون أزمات سياسية متلاحقة، وتراجعًا في الثقة بالمؤسسات، وصعودًا لتيارات اليمين المتطرف، واستيلاء الشخصيات اليهودية المتصهينة لكثير من المناصب السياسية (ويزرة أولى، وزير أول، رئيسة البرلمان، رئيس السينا...). وفي هذا المناخ، تتشابك المصالح السياسية وتتزايد محاولات توظيف الأزمات الاجتماعية لإعادة تشكيل المشهد الانتخابي.
ويبرز هنا الصراع بين القوى اليمينية واليسار، ولا سيما التيارات المرتبطة بجان لوك ميلنشون، الذي اتخذ مواقف أكثر دفاعًا عن حقوق المسلمين والمهاجرين، ودعا إلى مراجعة جوانب من السياسة الفرنسية تجاه الجزائر. ومن المشروع التساؤل عما إذا كانت بعض الأطراف تستثمر الاضطرابات لإضعاف خصومها؛ لكن إثبات وجود تدبير متعمد للأحداث أو مسؤولية جهة بعينها يحتاج إلى أدلة، لا إلى مجرد الاستنتاجات السياسية.
ومن الأخطاء التي ينبغي التنبيه إليها رفع الأعلام الفلسطينية والجزائرية في سياق أعمال الشغب، سواء أكان ذلك تصرفًا عفويًا أم فعلًا مدبرًا. فهذا السلوك قد يسيء إلى قضيتين عادلتين، ويمنح اليمين المتطرف مادة إضافية لربط المسلمين والمهاجرين بالفوضى، وتحويلهم إلى كبش فداء لأزمة أعمق من مجرد أحداث الشارع.
رابعًا: رسالة إلى مسلمي فرنسا
إن المسؤولية تقتضي من مسلمي فرنسا أن يدركوا دقة المرحلة، وأن يرفضوا الانجرار إلى العنف والتخريب، وأن يتمسكوا بحقوقهم القانونية والسياسية. والأهم من ذلك أن يكون لهم حضور قوي وواعٍ في الانتخابات، وأن يحسنوا اختيار ممثليهم على أساس البرامج والمواقف العملية من الحريات والتمييز والهجرة والعلاقات الدولية.
إن المشاركة السياسية الواعية، والعمل المدني المنظم، وبناء التحالفات مع القوى المدافعة عن العدالة، أجدى من الانفعال المؤقت الذي قد تكون عواقبه وخيمة.
أما الجزائر، فعليها أن تتابع هذه التطورات بوعي وهدوء، وأن تحمي مصالح جاليتها، وألا تسمح للأزمات الفرنسية بأن تتحول إلى وقود للتوتر بين الشعبين.
فالعداء للاستعمار لا يعني العداء للشعوب، والانتصار للحقوق لا يكون بتبرير الفوضى، بل ببناء الوعي وحسن تقدير المواقف.
عبد العزيز كحيل
الموقف من أحداث فرنسا
2026-10-26
76 قراءة
مختلفات
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال