بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

مسيرة 17 أكتوبر في تونس.. حين تلتقي الأضداد تحت سقف الحرية والكرامة الوطنية

2026-10-19 387 قراءة مقالات رأي حنان الحيدري
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
مسيرة 17 أكتوبر في تونس.. حين تلتقي الأضداد تحت سقف الحرية والكرامة الوطنية
لم تكن مسيرة 17 أكتوبر 2026 مجرد تحرك احتجاجي عابر في الشارع التونسي، بل كانت مناسبة لطرح أسئلة تتجاوز عدد المشاركين والشعارات المرفوعة لتصل إلى طبيعة المشهد السياسي والاجتماعي في تونس وإلى قدرة القوى المدنية والنقابية والسياسية على الالتقاء رغم اختلاف مرجعياتها وتباين قراءاتها للواقع.

وبين من روج للمسيرة، ومن قلل من شأنها ومن ضخم حجمها ومن اختار التعتيم عليها برز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل نجح الإعلام التونسي في تغطية هذا الحدث بما يستحقه من مهنية وتوازن وعمق تحليلي؟

"شغل، حرية، كرامة وطنية".. ما وراء الشعار

اختارت المسيرة شعار "شغل، حرية، كرامة وطنية"، وهو شعار يستحضر ذاكرة النضال الاجتماعي والسياسي في تونس، ويعيد إلى الواجهة أسئلة العدالة الاجتماعية والحريات العامة والحق في الاختلاف والمشاركة في الشأن العام.

ولم يكن اجتماع هذه المطالب في شعار واحد أمرا اعتباطيا، فهي تحيل إلى علاقة مترابطة بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحقوق السياسية والمدنية فلا معنى لكرامة وطنية لا يجد فيها المواطن شروط العيش الكريم، ولا لاستقرار اجتماعي يتحقق على حساب الحريات ولا لحرية سياسية تظل منفصلة عن هموم الناس اليومية.

ومن هنا، فإن قراءة المسيرة لا ينبغي أن تتوقف عند مشهد الحشود واللافتات، بل أن تنفذ إلى مضمون الرسائل التي حملها المشاركون وإلى السياقات التي دفعتهم إلى النزول إلى الشارع.

الاتحاد العام التونسي للشغل والتشبيك المدني.. ما الذي جمع المختلفين؟

قاد الاتحاد العام التونسي للشغل هذا التحرك، في إطار تشبيك مع مكونات من المجتمع المدني، من بينها النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين إلى جانب قوى سياسية وشخصيات من مشارب مختلفة.

ويطرح هذا التقاطع سؤالا جوهريا: كيف أمكن لقوى تختلف في مرجعياتها الفكرية والسياسية، بل وتتباين أحيانا في مواقفها من قضايا أساسية وأن تلتقي في الشارع نفسه؟

لا يمكن اختزال الإجابة في تحالف مدني متجانس ولا في تطابق بين المشاركين حول جميع القضايا. فالتنسيق حول مطلب مشترك لا يعني بالضرورة ذوبان الاختلافات كما أن الالتقاء في لحظة احتجاجية لا يلغي التناقضات التي قد تعود إلى الواجهة بعد انتهاء المسيرة.

الأقرب إلى فهم هذا المشهد هو النظر إليه باعتباره تقاطعا بين قوى ترى أن بعض المطالب الاجتماعية والحقوقية والحرياتية تستوجب تحركا مشتركا، حتى إن اختلفت في تقدير الأولويات أو في تصورها لمستقبل البلاد.

وهنا تبرز أهمية مساءلة المنظمين: ما طبيعة التفاهمات التي سبقت المسيرة؟ وما حدود الاتفاق بين مكوناتها؟ وهل يتعلق الأمر بتحرك ظرفي أم بمحاولة لبناء أرضية مشتركة تتجاوز المناسبة؟ وما الذي يمكن أن يبقى من هذا التنسيق بعد انتهاء المسيرة؟

هذه أسئلة تستحق إجابات مباشرة من قيادة الاتحاد وممثلي المنظمات المشاركة ومكونات المعارضة السياسية، لا استنتاجات جاهزة تفرض على المشهد من خارجه.

المعارضة السياسية.. حضور يتجاوز الحسابات الحزبية

إنصاف مسيرة 17 أكتوبر يقتضي أيضا إنصاف المعارضة السياسية التي حضرت فيها، وعدم التعامل معها باعتبارها كتلة واحدة أو اختزال مشاركتها في حسابات انتخابية أو صراعات حزبية.

فقد مثل حضور شخصيات وممثلين عن الحزب الدستوري الحر وحركة النهضة وحزب العمال، إلى جانب قوى وشخصيات سياسية أخرى، مؤشرا على تعدد المداخل التي يمكن أن تقود إلى الشارع نفسه حتى عندما تتباين الخلفيات التاريخية والفكرية لهذه الأطراف.

ولعل أهمية هذا المشهد تكمن في أن الالتقاء حول الحريات والحقوق الاجتماعية لا يشترط الاتفاق حول الذاكرة السياسية أو المرجعيات الأيديولوجية. فالديمقراطية لا تقوم على محو الاختلاف، بل على تنظيمه وضمان حق المختلفين في التعبير والمشاركة.

ولا يعني ذلك أن جميع المشاركين يتبنون التصورات نفسها، أو أن حضورهم يثبت قيام تحالف سياسي دائم لكنه يفرض على التغطية الصحفية الجادة أن تمنح كل طرف حقه في عرض دوافع مشاركته، وأن تتيح للقارئ فهم ما يجمع هذه القوى وما يفرق بينها.

ومن الخطأ أن تتحول التغطية إلى مجرد تعداد للأحزاب الحاضرة، أو إلى البحث عن صورة تجمع هذا الطرف بذاك، من دون سؤال ممثليهما عن معنى المشاركة وحدودها ومآلاتها.

كما أن حضور ممثلي الأحزاب لا ينبغي أن يحجب بقية المشاركين فالمسيرة ليست ملكا للقيادات وحدها وإنما فضاء يضم مواطنين ونقابيين وحقوقيين وناشطين، لكل منهم دوافعه وتجربته وتطلعاته.

من كان في الشارع؟ سؤال يتجاوز الأرقام

من أبرز ما ينبغي أن تتوقف عنده التغطية الصحفية لمسيرة بهذا الحجم تنوع المشاركين وخلفياتهم الاجتماعية والسياسية والنقابية.

فمن الضروري الإصغاء إلى العامل الذي يرى في الشعار تعبيرا عن تدهور قدرته الشرائية، وإلى النقابي الذي يعتبر الدفاع عن الحقوق الاجتماعية جزءا من دوره وإلى الصحفي الذي يربط المشاركة بحرية العمل الصحفي، وإلى الحقوقي الذي يضع الحريات العامة في صلب اهتمامه وإلى المواطن الذي قد لا ينتمي إلى أي حزب لكنه يرى في النزول إلى الشارع وسيلة لإيصال صوته.

إن هذه الأصوات هي التي تمنح المسيرة معناها الإنساني والاجتماعي، وتحول التغطية من سرد للأحداث إلى محاولة لفهم المجتمع.

أما تقدير عدد المشاركين فيجب أن يستند إلى منهج واضح، يأخذ في الاعتبار مساحة التجمع وكثافة الحضور وحركة المسيرة مع مقارنة التقديرات الميدانية بتصريحات الجهات المنظمة وبقية المصادر المتاحة ولا يكفي نقل رقم تعلنه جهة مشاركة أو جهة معارضة له باعتباره حقيقة نهائية.

فالأرقام ليست تفصيلا تقنيا إذ قد تتحول إلى جزء من الصراع على صورة الحدث وتأثيره ولذلك فإن المهنية تقتضي التمييز بين الرقم الموثق والتقدير التقريبي والتصريح السياسي.

الإعلام أمام اختبار التغطية لا اختبار الاصطفاف

أعادت المسيرة طرح سؤال قديم ومتجدد حول طريقة تعامل وسائل الإعلام التونسية مع الأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى.

فمن حق الصحافة أن تختلف في تقدير أهمية التحركات، ومن حقها أن تطرح الأسئلة الصعبة على المنظمين والمشاركين لكن ليس من المهنية أن يتحول الاختلاف إلى تعتيم أو أن يحل التضخيم محل التثبت، أو أن تختزل مسيرة متعددة المكونات في صورة حزبية واحدة.

التغطية المهنية تبدأ بتحديد الجهة المنظمة، وتوضيح دور المنظمات المشاركة ونقل مواقف ممثليها، ووصف مسار التحرك وشعاراته ثم الانتقال إلى شهادات المشاركين وتحليل السياق السياسي والاجتماعي الذي أنتج الحدث.

كما تقتضي إتاحة المجال للرأي المخالف، بما في ذلك مواقف أنصار المسار السياسي القائم والمواطنين الذين لا يرون في المسيرة تعبيرا عن أولوياتهم، وكذلك الشخصيات و الاطراف السياسية التي اختارت عدم المشاركة.

لكن الإنصاف لا يعني وضع كل الادعاءات في مرتبة واحدة، ولا اختلاق توازن شكلي بين المواقف بل يعني التحقق من المعلومات، ونسبة التصريحات إلى أصحابها، وتفسير أسباب الاختلاف والتمييز بين الوقائع والآراء.

ومن حق القارئ أن يعرف لماذا شارك هؤلاء، ولماذا غاب آخرون وما الذي تقوله المسيرة فعلا عن موازين القوى والاتجاهات داخل المجتمع.

ما وراء المسيرة.. الاتحاد والحقوق والسياسة

لا يكتمل فهم تحرك 17 أكتوبر بعرض يوم المسيرة وحده بل يتطلب وضعه في سياق أوسع يتعلق بأدوار المنظمات الوطنية وبطبيعة العلاقة بين العمل النقابي والسياسي والحقوقي.

فبالنسبة إلى الاتحاد العام التونسي للشغل، تطرح التحركات الاجتماعية أسئلة تتعلق بقدرته على الدفاع عن منظوريه وبوضعه المالي والتنظيمي، وبعلاقته بقواعده النقابية وبقية الفاعلين. كما أن ملف الاقتطاع الآلي للمساهمات النقابية وما أثاره من نقاشات، يستحق معالجة صحفية مستقلة تستند إلى المعطيات الرسمية وتوضح انعكاساته الفعلية على موارد المنظمة واستقلالية قرارها، من دون القفز إلى نتائج لا تثبتها الأدلة.

وتستحق العلاقة بين السياسة والمحاماة بدورها بحثا معمقا بالنظر إلى تداخل الأدوار المهنية والحقوقية والسياسية في الفضاء العام. فالمحاماة ليست منفصلة عن قضايا الحريات والعدالة لكن حضور المحامين في النقاش السياسي يطرح أيضا أسئلة حول طبيعة أدوارهم وحدودها وعلاقتها بالدفاع عن الحقوق وضمانات المحاكمة العادلة.

أما سردية حقوق الإنسان، فلا ينبغي التعامل معها باعتبارها شعارا جاهزا سواء من قبل المدافعين عنها أو من قبل منتقديها المطلوب هو قياس فاعليتها من خلال أثرها في التشريعات والممارسات، وفي حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية، ومدى قدرتها على الاستجابة لمشاغل المواطنين اليومية.

هذه الملفات لا يمكن حسمها في تقرير واحد عن مسيرة، لكنها تمثل امتدادا ضروريا للتغطية الاستقصائية والتحليلية التي تتعامل مع الحدث بوصفه مدخلا إلى فهم واقع أوسع.

الرأي الآخر...حق في الاختلاف لا ذريعة للإقصاء

إنصاف المعارضة لا يعني إعفاءها من النقد، مثلما أن نقل مواقف معارضي المسيرة لا يعني التقليل من شأنها.

فمن المهم الاستماع إلى أنصار المسار السياسي القائم، وإلى المواطنين الذين يعارضون التحرك أو يشككون في جدواه وإلى الدستوريين الذين رفضوا المشاركة لأسباب سياسية أو مبدئية فهذه المواقف تساعد على فهم الانقسامات داخل المجتمع، وعلى إدراك حدود التعبئة التي تمكنت المسيرة من تحقيقها.

لكن من الضروري أيضا أن تكون هذه الأصوات حقيقية ومحددة، لا مجرد عبارات عامة تنسب إلى فئات واسعة من دون دليل كما يجب عدم تقديم موقف بعض الأفراد باعتباره موقفا موحدا لأنصار تيار سياسي كامل.

والأهم أن الخلاف حول المسيرة لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار حق المشاركين في الاحتجاج السلمي، أو إلى التشكيك في دوافعهم لمجرد اختلافها مع دوافع أطراف أخرى.

فالديمقراطية لا تختبر فقط بقدرة المختلفين على الاجتماع، وإنما كذلك بقدرتهم على الاعتراف بحق بعضهم في الاختلاف.

مسيرة انتهت.. وأسئلة لا تزال مفتوحة

قد تختلف القراءات بشأن الحجم الفعلي لمسيرة 17 أكتوبر، ومدى تأثيرها السياسي، وقدرتها على إنتاج تحولات تتجاوز الشارع وهذه أسئلة مشروعة لا تجيب عنها الصور وحدها، ولا الشعارات، ولا الأرقام المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي.

لكن ما يستحق التوقف عنده هو أن المسيرة أتاحت فضاء مشتركا لعدد من القوى النقابية والحقوقية والسياسية، وأن شعار "شغل، حرية، كرامة وطنية" جمع في صيغة واحدة مطالب اجتماعية وحرياتية لا يمكن فصل بعضها عن بعض.

أما القيمة السياسية الحقيقية لهذا اللقاء، فلن تقاس فقط بعدد المشاركين، بل بما إذا كان قادرا على فتح نقاش جدي حول الحريات والحقوق الاجتماعية وبما إذا كانت مكوناته ستنجح في تحويل التقاطع الظرفي إلى عمل مدني وسياسي واضح المعالم، من دون إنكار الاختلافات أو إخفاء التناقضات.

وفي النهاية، لا تتمثل مهمة الصحافة في تضخيم المسيرة أو التقليل من شأنها، ولا في منح شرعية مجانية لمنظميها أو خصومها بل في وصف ما حدث بدقة، والتحقق من أرقامه والإصغاء إلى أصوات المشاركين والمعارضين، ووضع الوقائع في سياقها.

فالمسيرة ليست صورة واحدة، ولا حزبا واحدا، ولا رواية واحدة إنها حدث سياسي واجتماعي يستحق أن يقرأ بكل تناقضاته، وأن ينقل إلى الرأي العام بعيدا عن التعتيم والتهويل والاختزال.

ذلك هو الفارق بين صحافة تكتفي بنقل المشهد وصحافة تساعد الناس على فهمه.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال