هناك مرض قديم في مجتمعاتنا العربية يتجدّد كلما ظهر صوت مختلف أو برزت موهبة من خارج القوالب الجاهزة أو اقتحم شخص ميدانا اعتقد بعض المنتسبين إليه أنهم يملكون مفاتيحه إلى الأبد. مرض اسمه احتكار المعرفة وتأميم الكفاءة وتحويل الشهادة الجامعية من وسيلة للتعلّم إلى وثيقة ملكية حصرية للمهنة والاعتراف والظهور.
ومن هنا فإن النقاش الذي أثارته الإعلامية والفنانة سوسن معالج في دفاعها عن حق الموهبة والتجربة في دخول المشهد الإعلامي والفني وفي سياق الحديث عن محمود البارودي ومفهوم الدخلاء يتجاوز الأشخاص إلى سؤال أعمق. هل نحن أمام دفاع مشروع عن التكوين المهني ومعايير الجودة أم أمام محاولة لترسيم حدود مغلقة حول مهن يفترض أن تتطور بالاحتكاك والتجديد والمنافسة؟
المسألة ليست في مهاجمة أصحاب الشهادات ولا في تمجيد العصامية لمجرد أنها عصامية. المسألة في فضح عقلية تعتقد أن امتلاك الوثيقة يعني امتلاك الحقيقة وأن الانتساب إلى مؤسسة تعليمية يمنح صاحبه تفويضا أبديا لمنع الآخرين من الاقتراب.
الشهادة تثبت مسارا دراسيا لكنها لا تمنح صكا بالعبقرية. والموهبة تفتح الباب لكنها لا تعفي صاحبها من التعلم والانضباط والمسؤولية. أما الخبرة فلا تقاس بعدد السنوات وحده بل بما يضيفه الإنسان خلالها من معرفة وإنجاز.
أولًا ،الشهادة ليست عرشا والمعهد ليس مملكة خاصة
لنتحدث بصراحة ومن دون مجاملات اجتماعية ،ما قيمة شهادة في الإعلام إذا عجز حاملها عن فهم الحدث وربط أسبابه بنتائجه والتمييز بين المعلومة والدعاية وبين الخبر والتحليل وبين السؤال الصحفي والاستعراض أمام الكاميرا؟
وما قيمة سنوات الدراسة إذا خرج منها صاحبها حافظا للمصطلحات عاجزا عن صياغة سؤال واحد يزعج مسؤولا أو يكشف تناقضا أو يضع قضية اجتماعية في سياقها الصحيح؟
هذه أسئلة مشروعة لا تنتقص من التعليم بل تدافع عن معناه الحقيقي فالمؤسسات الأكاديمية لم تنشأ لتصنع طبقة مغلقة تتوارث المنابر وإنما لتزوّد المجتمع بالمعرفة والأدوات والمعايير التي تحمي الممارسة المهنية من الارتجال والتضليل.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتزاز بالتكوين إلى استعلاء وعندما تصبح عبارة أنا خرّيج المعهد بديلا عن الإجابة عن ماذا تستطيع أن تقدم للناس؟
ليس المطلوب أن نلغي المعاهد بل أن نرفض تحويلها إلى جمارك فكرية لا تسمح بعبور الموهبة إلا بختم موظف يعتقد أن المهنة إرث عائلي أو امتياز طبقي.
من حق خريج الصحافة أن يطالب بتقدير تكوينه لكنه ليس من حقه أن يحتكر الإعلام. ومن حق المهني أن يدافع عن معايير المهنة لكن ليس من حقه أن يجعل شهادته سلاحا لإقصاء كل مختلف.
فالصحافة ليست مجرد مخارج حروف والفن ليس مجرد إتقان تقنيات والإبداع ليس مسابقة في جمع الوثائق.
إنها جميعا مجالات تتقاطع فيها المعرفة والموهبة والممارسة والحكم النقدي والقدرة على التواصل مع الإنسان.
ثانيا ،التاريخ لا يسأل المبدع أين درس فقط بل ماذا أضاف
لو كان التاريخ سجلا للشهادات الجامعية لاحتجنا إلى أرشيف للوثائق أكثر مما نحتاج إلى كتب الفكر والإبداع.
جاء كثير من أصحاب التأثير من مسارات غير تقليدية ونجحوا لأنهم جمعوا بين الفضول والعمل والتجربة والقدرة على رؤية ما لم يره الآخرون غير أن الإنصاف يقتضي ألّا نحوّل هذه النماذج إلى أساطير مضللة وكأن ترك الجامعة هو الطريق السحري إلى النجاح.
خذوا بيل غيتس ومارك زوكربيرغ ،غادرا الدراسة الجامعية قبل إكمالها لكنهما لم يأتيا من فراغ معرفي ولم يصنعا ما صنعا بمجرد التمرد على الشهادة.
امتلكا معرفة تقنية وعملا متواصلا وبيئة اقتصادية وتقنية أتاحت تحويل الأفكار إلى مؤسسات ضخمة وليس من المنطقي اختزال تجربتيهما في جملة دعائية تقول إن الشهادة لا قيمة لها.
وانظروا إلى جاك ما الذي لم يكن مهندس برمجيات حين أسس «علي بابا» لكنه امتلك رؤية تجارية وقدرة على بناء العلاقات وفهما للسوق واستعان بكفاءات متخصصة لإنجاز ما لا يستطيع إنجازه بمفرده.
الدرس هنا ليس أن الأكاديمية عدوة الإبداع بل أن الشهادة ليست شرطا كافيا للنجاح كما أن غيابها ليس ضمانا للعبقرية.
هناك آلاف الذين تركوا الجامعات ولم يصنعوا شيئا استثنائيا كما أن هناك علماء ومهندسين وأطباء وصحفيين وفنانين صنعوا إنجازات كبرى بفضل تكوين أكاديمي عميق فلا يصح أن نستخدم الناجحين العصاميين لإهانة التعليم ولا أن نستخدم الشهادات لإهانة العصاميين.
العقلية التي لا ترى في الإنسان إلا شهادته لا تختلف في جوهرها عن العقلية التي ترفض كل خريج جامعي باعتباره أسيرا للكتب ،كلاهما يستبدل التقييم الحقيقي بالأحكام الجاهزة.
والسؤال الذي ينبغي أن يزعج الجميع هو لماذا نخاف من المنافسة إذا كنا واثقين من كفاءتنا؟ ولماذا يصبح القادم من خارج التخصص خطرا إذا كانت الجودة هي الحكم والجمهور هو المتلقي، والنتائج قابلة للفحص والمقارنة؟
ثالثا، في الإعلام تحديدا الشهادة بداية الطريق لا نهايته
الإعلام مهنة حساسة لأن الخطأ فيه لا يبقى حبيس مكتب أو ورشة بل قد يصل إلى ملايين الناس ويشوّه سمعة إنسان ويؤجج نزاعا وينشر معلومة زائفة أو يحوّل الرأي إلى حقيقة في أذهان الجمهور لهذا فإن الدعوة إلى فتح المجال أمام المواهب لا تعني تحويل الاستوديوهات إلى ساحات للفوضى ولا إعفاء المذيع والمحلل والصحفي من التكوين والأخلاقيات المهنية فالتحقق من المعلومات وحماية المصادر واحترام الحياة الخاصة والفصل بين الخبر والرأي ومواجهة تضارب المصالح كلها مسؤوليات لا يجوز الاستهانة بها.
لكن هل تستلزم هذه المعايير أن يكون كل من يكتب أو يحلل أو يقدم برنامجا خريج معهد صحافة بالضرورة؟ وهل يمكن أن نستغني عن الاقتصادي الذي يفهم الموازنة العامة أو المؤرخ الذي يقرأ جذور الصراع أو الطبيب الذي يشرح قضية صحية أو المهندس الذي يحلل مشروعا تقنيا لمجرد أنهم لم يدرسوا الصحافة؟
الإعلام الجاد يستفيد من التخصصات المختلفة شريطة أن يعرف كل مشارك حدود معرفته وأن يخضع ما يقدمه للتحقق والمساءلة فليس كل خبير قادرا على تبسيط أفكاره للجمهور وليس كل متحدث بارعا قادرا على إنتاج معرفة موثوقة لكن هذا سبب لبناء معايير مهنية واضحة لا لإعلان الحرب على كل من يأتي من خارج المؤسسة التقليدية.
ثم إن الإعلام نفسه تغير و لم تعد المعلومة حبيسة غرفة تحرير أو مكتب مدير برنامج ولم يعد احتكار المنبر القديم قادرًا على منع الأصوات الجديدة من الظهور.
أتاحت المنصات الرقمية للأفراد أن ينتجوا محتوى وأن يصلوا إلى جمهور واسع لكنها أتاحت أيضا انتشار الإشاعة والسطحية والمعلومات المضللة.
وهنا تحديدا تبرز الحاجة إلى النقد المهني لا إلى النبذ الاجتماعي.
إذا كان صاحب المحتوى ضعيفا فناقشوا معلوماته واكشفوا أخطاءه وبيّنوا عجزه عن التحليل وإذا كان متجاوزا لقواعد المهنة فاحتكموا إلى قواعد معلنة تنطبق على الجميع.
أما أن تختصروا كل ذلك في كلمة «دخيل» فكأنكم تقولون إن المشكلة ليست فيما يقدمه الرجل بل في أنه تجرأ على الدخول إلى المساحة التي اعتدتم احتكارها.
حين تعجز عن تفنيد الفكرة يصبح أسهل عليك أن تطعن في صاحبها وحين تعجز عن منافسة المحتوى يصبح مغريا أن ترفع بطاقة العضوية في وجه صاحبه.
لكن بطاقة العضوية لا تجيب عن الأسئلة والشهادة لا تحسم النقاش واللقب لا يمنح صاحبه حصانة من النقد.
رابعا ،الفن لا يعيش داخل الأقفاص الأكاديمية
في الفن تصبح المفارقة أكثر وضوحًا لأن الإبداع بطبيعته لا يسير دائما في خط مستقيم ولا يخضع لمسار تعليمي واحد.
هناك فنانون تعلموا داخل المعاهد وصقلوا أدواتهم بالتدريب والبحث وهناك آخرون دخلوا الميدان من أبواب مختلفة ثم طوروا قدراتهم بالممارسة والانضباط والتجربة. ولا يمكن إنكار فضل التكوين الأكاديمي في تعليم التقنيات وتاريخ الفن وأصول الأداء كما لا يمكن الادعاء بأنه وحده ينتج الموهبة أو يضمن التميز.
والموسيقي اليوناني Yanni مثلا اشتهر بأعماله الآلية التي وصلت إلى جمهور عالمي لكنه لم يكن خريج معهد موسيقي تقليدي فقد درس علم النفس في جامعة مينيسوتا ثم اتجه إلى تطوير تجربته الموسيقية وهذه حقيقة أكثر دلالة من تقديمه بوصفه رجلا لم يتعلم الموسيقى إطلاقا.
فالاختلاف هنا ليس بين متعلم وجاهل بل بين مسارات متعددة يمكن أن تلتقي في الإبداع.
والسينما والمسرح يقدمان أمثلة كثيرة لممثلين ومخرجين لم يسلكوا الطريق الأكاديمي المعتاد في مقابل أسماء أخرى صنعتها المعاهد والتقاليد الفنية الراسخة.
ولا يثبت ذلك أن أحد المسارين أفضل في المطلق بل يثبت أن الموهبة تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالنمو وأن التكوين يمكن أن يأتي بأشكال متعددة.
أما أن يتحول الفن إلى سجل للأنساب المهنية وأن يصبح السؤال الأول عن المبدع من أين تخرج؟ لا ماذا صنع؟ فذلك يعني أننا نخلط بين شروط الدخول إلى المهنة ومعايير الحكم على نتاجها.
ومع ذلك لا ينبغي أن نسقط في الوهم المعاكس فليس كل من يمتلك حضورا أمام الكاميرا فنانا وليس كل من يجمع المتابعين صاحب مشروع إبداعي وليس كل من يصف نفسه بالموهوب معفيا من النقد والتعلم.
الفن ليس امتيازا تمنحه الشهادة لكنه أيضا ليس ادعاء شخصيا لا يحتاج إلى برهان. إنه عمل يُعرض على الجمهور ويُختبر في التجربة ويُناقش بمعايير تتناسب مع نوعه وأهدافه.
خامسا،السياسة والاقتصاد لا يعترفان بالشهادة وحدها لكنهما لا يستغنيان عن المعرفة
في السياسة لا تكفي شهادة في العلوم السياسية لصناعة رجل دولة كما لا يكفي غياب الشهادة لصناعة قائد ناجح. فإدارة الدولة تتطلب فهما للمؤسسات والاقتصاد والمجتمع والتاريخ والعلاقات الدولية فضلا عن القدرة على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته.
وقد يصل بعض القادة إلى مواقع المسؤولية عبر مسارات غير أكاديمية لكن النجاح في القيادة لا يُقاس بطريقة الوصول وحدها بل بالقرارات والنتائج وبالقدرة على حماية المؤسسات وتحسين حياة الناس.
والأمر نفسه في الاقتصاد، قد ينجح رائد أعمال من دون شهادة متخصصة في الاقتصاد لكنه لا يستطيع أن يستبدل الحدس وحده بالمعرفة عندما يدير مؤسسة معقدة أو يتخذ قرارات تمس آلاف العاملين. وقد يمتلك الاقتصادي أعلى المؤهلات لكنه يفشل إذا عجز عن فهم الواقع أو تحويل المعرفة النظرية إلى سياسة قابلة للتطبيق.
إذن ليست المعركة بين الشهادة والموهبة بل بين المعرفة التي تتحول إلى قدرة عملية والمعرفة التي تبقى حبيسة الورق وبين التجربة التي تتعلم من أخطائها والتجربة التي تتخذ من نجاح عابر مبررا للاستغناء عن كل علم.
وإذا كانت الدولة نفسها تحتاج إلى تنوع الخبرات فلماذا نريد من الإعلام والفن أن يتحولا إلى جزر مغلقة؟ لماذا نحتفي بتعدد التخصصات عندما يخدم مصالحنا ثم نرفضه عندما يقترب من مساحة اعتدنا اعتبارها ملكا لنا؟
سادسا،من يحرس المهنة؟ أصحاب الكفاءة أم حراس الامتيازات؟
هنا نصل إلى جوهر القضية،فكل مهنة تحتاج إلى معايير لكن المعايير شيء والاحتكار شيء آخر.
المعايير تضع شروطا واضحة للجودة والأخلاقيات والمسؤولية وتتيح للناس معرفة أسباب قبول العمل أو رفضه أما الاحتكار فيستخدم القواعد بصورة انتقائية فيشددها على المنافس ويخففها على القريب ويطالب الآخرين بما لا يطالب به نفسه.
الدفاع عن المهنة يصبح مشكوكا فيه عندما يتحول إلى دفاع عن الامتياز الشخصي وعندما يكون الاعتراض على المنافس أقوى من الاعتراض على الرداءة التي تصدر من داخل المؤسسة نفسها.
إذا كان الهدف حماية الصحافة فلتكن هناك قواعد واضحة للتحقق والدقة والتصحيح والمساءلة وإذا كان الهدف حماية الفن فليناقش العمل وفق قيمته الفنية لا وفق السيرة الجامعية لصاحبه وإذا كان الهدف حماية الجمهور فليكن الحكم على ما يُقدّم للناس وعلى أثره ومصداقيته لا على الانتماء المهني وحده.
أما إذا كان المطلوب إبقاء الأبواب موصدة لأن دخول وجوه جديدة قد يهدد المواقع القديمة فهذه ليست حماية للمهنة بل محاولة لحماية أصحاب المواقع من المنافسة.
ولا يجوز في المقابل أن نساوي بين الجميع لمجرد رفض الإقصاء فالمساواة في الحق في المحاولة لا تعني المساواة التلقائية في الكفاءة وفتح المجال لا يعني منح كل شخص المنصة نفسها أو الثقة نفسها من دون اختبار.
يجب أن تكون الفرص والمعايير عادلة وأن يكون التقييم قائمًا على أدلة يمكن مناقشتها.
لا امتياز أبديا لخريج ولا حصانة لموهوب ولا قداسة لمؤسسة ولا إعفاء من المساءلة باسم التجربة.
هذه هي القاعدة التي تحمي المهنة من الاحتكار وتحمي الجمهور من الرداءة في الوقت نفسه.
سابعا،الجمهور ليس حجة مطلقة لكنه ليس قطيعا أيضا
كثيرا ما يُقال إن الجمهور هو الحكم النهائي وفي هذه العبارة جزء من الحقيقة لكنه ليس الحقيقة كلها.
نعم، للجمهور حق الاختيار وله أن يمنح ثقته لمن يجد في محتواه فائدة أو متعة أو معرفة لكن الشعبية لا تثبت الدقة وعدد المشاهدات لا يثبت جودة التحليل والانتشار لا يحوّل الادعاء إلى حقيقة.
كم من محتوى سطحي انتشر لأنه يثير الغضب؟ وكم من معلومة مضللة حصدت التفاعل قبل أن تظهر أخطاؤها؟ وفي المقابل كم من الأعمال الجادة احتاجت إلى وقت طويل حتى تجد جمهورها؟
لذلك لا يكفي أن نقول إن الجمهور اختار كما لا يكفي أن نقول إن المؤسسة رفضت.
يجب أن نسأل ما طبيعة المحتوى؟ ما مصادره؟ ما مستوى الدقة فيه؟ هل يقدم معرفة جديدة؟ هل يحترم عقل المتلقي؟ وهل يستطيع صاحبه الدفاع عن أفكاره أمام النقد؟
الجمهور ليس غبيا لكنه ليس معصوما من التضليل والمهني ليس معصوما من الخطأ لكنه قد يمتلك أدوات تساعده على اكتشافه وتصحيحه والموهوب ليس عبقريا لمجرد أنه مختلف لكنه يستحق أن يُقيّم بما يقدم لا أن يُدان مسبقا لأنه لم يمر من الباب الذي اعتاد الآخرون المرور منه.
ثامنا،إلى سوسن معالج ومحمود البارودي وإلى كل من يخوض هذا النقاش
إن القيمة الحقيقية لأي موقف دفاعي في مثل هذه القضايا لا تكمن في انتصار شخص على آخر ولا في تحويل النقاش إلى معركة أسماء بل في توسيع مساحة السؤال العام ما الشروط التي تجعل الإنسان مؤهلا للظهور الإعلامي أو ممارسة العمل الفني؟ وما الحدود الفاصلة بين حق المهنة في حماية معاييرها وحق المجتمع في الاستفادة من المواهب المتنوعة؟
إذا كانت سوسن معالج قد أثارت هذه المسألة دفاعا عن حق الموهبة والتجربة في الحضور فإن أفضل ما يمكن أن ينتج عن النقاش هو الانتقال من تبادل الاتهامات إلى اختبار الحجج فلا ينبغي أن يصبح الدفاع عن الموهبة حربا على أصحاب التكوين كما لا ينبغي أن يصبح الدفاع عن الأكاديمية وسيلة لإسكات كل صوت خارج أسوارها.
أما محمود البارودي أو أي اسم آخر يجد نفسه موضع جدل من هذا النوع فلا ينبغي أن يكون معيار الحكم عليه مجرد مؤيديه أو معارضيه بل طبيعة ما يقدمه ومدى التزامه بالمسؤولية المهنية وقدرته على تطوير أدواته ومواجهة النقد.
فالناس لا يحتاجون إلى حرب بين خريجي المعاهد والعصاميين ولا إلى تصنيف المجتمع بين أصحاب شهادات وأصحاب مواهب.
إنهم يحتاجون إلى إعلام يثقون به وفن يضيف إلى وجدانهم ومؤسسات لا تخاف من التجديد ومنافسة لا تُحسم بالوشاية أو الإقصاء أو الادعاءات الفارغة.
في نهاية المطاف لا أحد مطالب بإهانة الشهادات ولا بإحراق المعاهد ولا بتحويل العصامية إلى دين جديد بل يجب أن نضع كل شيء في حجمه الحقيقي.
الشهادة دليل على تكوين لا صك ملكية للمهنة والموهبة قدرة تحتاج إلى صقل لا تفويض مفتوحا للاستغناء عن المعايير. والخبرة رصيد لا يُقاس بالسنوات وحدها بل بما تنتجه من معرفة ومهارة وحسن تقدير. أما المؤسسة فقيمتها في قدرتها على إعداد الكفاءات وتطويرها لا في قدرتها على منع الآخرين من الاقتراب.
من يثق في تكوينه لا يحتاج إلى إلغاء المنافس ومن يثق في موهبته لا يخاف من التعلم ومن يحترم الجمهور لا يستخف بقدرته على التمييز.
فلنكفّ عن السؤال الكسول من أين تخرّجت؟ ولنطرح السؤال الأكثر صعوبة ماذا تعرف؟ ماذا تستطيع أن تفعل؟ ما الذي أضفته؟ وكيف تثبت صحة ما تقول؟.
فالتاريخ لا يمنح الجوائز لمجرد امتلاك الأوراق والحياة لا تتوقف عند أبواب المعاهد والمجتمع لا يتقدم عندما يتحول كل تخصص إلى قلعة مغلقة.
الشهادة لا تصنع عقلا بمفردها والموهبة لا تصنع مشروعا بمفردها لكن العقل الذي يتعلم والموهبة التي تجتهد والخبرة التي تخضع للنقد هي التي تصنع الفرق.
أما الذين يريدون احتكار المنابر باسم الأكاديمية فليتذكروا أن قيمة المنبر لا تأتي من هوية من يقف خلفه بل من صدق ما يُقال فوقه وجودة ما يُقدّم عبره والمسؤولية التي يتحملها صاحبه تجاه الناس.
لا تحاكموا الإنسان لأنه جاء من خارج أسواركم بل حاكموا ما يقدمه ولا تمنحوه صكّ العبقرية لأنه موهوب بل اختبروا موهبته ففي الحالتين وحدها الحجة هي التي يجب أن تتكلم لا الغرور المهني ولا عبادة الشهادات.
عماد عيساوي
في الموهبة والأكاديمية واحتكار المنابر: من يملك حق الكلام، ومن نصّب نفسه حارسًا على أبواب الإبداع؟
2026-10-14
75 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال