بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

«سَنَد» ليس صدقة على المدرسة العمومية ولا مخرجا للدولة من واجباتها، إنه اختبار لقدرتنا على تحويل التضامن إلى حوكمة، والشفافية إلى ثقة، والثقة إلى نتائج.

2026-10-22 116 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ثمة مفارقات في تونس لا تحتاج إلى عبقري في الاقتصاد حتى يفهمها بل تحتاج إلى مسؤول يجرؤ على النظر إليها دون مكياج سياسي.
نحن بلد ينفق فيه الأولياء مبالغ ضخمة على الدروس الخصوصية ثم يتجادلون حول كلفة إصلاح المدرسة العمومية. بلد يبحث فيه التلميذ عن فرصة للتعلم خارج القسم بينما يمكن أن تكون المدرسة نفسها فضاء للعلوم والروبوتيك والمطالعة والمسرح والرياضة والابتكار.
وبلد يتحدث فيه الجميع عن الإصلاح لكننا نادرا ما نسأل السؤال الأكثر إزعاجا لماذا لا نضع آلية تجعل المواطن يرى أثر كل دينار ينفقه على المصلحة العامة؟

لنتأمل رقما يستحق أن يتوقف عنده البرلمان والحكومة ووزارة التربية والمجتمع بأسره.
في ماي 2024 نقلت وسائل إعلام تونسية عن رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك تقديرا لحجم الإنفاق على الدروس الخصوصية بنحو 3 مليارات دينار سنويا.
وفي المقابل قدرت دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية نُشرت في سبتمبر 2023 هذه النفقات بنحو 1.468 مليار دينار سنويا وأوردت أن نسبة اللجوء إلى الدروس الخصوصية تبلغ 67% لدى تلاميذ المدارس الابتدائية و61% لدى تلاميذ الإعداديات و80% لدى تلاميذ المعاهد.
هذه تقديرات صادرة عن مصادر مختلفة وليست رقما رسميا موحدا ولذلك لا يجوز خلطها أو التعامل معها باعتبارها حقيقة نهائية لكنها حتى مع هذا التحفظ تضع أمامنا سؤالا اجتماعيا واقتصاديا ضخما ما الذي يدفع العائلات إلى إنفاق هذه الأموال وكيف يمكن تحسين البيئة التعليمية التي يتعلم فيها أبناؤها؟
إذا كانت الأسرة تنفق على الدروس الخصوصية لأن ابنها يحتاج إلى شرح إضافي أو إلى متابعة فردية أو إلى فرصة أفضل للنجاح فهل من المعقول ألا نناقش بالتوازي سبل تحسين المكتبة والمخبر والحاسوب والأنشطة داخل المدرسة؟
وهل يجوز أن نترك الطفل يكتشف العلوم بالتقسيط خارج مؤسسته بينما يمكن للمدرسة أن توفر له فرصا للتجربة والبحث والعمل الجماعي؟
لا نحمّل الولي مسؤولية خلل المنظومة ولا نفترض أن ما يدفعه للدروس الخصوصية مال فائض يستطيع التخلي عنه فبعض الأسر تكافح لتوفير أبسط الضروريات.
المقصود أن نفتح بابا اختياريا لمن يستطيع المساهمة وأن نحول التضامن من نداء عاطفي إلى آلية منظمة قابلة للقياس و هنا تبدأ فكرة «سَنَد».

ماذا لو ساهم كل وليّ راغب وقادر ب10 دنانير شهريا في صندوق دعم شفاف لمؤسسة ابنه التربوية؟
وماذا لو أمكن للمواطن ورجل الأعمال والمؤسسة الاقتصادية، وخريجي المدرسة وأبناء المنطقة المقيمين بالخارج أن يساهموا أيضا بالمال أو بالكتب والحواسيب والتجهيزات العلمية والرياضية؟

لنبدأ بحساب بسيط، إذا ساهم 300 وليّ في مؤسسة واحدة بعشرة دنانير شهريا فإن الصندوق يجمع 3000 دينار شهريا أي 36 ألف دينار في السنة وإذا بلغ عدد المساهمين 500 وليّ يصبح المبلغ 60 ألف دينار سنويا أما إذا شارك ألف وليّ فإن الموارد تبلغ 120 ألف دينار في السنة.

هذه ليست وعودا مالية ولا تقديرات لمشاركة فعلية بل سيناريوهات حسابية توضح ما يمكن أن تحققه المساهمة الصغيرة إذا اجتمعت في إطار منظم.

والآن لنتصور تجربة أولية تشمل ألف مؤسسة تربوية بمعدل 300 مساهم في كل مؤسسة. نحن نتحدث عن 300 ألف مساهم وثلاثة ملايين دينار شهريا أي 36 مليون دينار سنويا قبل المصاريف التشغيلية ودون احتساب التبرعات العينية أو مساهمات الشركات والمؤسسات الاقتصادية.
ولو توسعت التجربة إلى خمسة آلاف مؤسسة بالمعدل الافتراضي نفسه فإن الحساب النظري يبلغ 180 مليون دينار سنويا.
لكن هذا سيناريو حسابي مشروط بالمشاركة وليس توقعا لما سيحدث كما أن التوسع يجب ألا يتم إلا بعد اختبار التجربة وتقييم نتائجها وعدالة توزيع مواردها.
فهل المشكلة في عشرة دنانير؟؟؟
ليس بالضرورة ،بالنسبة إلى بعض العائلات حتى هذا المبلغ صعب أما بالنسبة إلى غيرها فقد يكون مقبولا إذا عرفت أن مساهمتها تحولت فعلا إلى كتب ومعدات ومخبر وفضاء رياضي ونشاط علمي لا إلى حساب غامض لا يعرف أحد من يتصرف فيه.
المشكلة إذن ليست المال وحده، إنها الثقة والحَوْكمة وغياب آلية تتيح للمواطن رؤية النتيجة والتحقق منها.

أقترح إنشاء منصة رقمية وطنية باسم «سَنَد» تستلهم سهولة الاستخدام التي توفرها منصات التمويل الجماعي ومنها Cha9a9a ولكنها تتخصص في تطوير المؤسسات التربوية العمومية وتخضع لإطار قانوني ومحاسبي ورقابي واضح.

لا نريد موقعا ينشر نداءات التبرع ثم يختفي بعد جمع المال. نريد نظاما رقميا يجعل كل مؤسسة تربوية صاحبة ملف عمومي واضح ويجعل كل مشروع مرتبطا بكلفة وهدف وجدول زمني ونتيجة قابلة للتثبت.

تضم المنصة صفحات للمؤسسات المشاركة و تعرض اسم المدرسة أو المعهد وموقعه وعدد تلاميذه وحاجاته ذات الأولوية ثم برنامجها السنوي ومشاريعها وكلفة كل مشروع ومؤشرات قياس نجاحه.

يختار المواطن المؤسسة التي يريد دعمها أو مشروعا محددا داخلها: مخبر علوم، مكتبة، حواسيب، تجهيزات رياضية، ناد للبرمجة، صيانة فضاء، أو أنشطة ثقافية وترفيهية.
ويمكن للمؤسسات الاقتصادية أن تعلن عن مساهماتها في إطار مسؤوليتها المجتمعية مع منع تضارب المصالح أو استغلال التبرعات في الدعاية غير الملائمة داخل الوسط المدرسي.
وتكون لكل مؤسسة لوحة متابعة مالية شهرية تعرض المبالغ التي جُمعت والمساهمات العينية والمصاريف المدفوعة والمشتريات والرصيد المتبقي ونسبة تقدم المشاريع وأسباب أي تأخير.
كل مشروع يحمل رقما مرجعيا وكل عملية شراء ترتبط بوثائقها وكل تجهيز يصل إلى المؤسسة يُسجل ويُثبت استلامه. وإذا تغيرت الكلفة التقديرية يظهر الفرق وسببه. وإذا تعثر المشروع لا تختفي المشكلة تحت صورة احتفالية بل يُعلن عن التعثر ويُفسر للعموم.
الشفافية الحقيقية ليست أن تقول لنا كم جمعت بل أن تسمح لنا بالتحقق مما أنجزت.
ويجب أن تكون المنصة سهلة الاستعمال عبر الهاتف حتى يتمكن الولي من الاطلاع على حساب المؤسسة في دقائق وأن تتضمن لوحة وطنية تعرض المشاريع بحسب الولاية والمعتمدية ونوع المؤسسة بما يساعد على كشف الفوارق وتوجيه التضامن إلى المناطق الأشد احتياجا.

ويمكن تطوير نظام إشعارات يُعلم المساهم عند بلوغ المشروع مرحلة جديدة أو عند وصول التجهيزات أو عند نشر التقرير الشهري.
كما يمكن توفير تقارير قابلة للتنزيل وبيانات إحصائية مجمعة تساعد الباحثين والصحفيين والمجتمع المدني على تقييم أداء المبادرة.
لكن لا ينبغي أن يتحول التطبيق إلى سلطة مالية موازية. فالمنصة تنظم المعلومات والتتبع أما جمع الأموال وحفظها وصرفها فيجب أن يتم عبر الجهات والصيغ القانونية المعتمدة مع فصل واضح بين إدارة النظام الرقمي والمسؤولية عن التصرف المالي.

أكبر خطأ يمكن ارتكابه هو اختزال المشروع في إصلاح الجدران وطلاء القاعات.
المدرسة ليست عقارا فقط، إنها المكان الذي يتشكل فيه عقل الطفل وذوقه وشخصيته وعلاقته بالعلم والمجتمع.

لذلك يجب أن يتضمن برنامج «سَنَد» محاور علمية وثقافية ورياضية وترفيهية واضحة.

في المجال العلمي يمكن تجهيز مخابر مبسطة للفيزياء والكيمياء والعلوم الطبيعية واقتناء مجاهر وأدوات قياس وتجارب مناسبة للأعمار وتوفير مجموعات للروبوتيك والإلكترونيات والبرمجة. ويمكن تنظيم مسابقات علمية بين المؤسسات وأيام للابتكار ومعارض تعرض فيها الفرق التلاميذية مشاريعها من أجهزة بسيطة إلى نماذج لمعالجة النفايات أو ترشيد استهلاك الماء والطاقة.

وفي المجال الرقمي يمكن إصلاح الحواسيب الصالحة للاستعمال وتوفير أجهزة مشتركة وإنشاء نواد للتعلم الرقمي وتدريب التلاميذ على البرمجة والتصميم والبحث الآمن على الإنترنت وفق برامج تربوية مناسبة.

وفي المجال الثقافي يمكن بناء مكتبات حقيقية لا تكون مجرد خزائن مغلقة بل فضاءات مفتوحة للمطالعة والكتابة والنقاش. وتُنظم نواد للمسرح والموسيقى والرسم والتصوير والشعر والمناظرة والخطابة مع مسابقات بين المؤسسات وورشات يؤطرها فنانون ومثقفون وأبناء المنطقة.

وفي المجال الرياضي والترفيهي يمكن صيانة الملاعب واقتناء معدات مناسبة وتنظيم دورات في كرة اليد وكرة القدم وألعاب القوى والشطرنج وإحداث فضاءات للأنشطة الجماعية والألعاب الفكرية مع مراعاة السلامة وحاجات كل مؤسسة.

أما الرحلات التربوية فيمكن أن تربط المدرسة بمحيطها: زيارة المتاحف والمواقع الأثرية والمناطق الطبيعية والمصانع والمخابر والجامعات حتى لا يبقى التاريخ حبيس الكتاب ولا تتحول العلوم إلى معادلات لا يراها التلميذ في الحياة.

ولماذا لا ننظم يوما شهريا بعنوان «العلم خارج الكتاب»؟ ينجز فيه التلاميذ تجربة أو يصممون نموذجا لمدينة مستدامة أو يعرضون ابتكارا أو ينظمون معرضا للتراث المحلي أو يقدمون مسرحية أو يتنافسون في البرمجة والشطرنج.

ويمكن للمنصة أن تضم قائمة متطوعين من المهندسين والأطباء والحرفيين والرياضيين والفنانين يسجلون اختصاصاتهم واستعدادهم لتقديم ورشات في المؤسسات القريبة منهم وفق قواعد تحمي الأطفال وتضمن سلامتهم.

بهذا الشكل لا يصبح «سَنَد» صندوقا يشتري الأشياء فحسب بل شبكة وطنية تصل المدرسة بالمجتمع والمعرفة والخبرة المهنية.

حين يقتصر يوم التلميذ على الحضور والحفظ والامتحان دون فرص كافية للتجربة والقراءة والرياضة والفنون والاكتشاف فإننا نخسر إمكانات بشرية لا تظهر في جدول المشتريات.
ولا ينبغي أن نخلط بين هذه الفكرة وبين الادعاء أن كل مشكلات المدرسة سببها نقص التجهيزات أو أن صندوق تبرعات يستطيع معالجة الاكتظاظ ونقص الإطار التربوي أو كل صعوبات التعلم. هذه مشكلات تتطلب سياسات عمومية وموارد بشرية وتمويلا أساسيا وإصلاحا تربويا.

لكن تحسين فضاء التعلم وإثراء المكتبة وإتاحة تجربة علمية وتنظيم نشاط رياضي وثقافي كلها أمور يمكن أن ترفع جودة الحياة المدرسية وتفتح فرصا جديدة أمام التلاميذ إذا صممت ضمن برنامج تربوي واضح.
نقلت إذاعة موزاييك أف أم عن رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك في نوفمبر 2024 تقديرا بأن ما بين 60 و70 ألف تلميذ يغادرون مقاعد الدراسة في سن مبكرة سنويا. يجب التعامل مع هذا الرقم بوصفه تقديرا منسوبا إلى مصدره والتحقق من تعريفه ومنهجية احتسابه قبل اعتماده رقما رسميا نهائيا.
لكنه يطرح سؤالا بالغ الأهمية عن أسباب الانقطاع المبكر وعن قدرة المدرسة على الاستجابة لحاجات التلاميذ وإبقائهم في مسار التعلم.

ومن هنا يمكن أن يتضمن «سَنَد» مؤشرات تتجاوز المال: عدد الأنشطة المنجزة ومشاركة التلاميذ واستعمال التجهيزات وعدد الكتب التي تمت استعارتها والمشاريع العلمية التي أنجزت ورضا التلاميذ والأولياء والتغير في الإقبال على الأنشطة.
ويمكن دراسة العلاقة بين هذه المؤشرات والحياة المدرسية دون الادعاء أن المبادرة وحدها ستمنع الانقطاع أو تحل أسبابه البنيوية.

أي مشروع يجمع المال معرض للفشل إذا لم تُبنَ الحوكمة قبل إطلاقه.
لذلك يجب أن يخضع الصندوق لمجلس إدارة محدد الصلاحيات يضم تمثيلا عن الأولياء والإدارة والإطار التربوي مع قواعد لمنع تضارب المصالح وإجراءات معلنة للشراء ومراجعة مالية مستقلة بحسب حجم الأموال وطبيعة التصرف.
وتنشر التقارير الشهرية والفصلية والسنوية وتُتاح الوثائق المؤيدة للمصاريف وفق قواعد واضحة مع حماية المعطيات الشخصية للأطفال والمتبرعين.
كما ينبغي توفير قناة للإبلاغ عن التجاوزات وآلية للتثبت في الشكاوى ونظام يتيح تصحيح الأخطاء دون محو أثر العمليات السابقة.
ويجب أن تكون المساهمة طوعية تماما وألا يحصل أي وليّ على امتياز في معاملة ابنه مقابل التبرع وألا يحرم أي تلميذ من نشاط أو تجهيز أساسي بسبب عجز أسرته عن الدفع.

كذلك يجب وضع آلية تضامن وطنية تمنع تركيز التبرعات في المدارس الواقعة في المناطق الأكثر ثراء.
يمكن مثلا تخصيص نافذة تمويل تضامني للمؤسسات الأكثر احتياجا تعتمد معايير منشورة تشمل حالة البنية الأساسية ونقص التجهيزات والظروف الاجتماعية للمنطقة مع احترام مسؤولية الدولة في تمويل الخدمات الأساسية.

أما من الناحية القانونية فلا بد من التثبت من الصيغة الملائمة لإدارة التبرعات الرقمية بالنظر إلى التشريعات التونسية المنظمة للجمعيات والتمويل التشاركي والتصرف المالي وحماية المعطيات فالقانون عدد 37 لسنة 2020 والأمر عدد 767 لسنة 2022 من النصوص ذات الصلة بالتمويل التشاركي لكن مدى انطباق كل مقتضى على نموذج «سَنَد» يحتاج إلى رأي قانوني مختص قبل الإطلاق.

أضع هذه المبادرة أمام رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ووزارة التربية وأطلب منها تفاعلا رسميا وجادا.
لا أطلب تصفيقا لفكرة جميلة ولا بيانا يشيد بالمجتمع المدني ولا وعدا جديدا يضاف إلى أرشيف الوعود.
أطلب دراسة جدوى وتقييما قانونيا وتقنيا وخطة تنفيذ ثم موقفا معللا وواضحا.

أقترح تشكيل فريق عمل يضم ممثلين عن وزارة التربية والجهات المالية والرقابية المختصة وخبراء في التكنولوجيا والحوكمة وممثلين عن الأولياء والإطار التربوي والمجتمع المدني لدراسة المشروع وتحديد الجهة المؤهلة لإدارته والآليات القانونية المناسبة.

ثم إطلاق تجربة نموذجية لمدة سنة في عدد محدود من المؤسسات مع تمثيل المدارس الريفية والحضرية والمؤسسات ذات الحاجات المختلفة ونشر أهداف التجربة ومؤشراتها قبل انطلاقها.

وتُقيّم التجربة من خلال حجم المساهمات وكلفة تشغيل المنصة وعدد المشاريع المنجزة ونسبة تنفيذ البرامج وجودة التجهيزات وعدالة توزيع الموارد ومستوى رضا التلاميذ والأولياء والإطار التربوي.
ويُنشر تقرير سنوي يوضح النتائج والتجاوزات والنقائص والدروس المستخلصة.

إذا أثبتت التجربة نجاحها يمكن توسيعها تدريجيا وإذا كشفت عن ثغرات تُعالج قبل التوسع وإذا ثبت أن بعض الصيغ غير قانونية أو غير عملية تُعدّل وفق رأي الجهات المختصة.
هذه هي طريقة بناء المشاريع الجدية،لا تقديس للفكرة ولا قتل لها بالإهمال بل اختبار وشفافية ومحاسبة.

قد لا تكون عشرة دنانير كافية لإصلاح كل مدرسة لكنها يمكن أن تكون بداية لثقافة جديدة يكون فيها المواطن شريكا في تحسين المرفق العام دون أن يتحول إلى ممول إجباري له.

وقد لا تستطيع منصة رقمية وحدها إصلاح التعليم لكنها تستطيع أن تجعل الإنفاق المجتمعي أكثر تنظيما والمشاريع أكثر وضوحا، والنتائج قابلة للتقييم والتجاوزات أصعب في الإخفاء.

وقد لا يحل صندوق محلي مشكلة الاكتظاظ أو نقص المدرسين لكنه يمكن أن يوفر مكتبة أفضل ومخبرا مجهزا وناديا للبرمجة ومعدات رياضية وفرصة لتلميذ لم تتح له من قبل المشاركة في نشاط علمي أو ثقافي.

إن جوهر المبادرة ليس جمع المال بل تغيير العلاقة بين المواطن والمؤسسة العمومية.
أن يعرف الولي أين ذهب ديناره وأن يرى التلميذ أثره وأن تلتزم المؤسسة بنشر حساباتها وأن تتحمل الدولة مسؤولياتها الأساسية وأن يشارك المجتمع دون أن يحل محل السلطة.

«سَنَد» ليس صدقة على المدرسة العمومية ولا مخرجا للدولة من واجباتها، إنه اختبار لقدرتنا على تحويل التضامن إلى حوكمة، والشفافية إلى ثقة، والثقة إلى نتائج.
إذا كانت لدينا إمكانية لتجربة مشروع يربط آلاف المؤسسات التربوية بمواطنين قادرين على المساهمة ويجعل كل مشروع قابلا للتتبع والتقييم فلماذا لا نبدأ بدراسة جادة وتجربة محدودة بدل ترك الفكرة حبيسة النقاش؟

أدعو رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ووزارة التربية إلى التفاعل الرسمي مع المبادرة وإعلان موقف واضح بشأن دراستها وإمكان إطلاق تجربة نموذجية.
كما أدعو الأولياء والإطار التربوي والباحثين ورجال الأعمال والمجتمع المدني إلى مناقشة الفكرة نقديا واقتراح التحسينات والمساعدة في بناء نموذج شفاف وعادل وقابل للتنفيذ.

فلا نريد مدرسة عمومية تستجدي المجتمع كي تقوم بواجبات الدولة ولا نريد مجتمعا يكتفي باتهام الدولة ثم ينسحب من كل مبادرة.
نريد دولة تؤدي واجبها ومجتمعا يشارك بإرادته ومؤسسات يمكن مساءلتها وتلاميذ يجدون في مدارسهم فضاءات للعلم والثقافة والرياضة والابتكار.

عشرة دنانير ليست معجزة. المعجزة الحقيقية أن نقرر أخيرا أن كل دينار يجب أن تكون له وجهة معلومة وكل مشروع يجب أن تكون له نتيجة قابلة للقياس وكل مبادرة جادة تستحق جوابا رسميا لا صمتا إداريا.

فهل تتفاعل السلطة مع الفكرة وتضعها على طاولة الدراسة أم نضيفها إلى قائمة طويلة من المبادرات التي لم تفشل لأنها مستحيلة بل لأنها لم تجد من يمنحها فرصة عادلة للاختبار؟
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال