بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الدولة الحقيقية مخيفة لأنها لا تجامل.

2026-10-18 117 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
لم تكن الدولة العربية الحديثة فاشلة بالصدفة ولم تسقط لأنها تعرّضت لمؤامرة بل لأنها كانت منذ لحظة ولادتها عملية احتيال سياسية مكتملة الأركان.
كذبة جرى تسويقها بوصفها وطنا وتدجين الناس على احترامها كما يحترم المقدّس بينما هي في جوهرها جهاز سيطرة خشن بلا روح عامة و لا عقد و لا فكرة مواطن.
ما سُمّي دولة لم يكن سوى سلطة ارتدت معطف الدولة، وما سُمّي وطنا لم يكن سوى ساحة نفوذ أغلقت في وجه أصحابها الحقيقيين.
هذه الدولة لم تبن لتخدم المجتمع بل لتراقبه و لم تنشأ لتنظم الاختلاف بل لقمعه و لم تصمم لتدير الصراع سلميا بل لتحوّله إلى ملف أمني.
ولهذا لم تكن الدولة يوما محايدة ولا عامة ولا مشتركة بل كانت منحازة منذ البداية للزعيم و للحلقة و للطائفة و للعائلة و للبيروقراطية التي تحولت مع الوقت إلى طبقة اجتماعية تعيش على ظهر المجتمع وتخافه في آن واحد.
الفضيحة أن هذه الدولة لم تكتفِ بالقمع بل طالبت بالحب.
أرادت من الناس أن يصفّقوا وهي تفشل وأن يهتفوا وهي تسرق وأن يموتوا وهي لا تعرف حتى أسماءهم.
وحين سئلت عن العقد الاجتماعي أجابت بالأمن وحين سئلت عن العدالة أجابت بالاستقرار وحين سئلت عن المستقبل أجابت بالتخوين.
هكذا تحوّل الوطن إلى امتحان ولاء وتحولت السياسة إلى طقس إذعان وتحولت الدولة إلى كيان عصبيّ يخاف أي سؤال لأنه يعرف أن السؤال سيكشف الفراغ.
وعندما انفجرت المجتمعات لم يكن ذلك تمردا على الدولة بل اكتشافا متأخرا بأنها لم تكن موجودة أصلا.
الذي سقط لم يكن دولة راسخة بل سردية متآكلة ولهذا دخلت القوى الخارجية بسهولة لا لأنها قوية فقط بل لأن الداخل كان فارغا فالفراغ لا يحتاج غزوا بل إدارة.
لكن الأخطر من الأنظمة وأقذر من الأجهزة هم أولئك الذين يفترض أنهم يعرفون بالنخب.
هنا نصل إلى لبّ المسألة و إلى السؤال الذي يحرج الجميع لماذا تخاف النخب العربية من الدولة الحقيقية؟
تخافها لأن الدولة الحقيقية تسقط الامتيازات.
الدولة الحقيقية لا تعترف بالمثقف بوصفه كاهنا ولا بالمعارض بوصفه بطلا دائما ولا برجل الدين بوصفه وصيا على الضمائر.
الدولة الحقيقية تطالب الجميع بشيء واحد «المساءلة » والمساءلة عدوّ النخب لأنها تعيش على الغموض وتزدهر في المناطق الرمادية وتبرر وجودها بالاستثناء الدائم.
النخب السياسية تخاف الدولة الحقيقية لأنها تعني نهاية سياسة الغنيمة.
لا مقاعد مضمونة و لا حصص ثابتة و لا توازنات تدار فوق رؤوس الناس فالدولة الحقيقية لا تفاوض النخب بل تخضعها للقانون ولهذا يفضّل السياسي العربي دولة ضعيفة يمكن التلاعب بها على دولة قوية تحاسبه.
النخب الثقافية تخاف الدولة الحقيقية لأنها تسحب منها دور الضمير البديل و في الدولة المريضة يصبح المثقف نبيا أو مهرّجا أو مبررا أما في الدولة السليمة فهو مواطن له رأي لا سلطة له إلا بالحجة ،وهذا مرعب لمن بنى مجده على القرب من السلطة أو على لعب دور المعارضة الأبدية بلا مسؤولية.

النخب الدينية تخاف الدولة الحقيقية لأنها تنهي احتكارها للأخلاق و الدولة العادلة لا تحتاج وصيًا على الإيمان بل قانونا يحمي الجميع.
في الدولة الحقيقية الدين يعود إلى مكانه الطبيعي مصدر قيم لا أداة حكم وهذا يسحب من بعضهم القدرة على التخويف وعلى الاستثمار في الآخرة لإدارة الدنيا.
حتى النخب الاقتصادية خصوصا هي تخاف الدولة الحقيقية
لأن الدولة الحقيقية تعني منافسة وشفافية وضرائب ونهاية الريع و تعني أن الثروة تصنع لا تورّث وأن السوق ليس مزرعة خاصة.
لهذا يفضّل كثير من رجال الأعمال دولة فاسدة يمكن شراؤها على دولة نظيفة لا يمكن التحايل عليها.
أما بناء الدولة بعد سقوط الكذبة فلا علاقة له بالرومانسية ولا بالشعارات ، يبدأ بإهانة كل ما هو زائف وكسر قداسة السلطة و تفكيك أسطورة الزعيم و تحطيم وهم الإجماع.
يبدأ بإعادة تعريف السياسة بوصفها صراع مصالح معلن لا حرب وجود ثم بإعادة القانون إلى مركز المشهد لا كشعار بل كسقف فعلي فوق الجميع بلا استثناءات ولا هوامش رمادية.
يبنى الاقتصاد كمنظومة إنتاج لا كشبكة ولاءات ويعاد التعليم ليصنع عقلا نقديا لا تابعا وتعاد كتابة التاريخ بلا تمجيد ولا جلد ذات ويعاد ضبط العلاقة بين الدين والدولة بما يحمي الاثنين من بعضهما.
كل هذا يحتاج وقتا وصبرا وجرأة على قول ما لا يقال أن أغلب من يصرخون باسم الدولة لا يريدونها وأن أغلب من يبكون على سقوطها كانوا أول المستفيدين من كذبتها.
الدولة الحقيقية مخيفة لأنها لا تجامل ولا تمنح امتيازات مجانية ولا تسمح بالعيش على الشعارات لكنها وحدها القادرة على البقاء وكل ما عداها مهما طال عمره ليس إلا انتظارا لانفجار آخر.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال