ثمة أمم تصنع التاريخ وأمم تدرسه وأمم تبيعه في الخطب وأمم أخرى تعيش على أمجاد موتاها كما يعيش المفلس على صورته القديمة في جواز سفر منتهي الصلاحية.
نحن في جانب مؤلم من واقعنا العربي أتقنا النوع الأخير حتى أصبح الماضي عندنا صناعة مزدهرة والحاضر مقبرة واسعة والمستقبل مشروعا مؤجلا إلى إشعار آخر. نفتح كتب التاريخ لنبحث عن عظمة مجانية ونستدعي الفتوحات لنغطي بها هزائمنا المعاصرة ونستحضر العلماء الذين ماتوا منذ قرون كي لا يسألنا أحد عن الجامعات التي نملكها اليوم ولا عن المختبرات التي نفتقر إليها ولا عن التكنولوجيا التي نستوردها ولا عن الأسباب التي جعلت مجتمعات تمتلك موارد أقل منا تتقدم علينا في ميادين المعرفة والإنتاج والمؤسسات.
مشكلتنا ليست أننا نحب العروبة أو نعتز بالإسلام أو نتضامن مع فلسطين. تلك انتماءات وقناعات وقضايا لا تستوجب الاعتذار لأحد. مشكلتنا تبدأ حين يتحول الانتماء إلى شهادة تفوق لا تحتاج إلى امتحان وحين يصبح الانتساب إلى حضارة عظيمة بديلا عن المساهمة في الحضارة وحين تتحول القضية العادلة إلى درع يحتمي خلفه كل عاجز عن تقديم الحساب. عندها لا تعود الهوية جذورا تمنح الإنسان الثقة ليواجه العالم بل تصبح ستارة كثيفة يخفي وراءها عجزه عن مواجهته ولا يعود التاريخ ذاكرة تستنهض الإرادة بل مخدرا جماعيا يريح الضمير من أسئلة الحاضر.
أخطر ما يمكن أن يحدث لأمة ليس أن تفقد بعض معاركها بل أن تفقد القدرة على فهم أسباب خسارتها ثم تحول الهزيمة إلى حكاية انتصار والعجز إلى مؤامرة والفشل إلى بطولة والجهل إلى أصالة والاعتراض إلى خيانة ، فالهزيمة العسكرية قد تنتهي بتوقيع اتفاق والهزيمة الاقتصادية قد تعالج بإصلاح السياسات أما الهزيمة العقلية فتبدأ حين يصبح الاعتراف بالواقع جريمة في حق الصورة التي رسمناها لأنفسنا. هناك بالضبط تتحول الأوهام من أفكار عابرة إلى نظام اجتماعي يحمي نفسه ويعيد إنتاج لغته ويطرد كل من يحاول اختراق جدرانه.
فهل نحن أبناء الحضارة أم زبائنها؟
ما الذي يجعل إنسانا معاصرا يتحدث عن عظمة أسلافه بنبرة المنتصر فيما لا يملك من أسباب القوة سوى هاتف صنعه غيره وبرمجية كتبها غيره ودواء طورته مختبرات غيره وطائرة ينتظر إذن غيره لصيانتها واقتصاد يختنق كلما اضطربت الأسواق الخارجية؟ كيف يمكن أن يتحول تاريخ العلم عندنا إلى وسام نعلقه على صدورنا بدلا من أن يكون سؤالا يطارد مؤسساتنا التعليمية والبحثية؟
لسنا مسؤولين عن إنجازات الأموات كما أننا لسنا مذنبين بجرائمهم لمجرد اشتراكنا معهم في اللغة أو الجغرافيا أو الموروث. نحن مسؤولون عما نفعله بما وصل إلينا.
الحضارة ليست عقارا مسجلا باسم الأسلاف ولا ميراثا يسمح للأحفاد بإنفاق رأس المال إلى الأبد دون أن يعملوا يوما واحدا. الحضارة قدرة متجددة على إنتاج المعرفة وتنظيم المجتمع وتطوير أدوات العمل وبناء المؤسسات وتحويل الأفكار إلى قوة مادية تحسن حياة الناس.
يمكنك أن تحفظ أسماء مئات العلماء لكن ذلك لا يجعل جامعتك منتجة للعلم ويمكنك أن تتغنى بعبقرية اللغة العربية لكن ذلك لا يعفيك من سؤال البحث العلمي والترجمة والتأليف والتطوير التقني ويمكنك أن تستحضر تاريخ التجارة والملاحة لكن ذلك لا يبني ميناء حديثا ولا يخلق شركة قادرة على المنافسة ويمكنك أن تملأ الشوارع بأسماء القادة التاريخيين لكنك لن تنتج بذلك مهندسا أفضل أو دواء أرخص أو قاطرة أسرع.
الحضارة التي لا تتحول إلى مؤسسات ومعرفة وإنتاج تتحول مع الزمن إلى متحف والمتحف مهما كانت مقتنياته عظيمة لا يستطيع وحده إطعام سكان مدينة.
المشكلة ليست في أن نفتخر بماضينا بل في أن نستخدم هذا الفخر لإسكات الأسئلة التي يطرحها حاضرنا.
فبدلا من السؤال عن ترتيب جامعاتنا وجودة تعليمنا وإنتاجية اقتصادنا نتبادل حكايات الأمجاد وبدلا من قياس ما نضيفه إلى المعرفة الإنسانية نتنافس في إثبات أن أسلافنا سبقوا الآخرين وبدلا من الاعتراف بأن الحضارة عمل يومي شاق نتعامل معها كما لو كانت صفة وراثية تنتقل إلينا بمجرد الولادة.
لكن التاريخ لا يمنح شهادات التفوق للأحفاد.
إنه يترك لهم امتحانا مفتوحا ومن يرفض دخول الامتحان لا تنفعه صور الناجحين المعلقة على الجدران.
ليس كل من يرفع شعارا كاذبا وليس كل من يتحدث عن قضية عادلة متاجرا بها لكن السذاجة السياسية تبدأ حين نفترض أن عدالة القضية تضمن نزاهة جميع الذين يتحدثون باسمها.
فالمقدسات حين تدخل سوق السياسة لا تبقى دائما بمنأى عن الحسابات والمصالح. قد تتحول إلى رأسمال رمزي يشتري النفوذ ويوزع صكوك الوطنية ويمنح بعض الفاعلين سلطة أخلاقية يصعب على خصومهم منازعتها دون أن يتعرضوا للتشويه. وقد يصبح رفع الشعار وسيلة لإعفاء صاحبه من الأسئلة التي ينبغي أن توجه إليه تحديدا ماذا فعلت؟
ماذا حققت؟ من دفع الثمن؟ وما النتائج التي ترتبت على خياراتك؟
هنا تظهر تجارة من نوع خاص ،تجارة لا تحتاج بالضرورة إلى بيع السلعة لأنها تبيع الشعور بها. تبيع للناس إحساس البطولة وتمنحهم شعورا بالانتصار الأخلاقي وتعيد إليهم صورة مشرقة عن أنفسهم حتى عندما تكون حياتهم اليومية محكومة بالفقر والبطالة ورداءة الخدمات وانسداد الأفق.
وهكذا يمكن أن يتحول المواطن من صاحب حق يطالب بالنتائج إلى متفرج يكتفي بالتصفيق للخطاب ومن ناخب يحاسب المسؤول إلى مشجع يدافع عن فريقه السياسي كما يدافع عن نادي كرة قدم. وإذا فشل الفريق اتهم الحكم وإذا تكرر الفشل اتهم الجمهور المنافس وإذا انهار الملعب قيل إن المؤامرة تستهدف الرياضة كلها.
أخطر ما تفعله السياسة حين تتاجر بالمقدسات أنها تنقل النقاش من ميدان الأداء إلى ميدان الولاء.
لم يعد السؤال هل نجحت؟ بل هل أنت معنا؟
لم يعد الاعتراض على القرار ممارسة لحق سياسي بل أصبح اختبارا للهوية والانتماء ولم تعد النتائج الملموسة هي التي تمنح الخطاب شرعيته بل صار الخطاب نفسه وسيلة لمصادرة حق الناس في تقييم النتائج.
وهكذا تتكون طبقة من الوسطاء الذين يحتكرون تفسير القضايا الكبرى ويقدمون أنفسهم حراسا لمعانيها ويعاملون النقد الموجه إليهم كما لو كان اعتداء على القضية ذاتها.
وما إن يسألهم أحد عن حصيلتهم حتى يرفعوا الجدار المقدس لا لأن السؤال باطل بالضرورة بل لأن الإجابة قد تكون مكلفة.
القضية التي تحتاج إلى إسكات كل سؤال كي تبقى عادلة ليست قضية تحرر بل قضية جرى اختطافها داخل منظومة من الحصانات.
فلسطين ليست شعارا للاستهلاك الموسمي ولا مادة دعائية ولا امتحانا يحق لأي حزب أو نظام أو جماعة أن ينفرد بتصحيح إجاباته. إنها قضية شعب له حقوق وطنية وتاريخية وواقع من الاحتلال والتهجير والمعاناة ومسألة تحرر وكرامة وعدالة لا تتوقف مشروعيتها على هوية من يناصرها أو مصالح من يتحدث باسمها.
لكن عدالة فلسطين لا تمنح أي طرف شيكا سياسيا على بياض ولا تجعل كل من يرفع اسمها ممثلا للفلسطينيين ولا تحول كل قرار يتخذه باسمها إلى قرار فوق النقد.
فالتضامن مع شعب مظلوم لا يعني تعطيل العقل والدفاع عن حقه لا يقتضي التنازل عن حق الآخرين في المساءلة كما أن رفض استغلال القضية لا يعني التخلي عنها.
بل إن احترام القضية يقتضي تحريرها من المتاجرين بها ومن الذين يحولون آلام أصحابها إلى مادة لإنتاج النفوذ المحلي ومن الذين يختزلونها في استعراض لفظي لا يتبعه عمل سياسي أو إنساني أو معرفي جاد.
والسؤال الذي ينبغي أن نواجه به أنفسنا ليس ما إذا كانت فلسطين تستحق التضامن فهذا أمر لا يحتاج إلى مزايدة. السؤال هو لماذا يستطيع بعضنا أن يتحدث عن الحرية والكرامة في أبعد جغرافيا ثم يتعامل مع انتهاكهما في محيطه المباشر باعتباره أمرا قابلا للتبرير؟ ولماذا يصبح الظلم فاضحا عندما يقع على من نحب ويصبح قابلا للتأويل عندما يرتكبه من نؤيد؟
ليس المطلوب مساواة كل السياقات أو محو الفوارق بين الاحتلال والاستبداد أو بين صراع وطني ونزاع داخلي. المطلوب هو أن نمتلك معيارا أخلاقيا لا يتغير بتغير هوية الفاعل وأن نفهم أن الدفاع عن حقوق شعب لا يتناقض مع الدفاع عن حقوق شعوب أخرى وأن كرامة الإنسان ليست امتيازا تمنحه الجماعة لمن تشاء وتسحبه ممن تشاء.
فإذا كانت القضية العادلة تعلمنا شيئا فينبغي أن تعلمنا أن الإنسان لا يفقد حقوقه لأنه لا ينتمي إلى جماعتنا وأن الظلم لا يصبح عدلا لأن مرتكبه يرفع شعارا نحبه.
حين تعجز السلطة عن تقديم تفسير مقنع لفشلها يصبح العدو الخارجي مادة سياسية جاهزة وحين تعجز النخبة عن إصلاح المؤسسات قد تلجأ إلى تعبئة الجماهير ضد مؤامرة شاملة. وحين تفشل السياسات الاقتصادية في خلق فرص العمل يسهل أحيانا نقل النقاش إلى معركة رمزية حول الهوية والكرامة والسيادة.
ليس الاستعمار خرافة ولا التدخل الخارجي وهما ولا التنافس الدولي عملا خيريا فالدول تتحرك وفق مصالحها والقوى الكبرى تستخدم أدوات اقتصادية وتقنية ومالية واستخباراتية لحماية نفوذها والشعوب ليست مطالبة بالسذاجة تجاه هذه الحقائق. لكن الاعتراف بوجود المؤامرات والتدخلات لا يعني أن نجعل المؤامرة تفسيرا كليا لكل شيء.
هناك فرق بين تحليل القوة الخارجية وبين استخدامها ذريعة لتعطيل النقد الداخلي. الأول ممارسة للوعي السياسي والثاني استقالة منه.
الدولة التي تتعرض للضغط الخارجي تحتاج إلى مؤسسات أكثر كفاءة واقتصاد أكثر مرونة وتعليم أفضل وقدرات دفاعية وتقنية أعلى ومجتمع يثق في عدالة مؤسساته.
أما الدولة التي تحول كل نقد إلى خدمة مجانية للخصم فإنها تضعف قدرتها على اكتشاف أخطائها وتمنح الفشل حصانة لا يستحقها.
والأمر نفسه ينطبق على المجتمعات، فإذا صار كل سؤال مؤامرة وكل اختلاف خيانة وكل مطالبة بالإصلاح طعنا في الوطن فلن يبقى للوطن من يدافع عنه سوى المصفقين وهؤلاء قد يكونون أكثر الناس ضجيجا وأقلهم قدرة على إصلاح ما يتصدع.
العدو الخارجي قد يستفيد من ضعفك لكن هذا لا يعني أنه المسؤول الوحيد عن ضعفك. وقد يتآمر خصمك على اقتصادك لكن ذلك لا يعفيك من مسؤولية اقتصاد لم تستثمر فيه بما يكفي. وقد يحاول الآخرون التأثير في وعيك لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلقك هو لماذا يجدون في بيئتك كل هذه الثغرات؟
أفضل دفاع عن السيادة ليس تكرار كلمة السيادة في الخطب بل بناء القدرات التي تجعلها ممكنة وأفضل رد على من يريد إضعافك ليس أن تتهمه في كل مرة بل أن تقلل من نقاط ضعفك حتى لا يجد فيها ما يستثمره.
الأوهام لا تعيش بالكلمات وحدها، إنها تحتاج إلى مصالح تحميها ومؤسسات تعيد إنتاجها وبيئة تكافئ تكرارها.
ولذلك فإن السؤال الأهم ليس لماذا يصدق بعض الناس الخطابات الشعبوية بل لماذا تجد هذه الخطابات سوقا واسعة ولماذا يستطيع بعض منتجيها تحويلها إلى نفوذ ومكانة وامتيازات.
قد يستفيد السياسي من إبقاء النقاش في مستوى الشعارات لأنه لا يريد أن يناقش حصيلة قراراته. وقد يستفيد صاحب المنبر من تضخيم الصراعات لأن الغضب يجذب الانتباه.
وقد يستفيد صاحب الامتياز من تحويل النقاش إلى معركة هوية لأن مساءلة توزيع الثروة أكثر خطرا عليه من الدخول في سجال لا ينتهي حول الرموز.
وقد تستفيد جماعة أيديولوجية من تصوير نفسها حارسا وحيدا للحقيقة لأن احتكار الحقيقة يمنحها سلطة على أتباعها.
لا يعني ذلك أن كل سياسي أو إعلامي أو صاحب موقف يتحرك وفق هذه الحسابات ولا أن كل خطاب تعبوي احتيال. لكن من السذاجة أن نتصور المجال العام عالما من الأفكار النقية التي لا تتأثر بالمصالح.
فالخطاب لا يكتسب قوته من مضمونه وحده بل من البنية التي تنتجه وتوزعه وتكافئ أصحابه. وحين تكافئ البيئة السياسية والإعلامية الإثارة أكثر من الدقة والاستقطاب أكثر من التحليل والولاء أكثر من الكفاءة فإنها تخلق سوقا يصبح فيها الوهم قابلا للتسويق وربما أكثر ربحية من الحقيقة.
ولذلك لا يكفي أن نطالب الناس بالتفكير النقدي ثم نتركهم داخل منظومة تعاقب السؤال وتكافئ التبعية.
لا يكفي أن ندعو إلى العقل ثم نحول المدرسة إلى مكان للحفظ دون الفهم والجامعة إلى محطة للشهادات دون البحث والإعلام إلى ساحة للصراخ دون التحقق والسياسة إلى منافسة على المشاعر دون برامج قابلة للقياس.
تحرير الوعي ليس موعظة أخلاقية توجه إلى المواطن وحده ،إنه أيضا مشروع مؤسساتي يعيد تنظيم العلاقة بين المعرفة والسلطة وبين الحقيقة والمصلحة وبين النقد والحقوق.
والسؤال الذي يجب أن يزعجنا هو كم من مصالحنا السياسية والاجتماعية سيخسر إذا أصبح المواطن أكثر قدرة على التحقق وأكثر استقلالا في حكمه وأقل استعدادا لتصديق من يمنحه الشعور بالانتصار دون أن يقدم له أسباب الانتصار؟
في زمن المنصات الرقمية أصبح الغضب موردا اقتصاديا. صورة مستفزة وعبارة صادمة واتهام بلا دليل ومقطع مجتزأ ثم تنطلق ماكينة التفاعل. تتكاثر المشاهدات وتتضخم الأرقام ويشعر صاحب الخطاب أنه صار قوة مؤثرة.
أما الحقيقة فتجلس في زاوية الغرفة تنتظر أن يلتفت إليها أحد.
ليس كل انتشار دليلا على التضليل ولا كل خطاب هادئ دليلا على الحكمة لكن اقتصاد الانتباه يمنح المحتوى المثير فرصة كبيرة للانتشار ويجعل الدقة والتحفظ والتحليل المعقد في منافسة صعبة مع الرسائل السريعة التي تستثير الخوف والغضب والانتماء.
وهكذا يستطيع المرء أن يعيش يومه بين عشرات المعارك الافتراضية وأن يحقق انتصارات متتالية على خصوم لا يعرفهم وأن يفضح مؤامرات العالم بأسره ثم يغلق هاتفه ليعود إلى مشكلات حياته التي لم يتغير فيها شيء.
أصبح من الممكن أن يشعر الإنسان بأنه شارك في صناعة التاريخ لأنه كتب تعليقا غاضبا وأنه دافع عن الوطن لأنه أعاد نشر صورة وأنه انتصر لقضية عادلة لأنه أهان مخالفا وأنه مارس السياسة لأنه انخرط في معركة رقمية انتهت بحظر الحساب الآخر.
لكن المشاركة لا تساوي التأثير والضجيج لا يساوي القوة وإهانة الخصم لا تفند حجته وانتشار المعلومة لا يثبت صحتها.
المواطن الذي يستهلك السياسة بوصفها عرضا يوميا قد يصبح أكثر معرفة بأسماء خصومه وأقل معرفة بميزانية دولته. وقد يحفظ تفاصيل فضائح المشاهير لكنه لا يعرف كيف تقاس إنتاجية الاقتصاد أو كيف تعمل المؤسسات أو كيف يقرأ الموازنة العامة. وقد يشارك في آلاف المعارك الرمزية دون أن يشارك مرة واحدة في مبادرة تنتج معرفة أو تحسن خدمة أو تراقب قرارا عاما.
ليست المشكلة في الهاتف بل في الطريقة التي تتحول بها التقنية إلى آلة لاستهلاك الانفعالات بدلا من أن تكون أداة للمعرفة والتنظيم والإنتاج.
السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مستخدم على نفسه هو هل جعلني هذا الفضاء أكثر قدرة على الفهم والعمل أم جعلني أكثر سرعة في الغضب وأقل استعدادا للتحقق؟
ليس الاستبداد مجرد حاكم يصدر الأوامر أو جهاز يراقب الناس أو قانون يقيد الحريات. ثمة شكل اجتماعي من الاستبداد يتغذى على خوف الفرد من الجماعة وحاجته إلى القبول ورغبته في النجاة من النبذ والتشهير.
قد يكون الإنسان حرا في القانون لكنه خائف في محيطه. وقد لا يمنعه أحد من الكلام لكنه يعرف أن رأيا مخالفا قد يكلفه صداقاته أو مكانته أو فرصه وقد يرفض طاعة السلطة السياسية لكنه يطيع سلطة الجماعة خوفا من أن يتهم بالخيانة أو الانحراف أو التخلي عن الأصل.
هنا يصبح الرأي السائد سلطة لا تحتاج إلى شرطي وتصبح الرقابة الاجتماعية أكثر فاعلية لأنها تجعل الفرد يراقب نفسه قبل أن يراقبه الآخرون.
وحين تتكرر هذه الآلية يتعلم الناس أن السلامة في التكرار وأن الاختلاف مكلف وأن الصمت أكثر حكمة من السؤال. ومع الوقت تتراجع القدرة على إنتاج الأفكار المستقلة ويصبح المجتمع غنيا بالشعارات وفقيرا في النقاش الحقيقي.
لكن الجماعة ليست كتلة غبية والفرد ليس بطلا لمجرد أنه يعارضها فقد تكون الأكثرية محقة وقد يكون المخالف أسير وهمه الخاص. لذلك لا ينبغي أن نستبدل عبادة الجماعة بعبادة الفرد ولا أن نمنح الأقلية حصانة لمجرد أنها أقلية.
المعيار ليس من يتكلم بل قوة حجته. وليس من ينتمي إلى الأكثرية أو الأقلية.بل مدى قابلية موقفه للفحص والنقد والتصحيح.
المجتمع الحر ليس مجتمعا يتفق أفراده على كل شيء بل مجتمع يستطيعون فيه الاختلاف دون خوف ومراجعة مواقفهم دون إذلال ومحاسبة زعمائهم دون أن يفقدوا حقهم في الانتماء.أما المجتمع الذي يطالب أبناءه بالتفكير ثم يعاقبهم عندما يصلون إلى نتائج لا تعجبه فهو لا يريد عقولا، إنه يريد آلات تتقن ترديد التعليمات.
الهوية ضرورة إنسانية واجتماعية، تمنح الفرد إحساسا بالاستمرارية والانتماء وتربطه بلغة وذاكرة وتجربة تاريخية. لكنها تتحول إلى مشكلة حين تصبح نظاما مغلقا يحدد مسبقا ما يجب أن تفكر فيه ومن يجب أن تحب ومن يجب أن تكره، وما الأسئلة المسموح لك بطرحها.
فالعروبة ليست رأيا واحدا في الاقتصاد والسياسة والتاريخ والإسلام ليس برنامجا سياسيا واحدا تتطابق عليه جميع الجماعات والتاريخ الوطني ليس رواية لا تقبل المراجعة. داخل كل هوية تنوع واختلاف وتجارب متباينة ومحاولة اختزالها في صوت واحد ليست دفاعا عنها بقدر ما هي استيلاء عليها.
والانتماء الناضج لا يخشى المعرفة لأن المعرفة لا تهدد الإنسان الواثق من نفسه بل تساعده على التمييز بين ما يستحق الدفاع وما يحتاج إلى مراجعة. أما الانتماء الهش فيحتاج دائما إلى خصم وإلى أسطورة نقاء وإلى حكاية تفوق، وإلى رقابة على الأسئلة.
حين يخشى الإنسان أن تكشف له المعرفة خطأ في روايته المفضلة فهو لا يحمي هويته بل يحمي صورته عن نفسه. وحين يعتبر مراجعة فكرة موروثة إهانة لأسلافه فإنه يخلط بين احترام الأموات والتنازل لهم عن حق الأحياء في التفكير.
ليس مطلوبا أن نتخلى عن جذورنا كي نصبح عقلانيين ولا أن نتنكر للتراث كي نكون معاصرين. المطلوب أن نرفض تحويل التراث إلى سلطة مطلقة وأن نفهم أن احترام ما أنتجه السابقون لا يمنعنا من فحصه وأن الوفاء الحقيقي لا يعني تعطيل العقل أمام كل ما ورثناه.
فالهوية التي لا تسمح لصاحبها بالنقد تتحول من بيت يسكنه إلى سجن يحرسه بنفسه.
بعد كل هذا الكلام عن الهوية والمقدسات والتاريخ يبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه ما الذي يجعل مجتمعا قويا في الواقع؟
ليس عدد الخطب ولا حجم الأعلام ولا كثافة الشعارات ولا قدرة الجمهور على البكاء في المناسبات الكبرى.
القوة الحقيقية تظهر في قدرة المؤسسات على العمل وفي نوعية التعليم وفي إنتاج المعرفة وفي كفاءة الإدارة وفي استقلال القضاء وفي قدرة الاقتصاد على خلق القيمة المضافة وفي حماية الحقوق وفي تحويل الموارد البشرية والطبيعية إلى فرص حقيقية.
الدولة المنتجة هي التي لا تكتفي بتصدير المواد الخام بل تطور الصناعات المرتبطة بها. وهي التي لا تكتفي بتخريج الطلبة بل توفر بيئة تمكنهم من البحث والابتكار والعمل.
وهي التي لا تتعامل مع التكنولوجيا بوصفها سلعة تستوردها إلى الأبد بل معرفة تسعى إلى امتلاكها وتطويرها.
وهي التي لا تقيس نجاحها بعدد المؤسسات التي افتتحتها بل بالنتائج التي تحققها هذه المؤسسات في حياة الناس.
ويمكن قياس ذلك بمؤشرات واضحة: إنتاجية العامل والإنفاق الفعلي على البحث والتطوير وجودة التكوين وحجم الصادرات ذات القيمة المضافة ومعدل خلق المؤسسات الجديدة ونسبة بقاء الشركات المنتجة وجودة الخدمات العامة ومدى استقلال القضاء وفاعلية الرقابة على المال العام.
هذه المؤشرات لا تعني اختزال المجتمع في الأرقام لكنها تمنع الخطاب السياسي من الاختباء خلف العموميات فالأرقام ليست الحقيقة كلها لكنها وسيلة ضرورية لاختبار الادعاءات ما دامت محسوبة بمنهجية واضحة ومقارنة على أساس سليم.
والمجتمع الذي يريد السيادة الاقتصادية يحتاج إلى أكثر من رفع شعار الاستقلال. يحتاج إلى كفاءات ومختبرات وتمويل منتج وقضاء يمكن الوثوق به وإدارة تحترم الوقت ومؤسسات لا تجعل الولاء بديلا عن الكفاءة.
والأهم أنه يحتاج إلى ثقافة تعترف بالخطأ لأن المؤسسة التي لا تستطيع الاعتراف بأخطائها لا تستطيع إصلاحها والدولة التي تعاقب من يكشف الخلل ستدفع لاحقا ثمن استمرار الخلل مضاعفا.
الاستقلال ليس علما يرفرف فوق مبنى فقط ،إنه قدرة على اتخاذ القرار وامتلاك البدائل وتقليل التبعية وتحمل تكلفة الخيارات وإنتاج ما يسمح للمجتمع بأن يفاوض العالم من موقع قوة.
أما السيادة التي لا تسندها المعرفة والإنتاج والمؤسسات فقد تتحول إلى كلمة كبيرة في خطاب صغير.
لا يمكن بناء مجتمع مستقل التفكير بمنظومة تعليمية تكافئ الحفظ أكثر مما تكافئ الفهم أو تعتبر الخطأ دليلا على الفشل بدلا من أن تجعله فرصة للتعلم أو تختزل النجاح في شهادة لا تقابلها بالضرورة مهارة.
فالمدرسة لا تنقل المعارف فحسب، إنها تعلم الطفل بصورة مباشرة أو غير مباشرة كيف يتعامل مع السلطة وكيف يختلف وكيف يسأل وكيف يميز بين الدليل والرأي وكيف يراجع اعتقاداته حين تظهر معلومات جديدة.
إذا تعلم الطالب أن الإجابة الصحيحة هي دائما ما يريد المدرس سماعه فقد يتخرج وهو يجيد توقع رغبات السلطة أكثر مما يجيد البحث عن الحقيقة.
وإذا تعلم أن الاعتراض سوء أدب فقد يصبح مطيعا في الصف ثم مطيعا في المؤسسة ثم عاجزا عن مساءلة من يدير شؤونه.
ولا يعني ذلك أن الانضباط غير مهم أو أن كل تقليد تربوي قديم ضار بل يعني أن الانضباط الذي يمنع التفكير ينتج طاعة هشة وأن المعرفة التي لا تتحول إلى قدرة على التحليل تبقى ناقصة الأثر.
أما الجامعة التي تقيس نجاحها بعدد الشهادات فقط وتهمش البحث التطبيقي ولا تربط التكوين بحاجات المجتمع الاقتصادية والعلمية فإنها تخاطر بإنتاج مفارقة مؤلمة: شباب يحملون مؤهلات أكاديمية واقتصاد لا يعرف كيف يستثمر قدراتهم ومؤسسات تحتاج إلى الابتكار لكنها لا توفر شروطه.
إصلاح التعليم ليس مجرد تعديل برامج أو إضافة أجهزة رقمية إلى الفصول. إنه إعادة بناء العلاقة بين المعلم والمعرفة وبين الطالب والسؤال وبين الجامعة والمجتمع وبين البحث العلمي والاقتصاد.
ولا يمكن أن نطلب من الشباب صناعة المستقبل بينما نعلمهم أن الماضي لا يناقش والحاضر لا يساءل والسلطة لا تخطئ والإجابة محفوظة سلفا.
هنا نصل إلى المسألة الأصعب، فالإنسان لا يتمسك بالأوهام دائما لأنه جاهل بل قد يتمسك بها لأنها تمنحه ما عجز واقعه عن منحه: الشعور بالقيمة والانتماء والقدرة والتفوق والأمل.
حين تضيق فرص العمل ويضعف الإحساس بالعدالة وتتعطل إمكانات الصعود الاجتماعي تصبح الهوية المتضخمة تعويضا نفسيا متاحا. يستطيع المرء أن يشعر بأنه جزء من أعظم أمة في التاريخ حتى لو كان عاجزا عن تغيير أبسط شروط حياته ويستطيع أن يعيش انتصارات رمزية كل يوم فيما تتراكم الهزائم المادية حوله.
لكن تفسير هذه الآلية لا يعني احتقار الناس الذين يلجؤون إلى الانتماء بحثا عن المعنى. فالإنسان يحتاج إلى الجماعة وإلى الذاكرة وإلى الأمل ولا يمكن بناء مجتمع صحي على السخرية من حاجات البشر الأساسية.
المشكلة ليست أن الناس يبحثون عن المعنى بل أن بعض الفاعلين قد يستغلون حاجتهم إليه لتوجيههم بعيدا عن الأسئلة التي تمس مصالحهم. وليست المشكلة أن الفرد يريد أن يشعر بالفخر بل أن يتحول الفخر إلى بديل عن العمل وأن تصبح الراحة النفسية التي تمنحها الحكاية أهم من الحقيقة التي تتطلبها الحياة.
ولهذا فإن تحرير الوعي لا يتحقق بمجرد فضح الأوهام بل يحتاج إلى خلق شروط مادية واجتماعية تجعل الحقيقة أقل كلفة وتجعل التفكير المستقل ممكنا وتجعل المشاركة ذات معنى.
المواطن الذي يمتلك تعليما جيدا وحقا في التعبير وفرصة عادلة للعمل ومؤسسات تحميه يكون أقدر على مساءلة الخطاب الذي يطالبه بالطاعة المطلقة. أما من يعيش في الخوف والحاجة والإقصاء فقد تصبح حاجته إلى الحماية والانتماء مدخلا لاستغلاله.
لذلك لا يكفي أن نطالب الناس بالخروج من القطيع ثم نتركهم وحدهم في مواجهة منظومات اقتصادية واجتماعية تعاقب استقلالهم. تحرير العقل مسؤولية ثقافية لكنه أيضا مسؤولية سياسية واقتصادية ومؤسساتية.
فمن يملك حق تعريف الأمة؟
من أخطر الأسئلة التي ينبغي طرحها من فوّض بعض الأفراد والجماعات كي يقرروا وحدهم ما يخدم الأمة وما يضرها ومن الوطني ومن الخائن ومن المؤمن ومن المنحرف ومن يجوز له الكلام ومن ينبغي إسكات صوته؟
الأمة ليست ملكية خاصة لحزب ولا مؤسسة مغلقة يديرها حراس البوابات ولا صوتا واحدا يحق له مصادرة أصوات الآخرين. إنها مجتمع متنوع من المواطنين تتعارض مصالحهم أحيانا وتختلف رؤاهم ويحتاجون إلى قواعد مشتركة تمكنهم من إدارة خلافاتهم دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب أهلية دائمة.
وحين يحتكر طرف واحد تعريف المصلحة الوطنية يصبح النقد خطرا على احتكاره ويصبح التنوع مشكلة ينبغي حلها ويصبح المجتمع كله رهينة تفسير سياسي .
مقدسات القطيع : كيف تحولت الأمة من صناعة التاريخ إلى استهلاك الشعارات.
2026-10-25
67 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال