بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حب الوطن تربية وليس شعار

2026-10-14 33 قراءة مختلفات ابراهيم عباس البشرى
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
حب الاوطان ليس كلمات تقال في المناسبات ولا نشيدا يردد، ولا راية ترفع ثم ينتهي الأمر ولا شعارات
حب الوطن في جوهره تربية للفرد على أن يرى في الأرض التي نشأ عليها أمانة
وفي الناس الذين يعيش بينهم مسؤولية
وفي المال العام حقا
وفي أمن البلاد واستقرارها واجبا
وفي مستقبل أبنائها قضية تتجاوز مصلحته الشخصية والدفاع عن أرضها وعرضها قربى.
وهذه معاني التربية الإسلامية بل صميمها فالإسلام لا يبني الإنسان على الأنانية وإنما يربيه على الأمانة والعدل والإحسان وتحمل المسؤولية.
وقديما أدرك سقراط أن صلاح الاوطان يبدأ من صلاح الإنسان وهو لا يستطيع أن يعيش حياة فاضلة إذا جعل شهواته ومصالحه الخاصة حاكمة على عقله وضميره.
فصلاح أن المجتمع يبدأ بإصلاح الإنسان والإسلام لا يقول للإنسان أحب وطنك بالكلام وإنما يقول له عمليا كن أمينا اعدل أوف بالعهد أد الأمانة لا تظلم، لا تفسد ولا تأكل أموال الناس بالباطل دافع عن أرضك وعرضك.
فحين يكون الموظف أمينا والتاجر صادقا والعامل متقنا والطالب مجتهدا والجندي حاميا للارض والعرض لا معتديا عليهم والمسؤول عادلا في حكمه فإن كل واحد من هؤلاء يمارس صورة من صور حب الوطن وإن لم يرفع صوته بشعار واحد.
يرى أفلاطون ان المدينة تحتاج إلى الإنسان الذي يصلح لها وهو جعل التربية في قلب مشروعه السياسي. فالمدينة عنده لا يمكن أن تكون صالحة إذا كان أفرادها فاسدين، ولذلك اهتم بتكوين الشخصية منذ الصغر وبالعادات والفضائل والانضباط.
الوطن لا يبنى بالطرق والجسور والمباني وحدها وإنما يبنى قبل ذلك بالإنسان يمكن أن نبني مدرسة ولكن إذا خرج منها طالب لا يحترم العلم ولا الوقت ولا المال العام فقد بنينا جدرانا ولم نبن إنسانا.
ويمكن أن نشيد مستشفى ولكن إذا كان العامل فيه لا يعرف الأمانة فقد صنعنا مبنى ولم نصنع خدمة
ويمكن أن نضع القوانين ولكن إذا لم يترب الإنسان على احترام الحق فلن تكفي كثرة القوانين.
ولهذا جعل الإسلام التزكية والتعليم معا من وظائف الرسالة:
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) فتأمل الجمع بين التعليم والتزكية فالمطلوب ليس عقلًا متعلما وقلبا فاسدا ولا حماسا وطنيا بلا أخلاق وإنما إنسان يجتمع فيه العلم والخلق والعمل.
أرسطو لفت النظر إلى معنى تربوي بالغ الأهمية وهو أن الفضيلة لا تصبح ملكة في الإنسان بمجرد معرفته باسمها وإنما تتكون بالممارسة والعادة.
فالإنسان لا يصبح عادلا لأنه قرأ كتابا عن العدالة وإنما لأنه باعتاده العدل.
ولا يصبح أمينا لأنه حفظ تعريفا للأمانة وإنما لأنه مارس الأمانة حين كان يستطيع الخيانة وهذه هي روح التربية الإسلامية.
فالطفل الذي يتعلم الصدق ثم يمارس الصدق والذي يتعلم الصلاة ثم يحافظ عليها والذي يتعلم الإحسان ثم يفعله والذي يتعلم احترام حقوق الآخرين ثم يلتزم بها إنما ينتقل من المعلومة إلى الخلق.
ومن هنا ينبغي أن نعيد النظر في معنى الوطنية
فليس وطنيا من يكثر الحديث عن الوطن ثم يسرق المال العام.
وليس وطنيا من يرفع الامانة ثم يغش في تجارته
وليس وطنيا من يطالب بالعدالة لنفسه ثم يظلم غيره
وليس وطنيا من يريد دولة قوية ثم يرفض القانون عندما يمس مصلحته.
التربية الوطنية أخلاق قبل أن تكون عاطفة.
ولئن كانت إسبرطة القديمة قد بالغت في عسكرة المجتمع فإن تجربتها تكشف لنا جانبا تربويا لا ينبغي تجاهله ان المجتمع يستطيع أن يصنع شخصية قادرة على الصبر والتحمل والانضباط إذا جعل هذه القيم جزءا من تربيته اليومية.
فالصيام مدرسة في ضبط النفس.
والصلاة مدرسة في الانضباط.
والزكاة مدرسة في البذل.
والحج مدرسة في المساواة والطاعة والصبر.
والجهاد في معناه الشرعي ليس مجرد قتال وإنما بذل للنفس في سبيل الحق، مع ضوابطه وأحكامه.
وهكذا لا يريد الإسلام إنسانا هشّا أمام رغباته ولا مواطنا لا يعرف إلا حقوقه وإنما يريد إنسانا قويا في الحق أمينا في المسؤولية صابرا محتسبا في الشدائدِ رحيما عند القدرة.
من يحب وطنه لا يفسده
ومن أعمق ما نحتاج إلى ترسيخه في تربية أبنائنا أن حب الوطن لا يعني أن نغضب إذا انتُقد الوطن بل يعني أن نغضب من الفساد الذي يهدد الوطن.
الوطن ليس الحكومة.
والوطن ليس الحزب.
والوطن ليس المسؤول.
الوطن هو الأرض والناس والتاريخ والحقوق والمصالح والمستقبل. ولهذا فإن نقد الخطأ ليس خيانة للوطن ومحاربة الفساد ليست عداء للدولة والمطالبة بالعدل ليست تمردا على المجتمع بل إن السكوت عن الظلم والفساد حين يستطيع الإنسان إصلاحه قد يكون أخطر على الوطن من الكلام.
والقرآن يجعل الإصلاح في الأرض قيمة كبرى ويحذر من الإفساد:
(وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)
الوطن أمانة بين الأجيال
والتربية الوطنية الحقيقية ينبغي ألا تعلم الطفل أن الوطن هو ما ورثه من آبائه فقط بل أن الوطن أيضا ما سيتركه لأبنائه.
الأرض التي نلوثها ليست ملكا لنا وحدنا.
الماء الذي نهدره ليس ملكا لنا وحدنا.
المال العام الذي نسرقه ليس مال الدولة فقط إنه مال أجيال لم تولد بعد.
المدرسة التي نهملها ليست مبنى حكوميا إنها مستقبل أطفال.
والطريق الذي نفسده والمرفق الذي نهمله والشجرة التي نقطعها والعلم الذي نضيعه والقانون الذي نكسره كلها صور صغيرة من مسؤولية أكبر اسمها الأمانة.
وهنا تتجاوز الوطنية حدود العاطفة إلى معنى شرعي عميق أن تعمر الأرض التي استخلفك الله فيها وأن تحفظ حقوق الناس الذين جعلك الله مسؤولا عن التعامل معهم.
من البيت تبدأ الوطنية
ولا يمكن أن نطالب المدرسة بأن تصنع المواطن الصالح إذا كان البيت يهدم ما تبنيه المدرسة فالطفل الذي يرى أباه يحترم النظام يتعلم النظام والذي يرى أمه تحترم المال العام يتعلم الأمانة والذي يسمع والديه يتحدثان عن الناس بالعدل يتعلم الإنصاف.
والذي يرى أسرته تساعد المحتاج يعرف أن المجتمع ليس مجموعة أفراد متنافسين وإنما جسد يتكافل أعضاؤه.
ولهذا فإن التربية الوطنية ليست مادة دراسية فقط إنها طريقة حياة.
الخلاصة
ربما اختلفت غايات الفلاسفة عن غايات التربية الإسلامية واختلفت فلسفتهم عن الوحي في مصدر القيم والغاية النهائية للإنسان، لكنهم أدركوا حقيقة تربوية تستحق التأمل:
لا يمكن أن تقوم مدينة عظيمة بإنسان صغير والإسلام جاء ليصنع الإنسان الذي يعرف ربه ويزكي نفسه ويطلب العلم، ويؤدي الأمانة ويقيم العدل، ويحفظ الحقوق وينفع الناس، ويعمر الأرض.
ومن هنا فإن حب الوطن في التربية الإسلامية ليس أن نعلم أبناءنا كيف يهتفون للوطن بل أن نعلمهم كيف يكونون جديرين به.
أن نربيهم على أن السودان ليس مجرد أرض نعيش فوقها بل أمانة نعيش من أجل حفظها وعمرانها وتسليمها إلى أبنائنا أفضل مما وجدناها.
فإذا أردنا وطنا قويا فلنبدأ بتربية الإنسان القوى وإذا أردنا دولة عادلة فلنبدأ بتربية الإنسان العادل
وإذا أردنا أمنا فلنرب أبناءنا على المسؤولية.
وإذا أردنا نهضة فلنصنع جيلا يحب العمل كما يحب الكلام.
فالوطن الذي نريد أن نبنيه غدا، يبدأ بتربية الفرد الذي سيحمله غدا.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال