بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

معارك وهمية: قضايا التاريخ لتغييب قضايا الحاضر

2026-10-23 238 قراءة مختلفات فوزي مسعود
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
شاب تونسي بسيط لم يبلغ العشرين من عمره، ينشط في بيع الأسماك، تعرّض لحملة شرسة بدعوى أنه "يروج للتشيّع ويهدّد التجانس العقدي في تونس، المبني على مذهب أهل السنة والجماعة"، وسبب ذلك أنه أطلق على محله اسم "أهل البيت"

يحصل هذا في سياق ما يشبه حملة تبدو غامضة، تمضي في تونس منذ فترة، وهي تحتد أحيانا، كما نلاحظ هذه الأيام

وقد أدى هذا المناخ المستعر إلى إطلاق سجالات وما يقال إنها مناظرات، بين رافعي لواء التشيع من جهة، ورافعي لواء الدفاع عن "بيضة أهل السنة والجماعة والتجانس العقدي في تونس" من جهة مقابلة

وقد تنادى كل فريق للتحشيد، وترى الناس يصطفون، كلّ منهم إلى جهة، وكلّ يستدعي من التاريخ ما يدعم دعواه ويقوّي سنده

----------

والذي يحصل نتيجة لهذه الهَوْجَة هو أنه تتم إزاحة مركز الاهتمام، فيتحول من الواقع الحالي نحو التاريخ، وينتقل الوعي من السعي إلى إدراك الزمن والمكان الحاليين وقوانين واقعنا وشروطه، إلى السعي للإلمام بمساحة تاريخية، وبذل مجهود للإلمام بتفاصيلها الزمنية الفائتة وأمكنتها وفواعلها، والتنقيب في تفاصيلها

نحن إذن إزاء مجهود يعمق ويكثف الوعي بالتاريخ، مقابل إضعاف الوعي بالحاضر وتهميشه

وكل مجهود يعمل على إبعادك عن إدراك حقيقة الحاضر وقضاياه، إنما هو مسعى لتغييبك عن ساحة الفعل، وتحكم ذهني في قدراتك الإدراكية، لتحييدك وتشويش إلمامك بالواقع الحالي

----------

ولأن النافخين في نار هذه المعارك الوهمية بين السنة والشيعة منذ قرون لا ينتجون وعيهم الذاتي، وإنما يتحرّكون بوعي غيرهم، فإنهم لا يدركون أن ما يدافعون عنه إنما هي معارك سياسية لا علاقة لها بالإسلام، ولا يستوعبون أن كلا الطرفين، السنة والشيعة، هما في أصلهما تحيّزان سياسيان لاحقان على الإسلام، وأنهما كانا مصداقا لمعـارك بين شقوق قريش على السلطة

ولأن هؤلاء المروجين لتقسيمات سنة وشيعة، ضحايا لا يملكون من أمرهم شيئا، فإنهم لن يدركوا أن من يدافعون عنهم في الشقّين السني والشيعي كانوا في أهم رموزهم سببا في قتل الآلاف، بل عشرات الآلاف، من الناس. ولست متأكدا من أن قاتل النفس يمكن أن يكون قدوة، فضلا عن أن يكون الأمر متعلقا بقتل الآلاف، بل بقيادة تلك المعارك وتأجيجها

ولأنه سيكون من الصعب البرهنة على أن تلك المعارك العبثية بين الجيل الأول من المسلمين كان سببها الحرص على الإسلام، أو أنها كانت بأمر من الإسلام، فإنه سيكون من الأفضل ردم تلك الحقبة وردم مخرجاتها، والتنصل من التزاماتها، وهي هذه التقسيمات العقيمة من نوع سنة وشيعة وخوارج

--------

ثم لنترك معارك التاريخ، ولنلتفت بدلا من ذلك إلى معارك الواقع الحالي، ولنترك الأعداء الوهميين، وهم إخوة لنا في الإسلام، ولنركز بدلا من ذلك على الأعداء الحقيقيين، وهم الغرب ومنتسبوه

وإذا كان يصعب على البعض التخلي عن حكاية السنة والشيعة، فليكن ذلك التقسيم، لكن بشرط ألا يكون هو الإسلام، ولتكن تلك التقسيمات دوائر لمسلمين من بيننا، مثلنا مثلهم، تحت دائرة الإسلام الكبرى

وإذا كان البعض مولعًا بشنّ الحملات ضد الرموز المحاربة للإسلام كما يقول، فليظهر كفاءته في تنظيم حملات ضد رموز فرنسية لطالما تبولت علينا باطمئنان، مثلما أطلقتم حملة ضد المسكين التونسي لمجرّد أنه استعمل اسم "أهل البيت"

نحن ننتظر من هؤلاء حملات ضد اعتماد اسم "شارل ديغول"، قاتل التونسيين، وغيره من الرموز الفرنسية التي تتسمى بها الساحات والطرقات والمؤسسات التونسية

ونحن ننتظر من هؤلاء حملة ضد اعتماد اسم "ميشال فوكو"، مغتصب الأطفال التونسيين، الذي تتسمى به حاليا مؤسسات تربوية تونسية

فهل ياترى، يطلق هؤلاء حملات ضد فرنسا ورموزها في تونس
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال