في الوقت الذي تعيد فيه الشركات الأوروبية رسم خرائطها الصناعية تحت ضغط التكاليف والمنافسة الآسيوية وتراجع الطلب وتعلن فيه مجموعات صناعية إغلاق مواقع إنتاج أو نقل أنشطة إلى بلدان أقل كلفة تملك تونس فرصة اقتصادية لا يجوز التعامل معها بعقلية الموظف الذي ينتظر وصول ملف إلى مكتبه بل بعقلية الدولة التي تدخل السوق الدولية لتنتزع حصتها من رأس المال والتكنولوجيا وسلاسل التوريد.
المسألة ليست أن نطلب من أوروبا أن تمنحنا مصانعها وإنما أن نحدد ما الذي تستطيع تونس إنتاجه بكلفة تنافسية وما الأصول الصناعية التي يمكن اقتناؤها وما الأنشطة التي يمكن نقلها وما الشركات التي تستطيع تحقيق أرباح أكبر إذا جعلت من تونس قاعدة إنتاج وتصدير.
أما استمرار الدولة في الاكتفاء بالحديث عن تحسين مناخ الاستثمار من دون تحويله إلى عروض صناعية محددة ومفاوضات مباشرة وعقود قابلة للقياس، فهو إهدار لفرص قد لا تنتظر أحدا.
ولنبدأ بالأرقام التي تكشف حجم الرهان.
وفق حصيلة وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي FIPA بلغت التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة إلى تونس سنة 2024 نحو 2.9566 مليار دينار بزيادة قدرها 16.7% مقارنة بسنة 2023 فيما استحوذت الصناعات التحويلية على 61.1% من إجمالي التدفقات أي ما يعادل حسابيا نحو 1.806 مليار دينار.
كما سجلت الاستثمارات الأجنبية خارج قطاع الطاقة 856 عملية استثمار بقيمة 2.2208 مليار دينار أسهمت في إحداث 15,681 موطن شغل جديد.
وتصدرت فرنسا قائمة البلدان المساهمة في التدفقات الاستثمارية المولدة للوظائف خارج الطاقة بقيمة 644.2 مليون دينار تلتها ألمانيا بـ340.2 مليون دينار ثم إيطاليا بـ306.2 مليون دينار.
هذه الأرقام لا تعني أن تونس عاجزة عن جذب الاستثمار بل تثبت وجود قاعدة صناعية وعلاقات اقتصادية قائمة يمكن البناء عليها لتوسيع الإنتاج والتصدير لكنها تطرح سؤالا أكثر إزعاجا، إذا كانت هذه البلدان الثلاثة من أبرز مصادر الاستثمار الصناعي في تونس فلماذا لا تتحول العلاقات القائمة معها إلى استراتيجية هجومية تستهدف الشركات التي تعيد هيكلة إنتاجها وتبحث عن مواقع جديدة؟
الخطأ الاقتصادي الفادح هو التعامل مع المصنع باعتباره بناية وآلات فحسب في حين أن قيمته الحقيقية تتكون من منظومة مترابطة تشمل المعدات والبرمجيات الصناعية وحقوق استخدام التكنولوجيا والعمال المهرة وعقود العملاء وشهادات الجودة وسلاسل التوريد والمعرفة الضمنية التي راكمها المهندسون والفنيون على مدى سنوات.
قد تشتري تونس خط إنتاج مستعملا بثمن منخفض ثم تكتشف أن برمجيات التحكم غير متاحة أو أن قطع الغيار لم تعد تنتج أو أن المعدات تحتاج إلى إعادة تأهيل مكلفة أو أن عقود العملاء لا تنتقل مع بيع الأصول أو أن تكلفة الطاقة والنقل تجعل المنتج النهائي أغلى من منافسه.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال كم ثمن المصنع؟ بل كم تبلغ كلفة امتلاك القدرة الإنتاجية وتشغيلها وتحديثها وكم سيولد المشروع من تدفقات نقدية وصادرات ووظائف وقيمة مضافة على مدى عشر سنوات؟
هنا تحديدا يبدأ التفكير الهندسي والاقتصادي الحقيقي وهنا ينتهي زمن القرارات المرتجلة التي تشتري المعدات لأنها تبدو فرصة رخيصة.
خذوا شركة Lear Corporation الأمريكية المتخصصة في مكونات السيارات مثالا على الفرق بين مراقبة الخبر وإدارة الفرصة.
تفيد بيانات المرصد الأوروبي لإعادة الهيكلة Eurofound بأن الشركة أعلنت إغلاق موقعها في غرونداو الألمانية بحلول منتصف سنة 2027 مع تأثر نحو 180 وظيفة في الإنتاج والخدمات اللوجستية ونقل القدرة الإنتاجية المتبقية إلى سلوفاكيا وصربيا وتونس مع الاحتفاظ بنحو 120 وظيفة هندسية في الموقع الألماني.
هنا لا نتحدث عن احتمال نظري لنقل النشاط إلى تونس بل عن تونس التي تظهر بالفعل ضمن الوجهات المعلنة لإعادة توزيع الإنتاج ولذلك ينبغي على الحكومة التونسية أن تتفاوض بشأن توسيع حصة تونس من النشاط المنقول لا أن تكتفي باستقبال ما تقرر إسناده إليها.
عليها أن تعرف عدد خطوط الإنتاج المعنية وحجم الاستثمار المطلوب وعدد الوظائف التي يمكن إحداثها ونسبة المكونات التي يمكن شراؤها من موردين تونسيين وإمكان نقل أنشطة الاختبار والهندسة الصناعية والصيانة إلى مواقع تونسية. وإذا كان نقل نشاط إضافي سيخلق قيمة للشركة الأم فلتقدم تونس عرضا فنيا وماليا يثبت ذلك لا خطابا عاطفيا عن البطالة.
والمقارنة نفسها تكشف لماذا لا يجوز اختزال التنافس في الأجور. إذا استطاعت دولة منافسة تقديم مصنع جاهز خلال ثلاثة أشهر وتوصيلات طاقة مضمونة ومورّدين مؤهلين وإجراءات جمركية رقمية وتكوين سريع للعمال بينما تحتاج تونس إلى سنة لتوفير العقار والتراخيص والخدمات الأساسية فإن فارق الأجور قد يصبح بلا أهمية.
فالمستثمر يحسب الكلفة الكلية للوحدة المنتجة لا الأجر الشهري وحده.
كلفة الوحدة المنتجة تساوي مجموع كلفة المواد والطاقة والعمل والصيانة والاستهلاك الرأسمالي والتمويل والنقل والتوقفات الإنتاجية مقسوما على عدد الوحدات المطابقة للمواصفات التي جرى إنتاجها فعليا.
فإذا كانت آلة تونسية تنتج ألف وحدة في اليوم لكنها تتوقف بصورة متكررة وتنتج نسبة مرتفعة من القطع المعيبة فقد تصبح أغلى من آلة في بلد منافس تنتج 800 وحدة بجودة مستقرة. ومن ثم فإن استقطاب المصانع يجب أن يقترن بمؤشرات إنتاجية محددة من بينها فعالية المعدات الإجمالية OEE ومعدل العيوب وزمن التوقف واستهلاك الطاقة لكل وحدة ونسبة التسليم في الموعد وكلفة الشحن لكل منتج.
لا نحتاج إلى مصانع أكثر فحسب بل إلى مصانع أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة.
وتقدم شركة Rchling Industrial الألمانية مثالا آخر على ضرورة التحرك القطاعي المدروس.
فقد أعلنت المجموعة في 28 ماي 2026 إغلاق موقعها في ديسينيه قرب ليون على أن يتوقف الإنتاج في 30 جوان 2026 ويكتمل الإغلاق بحلول مطلع 2027 متأثرة بتراجع الطلب على المكونات البلاستيكية المصنعة آليا ولا سيما المرتبطة بقطاع البناء وبالتحول نحو طلبيات أصغر وأكثر تخصيصا.
ويشمل القرار 42 عاملا بينما أكدت الشركة أن العملاء سيُخدمون من مواقع أخرى ضمن مجموعتها.
ما الذي ينبغي أن تفهمه تونس من هذه الحالة؟
ليس أن المصنع أصبح معروضا للبيع بالضرورة وإنما أن هناك نشاطا صناعيا محددا يواجه ضغطا هيكليا في سوق معينة. وعلى الدولة أن تستكشف مع المجموعة إمكان نقل معدات مختارة أو تطوير إنتاج مكونات موجهة إلى أسواق تونس وأفريقيا وأوروبا بشرط إثبات الجدوى.
كما ينبغي دراسة الطلب المحلي على المكونات البلاستيكية الهندسية في قطاعات الري والزراعة والمياه والبناء والتجهيزات الصناعية حتى لا يتحول الاستثمار إلى خط إنتاج يعتمد كليا على طلب خارجي متقلب.
المصنع الناجح ليس الذي يفتح أبوابه في يوم الافتتاح بل الذي يظل قادرا على البيع والإنتاج وتحقيق هامش تشغيلي إيجابي بعد خمس سنوات.
أما مجموعة Legrand الفرنسية فقد أعلنت في 4 جوان 2026 مشروعا لإعادة تنظيم بصمتها الصناعية يتضمن التوقف التدريجي عن الإنتاج في 4 مواقع فرنسية هي بون أون روايان ولاغور وكونفولان وشالوس مع إلغاء 178 وظيفة بحلول نهاية 2028 وإعادة توزيع الأنشطة على مصانع أخرى تابعة للمجموعة داخل فرنسا.
ومن الخطأ تقديم هذا القرار على أنه عرض لبيع المصانع أو نقلها إلى تونس فالمجموعة أعلنت إعادة توزيع الأنشطة وتعزيز مواقع إنتاج أخرى. لكن من حق تونس بل من واجبها أن تفتح ملفا تفاوضيا حول الأنشطة التي يمكن توسيعها خارج فرنسا وخاصة في التجميع الآلي والمكونات الكهربائية والإلكترونية وتجهيزات التحكم.
ويتعين أن يتضمن العرض التونسي حسابا لتكلفة الوحدة ونسبة الأتمتة الممكنة وكلفة استيراد المكونات وزمن التوريد إلى أوروبا وقدرة المؤسسات التونسية على الالتزام بمعايير الجودة.
وإذا لم تكن تونس قادرة حاليا على استقطاب المنتجات الأعلى تعقيدا فلتبدأ بمكونات محددة ثم ترتقي تدريجيا إلى مراحل ذات قيمة مضافة أعلى بدلا من الادعاء بأن نقل أي مصنع ممكن بمجرد تقديم إعفاءات ضريبية.
وفي صناعة الألمنيوم أعلنت مجموعة Hydro النرويجية في 3 مارس 2026 مقترح إغلاق مصنع البثق في لوسيه الفرنسية بما يؤثر في نحو 80 موظفا مع احتمال تنفيذ الإغلاق خلال 2026.
ويضم الموقع مكبسي بثق لكنه يقع في المكان نفسه الذي توجد فيه منشأة لإعادة تدوير الألمنيوم وقد أكدت المجموعة أن منشأة التدوير ليست مشمولة بالقرار وأن العملاء سيستمرون في التزود من مصانع أخرى إذا تأكد الإغلاق.
هذه التفاصيل حاسمة فامتلاك مكبسي بثق لا يعني امتلاك سلسلة ألمنيوم متكاملة ولا يضمن توافر المادة الأولية أو الكهرباء التنافسية أو العملاء أو التقنية المطلوبة.
على تونس أن تحسب أولا تكلفة استيراد الألمنيوم وكلفة الكهرباء لكل طن ونفقات الصيانة ونسبة الهدر وكلفة نقل المنتج النهائي إلى الأسواق ثم تحدد إن كان الأفضل شراء معدات أو إبرام شراكة صناعية أو استقطاب نشاط تحويل نهائي أقل استهلاكا للطاقة.
الاستثمار الصناعي الذي لا يصمد أمام حسابات الطاقة والمواد الأولية ليس إنجازا وطنيا بل مخاطرة قد تتحول إلى عبء على المستثمر والدولة والعمال.
والأكثر دلالة على خطورة القرارات غير المدروسة هو ما حدث في قطاع الألواح الشمسية لدى REDEN الفرنسية. فقد أُوقف الإنتاج في مصنع روكفور الذي صُمم بطاقة تبلغ 200 ميغاواط سنويا بعدما واجهت الشركة ضغوط التكلفة والمنافسة الآسيوية وفق تقرير نشرته مجلة pv magazine في 13 جويلية 2026.
وكان المصنع قد شهد استثمارات لتحديث خط الإنتاج قاربت 4.5 ملايين يورو. هنا أمام تونس احتمال يستحق الدراسة لكنه ليس شيكا مفتوحا.
يجب فحص حالة المعدات وكفاءتها التقنية وتكلفة تحديثها ومدى توافقها مع الألواح التي يطلبها السوق وتكلفة الخلايا والمكونات المستوردة والقدرة على المنافسة أمام المنتج الآسيوي.
وإذا أظهرت دراسة الجدوى أن إعادة تشغيل خط مماثل في تونس غير قادرةعلى منافسة الواردات فلا معنى لشرائه لمجرد أنه أصبح متاحا.
أما إذا أمكن بناء مشروع متكامل يخدم سوقا واضحة ويرتبط بمشروعات الطاقة المتجددة ويضمن الصيانة والتحديث والتسويق والتصدير فحينها يصبح التفاوض مبررا.
الفرق بين الاقتصاد العلمي والاقتصاد الاستعراضي هو أن الأول يستطيع رفض صفقة تبدو جذابة عندما تثبت الأرقام أنها خاسرة.
وفي ألمانيا دخلت AE Group المتخصصة في مكونات السيارات وإنتاج القطع المعدنية المصبوبة تحت الضغط في إجراءات إعسار و أُعلن في سبتمبر 2025 عن إغلاق موقعيها في غيرستونغن ونتنغسهاوزن بنهاية العام مع تأثر 683 وظيفة وفق قاعدة بيانات Eurofound.
لكن الإفلاس لا يعني أن جميع الأصول متاحة تلقائيا للمشتري ولا أن المعدات خالية من الديون والرهون والالتزامات ولا أن نقلها إلى تونس سيضمن استعادة عقود العملاء لذلك يجب أن تتدخل الجهات التونسية المعنية بالتعاون مع مستثمرين صناعيين لإجراء فحص قانوني وفني ومالي للأصول التي قد تُعرض للبيع وتحديد ما إذا كانت خطوط الصب والتشغيل قابلة لإعادة الاستخدام وما إذا كان نقلها وتركيبها وتشغيلها اقتصاديا.
ويجب كذلك التحقق من التزامات التوريد القائمة ومن موافقات العملاء ومن الشهادات الفنية اللازمة لقطع السيارات.
شراء معدات مستعملة بسعر منخفض قد يكون صفقة ممتازة إذا كانت حالتها جيدة والعملاء مضمونين وقد يصبح كارثة إذا كانت التقنية متقادمة أو تكلفة إعادة التأهيل أعلى من شراء معدات جديدة.
ولا ينبغي أن يقتصر الاستهداف على الشركات الثماني الواردة في هذه القائمة فحالة Safran الفرنسية التي أُعلن عن إغلاق موقعها في مانت لا فيل تدريجيا حتى نهاية 2030 تتيح مثالا إضافيا على ضرورة التمييز بين انتقال العمال والأنشطة وبين نقل الإنتاج إلى الخارج.
ووفق Eurofound يتعلق القرار بنحو 112 وظيفة مهددة من أصل قرابة 500 وظيفة في الموقع مع نقل نحو 300 موظف إلى مواقع أخرى تابعة للمجموعة.
هذا ليس إعلانا بأن مصنع الطيران معروض للبيع ولا دليلا على أن تونس تستطيع استضافة كل عملياته لكنه يفتح باب دراسة مكونات ميكانيكية دقيقة وأعمال مناولة صناعية يمكن أن تتولاها مؤسسات تونسية بعد استيفاء شهادات الجودة والسلامة والتتبع.
وعلى الدولة أن تستثمر في المختبرات المعتمدة والتكوين الهندسي وأنظمة القياس والتصنيع الدقيق لأن الطريق إلى صناعة الطيران لا يمر عبر التخفيضات الضريبية وحدها بل عبر إثبات القدرة على إنتاج قطعة مطابقة للمواصفات آلاف المرات من دون انحراف عن معايير الجودة.
كل هذه الأمثلة تقود إلى نتيجة واحدة ،المطلوب ليس إنشاء لجنة أخرى تجتمع لتكتب تقريرا بعد ستة أشهر بل بناء منظومة اقتناص صناعي تشتغل بعقلية فرق الاستثمار الخاصة.
أقترح أن تتولى FIPA بالتعاون مع وزارات الصناعة والمالية والطاقة والنقل والتكوين المهني إنشاء خلية متخصصة تضم مهندسي عمليات وخبراء في التمويل الصناعي ومختصين في التجارة الدولية ومحامين في عمليات الاستحواذ والإفلاس وخبراء في سلاسل الإمداد وتبدأ الخلية بقاعدة بيانات من مئات المواقع الصناعية الأوروبية التي أُعلن إغلاقها أو إعادة هيكلتها ثم تصنفها بحسب القطاع وحالة المعدات والقيمة التقنية وتكلفة النقل وإمكان الحصول على العملاء ومتطلبات الطاقة وحجم الاستثمار المطلوب.
ويجب ألا يُرفع إلى مستوى التفاوض السياسي إلا الملف الذي اجتاز الفحص الأولي وأثبت أن له احتمالا معقولا لتحقيق عائد اقتصادي.
ولكي لا يتحول المقترح إلى شعار آخر ينبغي تحديد أهداف تشغيلية خلال أول 90 يوما من إطلاق البرنامج بإعداد قائمة موثقة لا تقل عن 100 فرصة صناعية محتملة من مصادر الشركات والجهات الرسمية والإدارات القضائية و انتقاء 20 ملفا بعد التقييم الفني والمالي الأولي و فتح اتصالات مباشرة مع إدارات الشركات أو القائمين على الأصول وإنجاز خمس دراسات جدوى تفصيلية على الأقل للفرص الأكثر قابلية للتنفيذ.
هذه أهداف مقترحة وليست نتائج محققة ويجب نشر ما أُنجز منها فعليا.
وبعد 6 أشهر يُقيَّم البرنامج بعدد ملفات التفاوض الجادة وبقيمة التي دخلت مرحلة التعاقد لا بعدد الوفود واللقاءات. وبعد سنة يُقاس النجاح بالاستثمارات المنجزة والوظائف التي بدأت فعليا والصادرات الجديدة ونسبة القيمة المضافة المحلية ونقل التكنولوجيا واستدامة المشاريع.
أما العروض التي ستقدمها تونس فيجب أن تقوم على هندسة اقتصادية دقيقة لكل مشروع.
يُحسب صافي القيمة الحالية للاستثمار بناء على التدفقات النقدية المتوقعة ومعدل خصم يعكس المخاطر وتُجرى اختبارات حساسية لارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية وتراجع الطلب وتغير أسعار الصرف.
وتُقارن تكلفة الإنتاج التونسية بتكلفة الإنتاج في سلوفاكيا وصربيا والمغرب وتركيا وغيرها من المواقع المنافسة مع احتساب النقل والتخليص الجمركي والتمويل والتوقفات الصناعية والامتثال للمواصفات.
كما يجب التمييز بين القيمة المضافة المحلية والقيمة الإجمالية للصادرات لأن مصنعاً يستورد معظم مكوناته ثم يعيد تصديرها لا يترك للاقتصاد الوطني بالضرورة قيمة مساوية لقيمة مبيعاته.
ولا ينبغي منح امتيازات عامة غير مشروطة بل تُربط أي حوافز يسمح بها القانون باستثمار منجز ووظائف مستدامة وتكوين فعلي واحترام بيئي والتزامات واضحة يمكن مراقبتها واسترداد الامتيازات عند الإخلال بها.
وفي المقابل لا يمكن مطالبة المستثمر بالسرعة بينما تتركه الدولة يتخبط في العقار الصناعي والربط بالشبكات والتراخيص وتعدد المتدخلين.
يجب إنشاء مسار موحد لكل مشروع وتحديد آجال ملزمة قانونيا ونشر كلفة الخدمات الصناعية وإتاحة البيانات المتعلقة بالمناطق الجاهزة وتسريع الإجراءات الجمركية واللوجستية.
كما ينبغي توجيه جزء من الجهد إلى تطوير الموردين المحليين وربط المصانع الجديدة بمراكز التكوين المهني والجامعات ومخابر الاختبار حتى لا تبقى تونس مجرد منصة تجميع منخفضة التكلفة.
إن نقل التكنولوجيا لا يحدث بمجرد كتابة العبارة في اتفاقية الاستثمار بل عبر تدريب العمال والمهندسين وتطوير إجراءات الإنتاج وبناء قدرات الصيانة وتأهيل الموردين وتوسيع نسبة المكونات والخدمات التي تستطيع المؤسسات التونسية توفيرها.
وليس من المقبول كذلك أن تتحول هذه السياسة إلى سباق نحو اقتناء كل ما تتخلى عنه أوروبا.
المصنع المتعثر قد يكون فرصة وقد يكون فخا ماليا؛والخط الإنتاجي المستعمل قد يوفر ملايين اليوروهات وقد يحتاج إلى تحديثات تجعل كلفته أعلى من شراء تجهيز جديد والقطاع الذي يعاني تراجعا هيكليا في أوروبا قد يكون قادرا على النمو في سوق أخرى أو قد يكون يعاني مشكلة عالمية لا تستطيع تونس علاجها.
لهذا يجب أن يكون قرار الاستثمار قائما على بيانات الطلب والأسعار والطاقة والإنتاجية والتكنولوجيا والتمويل وأن تُرفض المشاريع التي لا تحقق عائدا مقبولا أو تعتمد على دعم دائم من المال العام فالهدف ليس إنقاذ الشركات الأجنبية من أخطائها على حساب دافع الضرائب التونسي وإنما اقتناص الفرص التي تحقق مصلحة تونس وتخلق قيمة اقتصادية مستدامة.
تونس أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الانتقال من اقتصاد ينتظر الاستثمار إلى اقتصاد يصنع شروط استقطابه فالأرقام الرسمية تثبت وجود تدفقات صناعية وعلاقات استثمارية مهمة وإعادة الهيكلة الأوروبية تتيح ملفات تستحق الفحص والتفاوض لكن الفجوة بين الفرصة والإنجاز لن تسدها الخطب ولا الصور ولا الوعود.
ستسدها قاعدة بيانات دقيقة وفرق تفاوض محترفة ومواقع صناعية جاهزة وطاقة محسوبة الكلفة وموانئ وخدمات لوجستية فعالة وقضاء تجاري موثوق ومؤسسات تكوين تنتج المهارات التي يحتاجها المصنع الحديث.
الدولة التي لا تعرف كيف تقتنص الأصول الصناعية والتكنولوجيا وسلاسل التوريد في لحظة إعادة توزيعها ستظل تدفع ثمن تأخرها في شكل بطالة وهجرة للكفاءات وعجز تجاري وتبعية إنتاجية.
أما الدولة التي تعرف ماذا تشتري ومن تفاوض وبأي سعر ولأي سوق وبأي عائد فإنها تستطيع أن تحول تعثر الشركات في الخارج إلى فرصة لتوسيع صناعتها في الداخل.
تونس لا تحتاج إلى معجزة اقتصادية بل إلى حكومة تحسب وإدارة تنفذ ودبلوماسية اقتصادية تفاوض وقطاع خاص يستثمر ومؤسسات رقابة تمنع تحويل الحوافز إلى ريع.
وفي عالم تتنافس فيه الدول على كل مصنع وكل مهندس وكل عقد توريد فإن التأخر ليس حيادا بل تنازل صامت عن حصة من المستقبل.
تونس أولا، لا بالشعارات بل بانتزاع نصيبها من الصناعة والتكنولوجيا والثروة وفرص العمل.
تونس لا تحتاج إلى معجزة اقتصادية بل إلى حكومة تحسب وإدارة تنفذ ودبلوماسية اقتصادية تفاوض وقطاع خاص يستثمر ومؤسسات رقابة تمنع تحويل الحوافز إلى ريع.
2026-10-19
125 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال