بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

طغاة الميكروب و رأس المال

2026-10-13 95 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ليست كل الحروب التي تخسرها الشعوب تبدأ بصوت المدافع وليست كل عمليات الاستيلاء على الثروات تحتاج إلى جيوش تعبر الحدود. ثمة حروب أكثر هدوءا لا ترفع راياتها فوق القلاع بل تتسلل عبر الموانئ والمشاتل والأسواق والعقود وتترك وراءها أرضا منهكة وفلاحا مثقلا بالديون واقتصادا أكثر ارتهانا إلى الخارج.
وحين تنكشف النتائج يكون من الصعب التمييز بين ما صنعته الطبيعة وما راكمته أخطاء السياسات وما قد يكون نتاج إهمال أو تلاعب أو استغلال تجاري.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلق تونس ليس هل توجد مؤامرة؟ بل هل تملك الدولة من العلم والرقابة والشفافية ما يكفي لإثبات الخطر قبل استفحاله وتحديد المسؤولية قبل ضياع المحصول ومنع تحويل الكارثة الفلاحية إلى فرصة للاغتناء على حساب المنتج الوطني؟

هنا تبدأ القضية الحقيقية وهنا ينبغي أن تتوقف المجاملات.

إن الأرض التونسية ليست مجرد مساحة قابلة للزراعة والزيتونة ليست مجرد شجرة في سجل إحصائي والتين الشوكي ليس نباتا هامشيا على أطراف الطرقات.
إنها جميعا أجزاء من منظومة اقتصادية واجتماعية وتاريخية صنعت قدرة التونسي على العيش في بيئة محدودة الموارد ومقاومة الجفاف وإنتاج الثروة والمحافظة على صلته بأرضه.
وإذا كانت هناك معركة على السيادة الغذائية فإنها لا تخاض بالشعارات ولا باتهام الدول بالجملة بل بحماية البذور والأصول الوراثية وضبط حركة الشتلات ومراقبة الواردات وإعادة بناء البحث الزراعي ومحاسبة كل مسؤول يثبت تقصيره. أما تحويل الشك إلى حقيقة من دون أدلة فليس دفاعا عن الوطن بل إنه إضعاف للمعركة التي يفترض أن نخوضها باسمه.
تونس بلد يعرف قيمة الزيتون منذ قرون، من سهول الساحل إلى صفاقس ومن الشمال إلى الوسط لم تكن الزيتونة مجرد مصدر للزيت بل كانت ادخارا عائليا وضمانا اجتماعيا ورصيدا ينتقل من جيل إلى جيل. وقد احتفظت أصناف محلية من بينها الشملالي والشطوي بمكانتها بفضل تكيفها مع ظروف بيئية متباينة.
غير أن هذه الثروة تواجه تحديات متراكبة كالجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية وكلفة الإنتاج واضطراب الأسواق والأمراض النباتية والضغط على المردودية. وأمام هذا الواقع لا يجوز أن تبقى حماية الأشجار المثمرة مسألة ثانوية في سلم الأولويات الوطنية.

خذوا مثال سل الزيتون الذي تسببه البكتيريا Pseudomonas savastanoi pv. savastanoi.
إنها ممرضة نباتية معروفة تظهر أعراضها عادة في شكل أورام وتدرنات على الأغصان والأفرع وقد تؤثر في حيوية الشجرة وإنتاجها بحسب شدة الإصابة والظروف المحيطة بها. وتساعد الجروح الناتجة عن التقليم والجني إلى جانب الرطوبة والأمطار في ظروف مناسبة على انتقال العدوى وانتشارها.
هذه ليست قصة غامضة تحتاج إلى أساطير كي نفهم خطورتها. إنها مشكلة زراعية حقيقية تستوجب التشخيص المخبري والمراقبة الميدانية وتطهير أدوات التقليم واستعمال مواد إكثار سليمة وتجنب نقل الأغصان المصابة بين الضيعات.
لكن السؤال السيادي يظل قائما هل تملك تونس قاعدة بيانات وطنية محينة تحدد مواقع الإصابة وحجم انتشارها والخسائر المرتبطة بها ومصادر مواد الإكثار التي استعملت في المناطق المتضررة؟ وهل يستطيع المواطن الاطلاع على نتائج التحاليل وخطط التدخل وتقييماتها؟
إذا كانت الإجابة بالنفي فهذه ثغرة في إدارة المخاطر ينبغي سدها فورا وإذا كانت الإجابة بالإيجاب فلماذا لا تتحول المعطيات إلى سياسة وطنية معلنة بأهداف وآجال ومؤشرات قياس.
إن الخطر الذي لا تقيسه الدولة لا تستطيع السيطرة عليه والمرض الذي لا تحدد خريطته يتحول إلى أزمة مفتوحة على التخمين والارتباك.
شهدت تونس خلال السنوات الماضية مشكلات صحية نباتية أصابت قطاعات زراعية مختلفة ومن بينها اللفحة النارية التي تسببها البكتيريا Erwinia amylovora والحشرة القرمزية التي تصيب التين الشوكي وتعرف علميا باسم Dactylopius opuntiae.
لكل آفة تاريخها البيولوجي وطرق انتقالها ومناطق انتشارها،
وآثارها الاقتصادية ولا يجوز جمعها في ملف واحد لمجرد أنها أصابت الفلاحة التونسية ثم استنتاج وجود جهة واحدة تقف وراءها. لكن من المشروع بل من الضروري أن نسأل لماذا لم تكن الوقاية أكثر فاعلية وهل جرى اكتشاف الإصابات في الوقت المناسب وهل كانت آليات الحجر الزراعي والإرشاد الفلاحي والمكافحة الميدانية كافية؟
التين الشوكي ليس مجرد غلة موسمية بل مورد غذائي وعلفي وحاجز طبيعي في بعض المناطق ضد انجراف التربة ومصدر دخل للأسر الريفية ومادة أولية لصناعات غذائية وتجميلية وعندما تتضرر مساحات منه لا يخسر الفلاح ثمرة فحسب بل يخسر موردا تتداخل فيه الأرض والعمل والأسرة والسوق.
أما اللفحة النارية فإنها قادرة على إلحاق أضرار بالغة بأشجار من فصيلة الورديات ولا سيما الإجاص والتفاح. غير أن تقدير حجم الضرر في تونس وعدد الأشجار التي اقتلعت والمساحات التي تضررت ومدى تأثير ذلك في الأسعار يحتاج إلى أرقام موثقة لا إلى تقديرات تُلقى في الخطاب العام.

وهنا تقع مسؤولية وزارة الفلاحة والمؤسسات البحثية بنشر التسلسل الزمني لكل إصابة مؤكدة وبيان مصدر المعلومات وتحديد المساحات المتضررة وكلفة المكافحة والتعويضات والتغيرات في الإنتاج والأسعار.
فإذا أثبتت البيانات أن التأخر في التدخل ضاعف الخسائر وجبت المساءلة. وإذا كشفت عن ضعف الرقابة على شتلات مستوردة وجب تحديد المسار التجاري والمسؤوليات القانونية. وإذا تبين أن الظروف المناخية أو حركة التجارة أو عوامل أخرى أسهمت في انتشار المرض وجب توضيح ذلك للرأي العام.
أما أن تترك الأرقام غائبة ثم يُطلب من الناس الاختيار بين تصديق المصادفة وتصديق المؤامرة فذلك فراغ معرفي لا يليق بدولة تريد حماية أمنها الغذائي.

ثمة حقيقة اقتصادية ينبغي ألا تغيب عن صانع القرار التونسي.يمكن لبلد أن يحتفظ بأرضه تحت سيادته القانونية لكنه يفقد تدريجيا جزءا من استقلاله الإنتاجي إذا أصبح عاجزا عن توفير مواد إكثاره أو مضطرا إلى شراء مدخلات أساسية من عدد محدود من الموردين أو رهينة لتقنيات وحقوق ملكية ومعايير إنتاج لا يملك تطوير بدائل لها.
وهنا يلتقي الأمن الزراعي بالاقتصاد السياسي.

فمن يملك المادة الوراثية يمتلك موردا استراتيجيا ومن يسيطر على المشاتل وتقنيات الإكثار وسلاسل التوزيع يستطيع التأثير في كلفة الإنتاج وخيارات الفلاح ومن يملك المعرفة المخبرية والقدرة على تشخيص الأمراض يملك أفضلية في إدارة المخاطر أما الدولة التي تهمل البحث والتطوير فقد تجد نفسها مضطرة إلى استيراد الحلول التي كان بإمكانها إنتاجها محليا.
لكن لا بد من التمييز بين الاعتماد التجاري وبين الاستهداف المتعمد فاستيراد شتلات من إسبانيا أو إيطاليا في حد ذاته لا يثبت وجود مخطط ضد تونس. كما أن الصنف الأجنبي ليس بالضرورة أقل جودة من الصنف المحلي ولا الصنف المحلي محصنا تلقائيا ضد الأمراض.

المعيار الصحيح هو الملاءمة البيئية والحالة الصحية للمواد النباتية واستهلاك المياه والمردودية على المدى الطويل وكلفة المدخلات وقدرة المنظومة الزراعية على الصمود.

إن أصنافا مثل أربيكينا وأربوسانا المستعملة في بعض أنظمة الزراعة المكثفة قد تكون مناسبة لأهداف إنتاجية محددة لكنها ليست وصفة سحرية تصلح لكل أرض تونسية.
والزراعة المكثفة ليست مرادفا تلقائيا للفساد أو الخيانة مثلما أن الزراعة التقليدية ليست ضمانا مطلقا للنجاح.

السؤال الذي يستحق التحقيق هو هل تُمنح الحوافز العمومية على أساس دراسة علمية مستقلة أم تحت ضغط المصالح التجارية؟ وهل تخضع المشاريع لتقييم مائي وبيئي وصحي قبل تمويلها؟ وهل تتوازن الاستثمارات الجديدة مع حماية الأصناف المحلية وتطويرها؟
إذا ثبت أن المال العام يوجه إلى مشاريع لا تراعي ندرة المياه أو المخاطر الصحية أو المصلحة الوطنية طويلة الأجل فالمطلوب مراجعة تلك السياسات ومحاسبة المسؤولين عنها لا الاكتفاء بإلقاء اللوم على بلد المنشأ.
فمن يحمي الجين التونسي؟
لا توجد سيادة زراعية حقيقية من دون بنك وطني فعال للأصول الوراثية وبرامج إكثار معتمدة وحقول مرجعية تحفظ التنوع المحلي ومخابر قادرة على فحص المواد النباتية واتفاقات بحثية تضمن نقل المعرفة وبناء القدرات داخل تونس.
ينبغي أن تكون الأصناف المحلية ومنها الشملالي والشطوي موضوع برامج علمية متواصلة لتحسين الجودة والمردودية ومقاومة الإجهادات البيئية مع الحفاظ على خصائصها الوراثية والتجارية. وينبغي ألا يترك إكثارها رهينة مبادرات متفرقة أو مشاتل لا تخضع لنظام صارم للتتبع والمراقبة.

كما يجب أن تتوافر للفلاح التونسي خيارات متعددة من مواد الإكثار السليمة وأن يحصل على المعلومة الفنية قبل الاستثمار وأن يعرف استهلاك الصنف المائي المتوقع وحاجته إلى التقليم والمعالجة ومخاطره الصحية ومردوديته المحتملة في منطقته.
ليس المطلوب منع كل شتلة أجنبية بل منع دخول أي مادة نباتية مخالفة لشروط الصحة النباتية وإخضاع الأصناف الجديدة لتقييم ملائم للمناخ والتربة والمياه وتجنب ترك مستقبل قطاع استراتيجي رهينة مورد واحد أو تقنية واحدة.
والدولة التي لا تستثمر في علم الوراثة النباتية والإكثار النظيف والتشخيص الجزيئي والبحث التطبيقي ستظل تدفع ثمن اعتمادها على الآخرين حتى إن لم يكن أحد يتآمر عليها.

ماذا عن زيليلا؟ حين يجب ألا نخلط بين الخطر والواقع

تُعد بكتيريا Xylella fastidiosa من الممرضات النباتية الخطيرة التي أصابت قطاعات زراعية في بلدان مختلفة ومن بينها مناطق في جنوب إيطاليا حيث ارتبطت بأضرار واسعة في أشجار الزيتون.
لكن وجود هذا الخطر في حوض المتوسط لا يعني تلقائيا أن تونس مصابة به ولا يبرر تقديمه على أنه واقع محلي من دون نتائج مخبرية رسمية.
المطلوب هو اليقظة ومراقبة المواد النباتية التي يمكن أن تنقل الممرض والتشخيص المخبري عند الاشتباه والإعلان السريع عن أي إصابة مؤكدة مع تحديد الإجراءات المتخذة لحصرها فالتأخر في الإعلان عن خطر مثبت قد يضاعف الضرر لكن نشر خبر غير مثبت قد يضر بالفلاحين وبسمعة الزيت التونسي وأسواق تصديره.
الأمن القومي الزراعي لا يحتمل التهوين لكنه لا يحتمل أيضا التهويل فالمعلومة الدقيقة جزء من الدفاع عن الاقتصاد لا قيد عليه.
فأين تنتهي المنافسة التجارية وتبدأ الجريمة؟

هذه هي المسألة التي ينبغي أن تُطرح على أجهزة الرقابة والبحث والقضاء لا أن تُحسم في المقالات أو على منصات التواصل.
إذا وُجدت شبهة في إدخال مواد نباتية مصابة فيجب فحص الوثائق الصحية وشهادات المنشأ والتتبع الجمركي ونتائج المختبرات وإذا ظهرت أدلة على تزوير الشهادات أو تجاوز إجراءات الحجر الزراعي أو إخفاء معلومات صحية وجب فتح تحقيق وتحديد المسؤوليات وفق القانون.

وإذا كشفت التحقيقات عن تعمد إدخال آفة أو نشرها فإن الأمر يتجاوز المنافسة التجارية إلى فعل بالغ الخطورة يستوجب المحاسبة أما قبل ظهور الأدلة فلا يجوز اتهام دولة بعينها أو شركة بعينها بارتكاب عمل تخريبي.

لكن الحذر من الاتهام لا يعني منح الحصانة لأحد فكل مستورد وكل مشتل وكل وسيط وكل مسؤول عن الرقابة يجب أن يخضع للقواعد نفسها. لا امتياز للشركات الكبرى ولا استثناء للمشاريع التي تتستر خلف عناوين الاستثمار والتحديث ولا تساهل مع أي تجاوز يثبت أنه ألحق ضررا بالثروة الوطنية.
المنافسة الدولية في الزراعة حقيقة والمصالح التجارية موجودة والتفاوت في القدرة العلمية والتكنولوجية قائم. ومن واجب تونس أن تدافع عن مصالحها داخل هذه البيئة الصعبة غير أن الدفاع الناجح لا يقوم على اختراع خصم خفي بل على بناء مؤسسات قادرة على اكتشاف المخالفات وإثباتها ومواجهتها.
لا نريد مؤتمرا صحفيا آخر ولا لجنة تنتهي مهمتها عند كتابة تقرير ولا وعودا تتكرر كلما ظهرت آفة جديدة.
المطلوب برنامج وطني معلن لحماية الثروة النباتية تتوزع فيه المسؤوليات وتُقاس نتائجه بوضوح.

أولا، إعداد خريطة وطنية رقمية للآفات الزراعية تتضمن مواقع الإصابات المؤكدة وتاريخ اكتشافها وطرق انتقالها المحتملة والمساحات المتضررة ونتائج التحاليل.
وتُنشر البيانات غير الحساسة للرأي العام حتى يعرف الفلاح أين يوجد الخطر وكيف يتعامل معه.
ثانيا، تحديث منظومة الحجر الزراعي في الموانئ والمطارات والمعابر البرية وتوفير مخابر مؤهلة وتقنيات تشخيص ملائمة ويمكن استخدام تقنيات PCR وLAMP بحسب طبيعة الممرض والبروتوكول المعتمد على أن تُدعَم إجراءات الفحص بتقييم المخاطر والتتبع والتدقيق في الشهادات الصحية.
ثالثا، إطلاق برنامج وطني لإكثار الأصناف المحلية ومواد الغراسة المعتمدة صحيا بالشراكة بين مؤسسات البحث والجامعات والمشاتل والفلاحين وينبغي أن يتضمن البرنامج حفظ الأصول الوراثية وتقييم الأصناف في ظروف مناخية مختلفة وإتاحة شتلات سليمة بأسعار معقولة.
رابعا، مراجعة معايير التمويل والحوافز الفلاحية بحيث تأخذ بعين الاعتبار الاستهلاك المائي والجدوى الاقتصادية والمخاطر الصحية والتنوع الوراثي والقدرة على الصمود.
لا ينبغي تمويل أي مشروع لمجرد أنه حديث أو كثيف الإنتاج كما لا ينبغي حرمان مشروع من الدعم لمجرد أنه يستعمل صنفا أجنبيا. الأساس هو المصلحة الوطنية المثبتة بالمعايير العلمية.
خامسا، دعم المكافحة المتكاملة للآفات بما فيها الوسائل البيولوجية حين تثبت فعاليتها وسلامتها في الظروف المحلية فاستعمال الأعداء الحيوية مثل بعض أنواع الدعسوقيات ضد الحشرات القرمزية يجب أن يستند إلى تحديد النوع المناسب وتقييم الأثر البيئي وخطة متابعة تمنع إحداث اختلالات جديدة في المنظومة البيئية.
سادسا، إنشاء آلية لتعويض الفلاحين المتضررين وفق شروط معلنة مع توفير الإرشاد الفني ومساعدتهم على إعادة الغراسة واستعادة القدرة الإنتاجية فلا معنى للحديث عن الأمن الغذائي إذا تُرك الفلاح وحده يتحمل كلفة خسارة لم يكن قادرا على منعها.
سابعا، إخضاع السياسة الزراعية لتقييم مستقل سنوي يشارك فيه خبراء جامعيون ومهندسون زراعيون وممثلون عن الفلاحين مع نشر مؤشرات قابلة للتحقق عن سرعة اكتشاف الآفات وفعالية المكافحة وحجم الخسائر ونسبة مواد الإكثار المحلية السليمة وكلفة التدخل العمومي.

ثامنا، وضع ملف صحة النبات على جدول أعمال التنسيق الوطني للأمن الغذائي وإشراك المؤسسات المختصة في حماية الحدود والمخابر والبحث العلمي عند الحاجة.
أما استدعاء الجيش أو غيره من مؤسسات الدولة فيجب أن يكون وفق اختصاصات واضحة وعند وجود ضرورة فعلية لا بديلا عن مسؤولية الإدارة الزراعية والمخابر والرقابة المدنية.
فمن يدفع ثمن الصمت؟
يدفعه الفلاح الذي يقتلع أشجاره بعد سنوات من الانتظار. وتدفعه الأسرة التي تتراجع مداخيلها ويدفعه العامل الذي يفقد فرصة عمل موسمية ويدفعه الاقتصاد الذي يحتاج إلى العملة الصعبة لاستيراد ما كان قادرا على إنتاجه ويدفعه المستهلك حين ترتفع الأسعار وتتقلص الخيارات.

ثم تأتي الخسارة الأعمق بتراجع الثقة في المؤسسات.
فعندما لا يجد الفلاح بيانات واضحة ولا خطة معلنة ولا تعويضا عادلا ولا جهة تتحمل مسؤولية الإخفاق يبدأ البحث عن تفسير خارج الوقائع المتاحة.
وهنا تتكاثر الروايات وتختلط المخاوف المشروعة بالاتهامات غير المثبتة.
لهذا فإن الشفافية ليست ترفا إداريا بل خط دفاع عن المجتمع وعن الدولة نفسها.
على وزارة الفلاحة أن تنشر ما تعرفه وأن تعترف بما لا تعرفه وأن تحدد ما ستفعله ومتى ستفعله.
وعلى المؤسسات الرقابية أن تكشف أي إخلال يثبت لديها. وعلى مراكز البحث أن تخرج من عزلة الأوراق العلمية إلى الحقول حيث ينتظر الفلاح حلولا قابلة للتطبيق لا مصطلحات بعيدة عن معاناته.
وعلى المستثمرين محليين وأجانب أن يفهموا أن الاستثمار في الأرض التونسية ليس ترخيصا باستنزاف مواردها بل التزام بقوانينها ومياهها وتنوعها البيولوجي ومصلحة مجتمعها.
ليست السيادة أن نرفع شعار الاكتفاء الذاتي ثم نعجز عن توفير شتلة سليمة وليست السيادة أن نتحدث عن المؤامرات بينما تظل المخابر ضعيفة والبيانات مشتتة والبحث العلمي مهمشا والفلاح بلا حماية وليست السيادة أن نغلق أبوابنا أمام العالم بل أن نفتحها بشروطنا ونستورد ما نحتاج إليه من دون أن نتنازل عن قدرتنا على الاختيار والإنتاج.

تونس لا تحتاج إلى عدو متخيل كي تدرك قيمة أرضها ولا تحتاج إلى إثبات مؤامرة دولية حتى تراجع سياساتها الزراعية. يكفي أن تعرف أن كل آفة لا تُكتشف مبكرا وكل شتلة لا تخضع للفحص وكل مورد وراثي يُهمل وكل مشروع يُموّل من دون تقييم مائي وصحي قد يتحول إلى فاتورة يدفعها الفلاح والوطن معا.
وإذا أثبت التحقيق وجود تخريب متعمد فلتكن المحاسبة حازمة ومبنية على الأدلة وإذا كشف عن إهمال أو سوء إدارة فلا حصانة للمقصر وإذا كان السبب مناخيا أو بيولوجيا أو تجاريا، فلتواجهه الدولة بالعلم والتمويل والتخطيط لا بالتبرير والاستسلام.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لتونس ليس أن تمرض شجرة بل أن تمرض مؤسسات الوقاية وأن يصاب البحث العلمي بالعجز وأن تتحول خسارة الفلاح إلى خبر عابر وأن يصبح الدفاع عن الأرض مجرد خطاب لا يغير شيئا في الواقع.

فالزيتونة التي تُترك بلا حماية ليست مجرد شجرة مهددة
إنها إنذار مبكر بأن السيادة تحتاج إلى عمل يومي ومؤسسات يقظة وميزانية واضحة وعلم مستقل ومحاسبة لا تستثني أحدا.
والسؤال الذي يجب أن يواجه به التونسيون مؤسساتهم اليوم ليس من نتهم أولا؟
بل من يحمي أرضنا فعلا ومن يقيس الخسائر ومن يكشف الحقيقة ومن يتحمل المسؤولية عندما يفشل؟
تلك هي المعركة التي تستحق أن تُخاض باسم تونس وتلك هي السيادة التي لا يجوز التفريط فيها.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال