بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من طوفان الأقصى إلى طوفان الوعي والعدالة: هل بدأت مجموعات الضغط الإسرائيلية تفقد احتكار الرواية الدولية؟

2026-10-13 70 قراءة مقالات رأي صدقي الزهدي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
لم تعد تداعيات طوفان الأقصى محصورة في الميدان العسكري والأمني، بل امتدت إلى ساحة أوسع تتصارع فيها الروايات والشرعيات، وتتقاطع فيها السياسة مع القانون الدولي والرأي العام العالمي. وفي هذا السياق، يكتسب فوز القاضية الجنوب إفريقية السابقة نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 ، دلالة تتجاوز تكريم مسيرتها الحقوقية، ليطرح سؤالاً جوهرياً: هل بدأت إسرائيل تواجه تراجعاً في قدرتها على احتواء الانتقادات الدولية، وهل يشير ذلك إلى تصدّع نفوذ مجموعات الضغط المؤيدة لها؟

لا تكمن أهمية الحدث في الجائزة وحدها، بل في السياق الذي جاءت فيه؛ إذ يرتبط اسم بيلاي بالتحقيقات الأممية بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، في وقت تتصاعد فيه المطالبات بمساءلة إسرائيل عن أفعالها في غزة، وتتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. ومن ثم، فإن تكريم شخصية حقوقية في هذا السياق يمكن قراءته بوصفه مؤشراً رمزياً على اتساع مساحة المساءلة .

من الصدمة العسكرية إلى أزمة الشرعية

شكّل طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 صدمة استراتيجية وأمنية لإسرائيل، لكنه أطلق أيضاً تحولات تجاوزت حدود المواجهة العسكرية. فقد أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، وفتح نقاشاً واسعاً حول جذور الصراع، وحقوق الفلسطينيين، وحدود استخدام القوة، والمسؤولية عن حماية المدنيين.

ومع اتساع الحرب على غزة وما خلّفته من دمار ومعاناة إنسانية، أصبحت السياسات الإسرائيلية موضع مساءلة متزايدة في الأوساط الحقوقية والجامعية والإعلامية، وكذلك لدى قطاعات من الرأي العام الغربي. ولم تعد الرواية الرسمية الإسرائيلية قادرة على احتكار تفسير الأحداث بالفاعلية نفسها، في ظل انتشار المعلومات وتعدد مصادر التغطية والتحليل، واتساع دور المنظمات الحقوقية والمؤسسات الدولية.
وهنا يتحدد التحول الأهم: لم يعد التحدي الإسرائيلي مقتصراً على إدارة الحرب وتحقيق أهدافها العسكرية، بل أصبح يشمل الحفاظ على شرعية السياسات الإسرائيلية أمام عالم تتعدد فيه مصادر المعرفة، وتتزايد فيه المطالبات بإخضاع القوة للقانون.
وقد تجلى هذا التحول في لجوء جنوب إفريقيا إلى محكمة العدل الدولية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وأصبحت الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل موضوعاً لإجراءات قضائية دولية، بما نقل جانباً من الصراع إلى ميدان قانوني لا تحسمه التحالفات السياسية وحدها.

نافي بيلاي ومعركة القانون الدولي

تستمد نافي بيلاي أهميتها من مسيرتها في القضاء الدولي والدفاع عن حقوق الإنسان، ومن ارتباط اسمها بالتحقيقات الأممية المتعلقة بالانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويكتسب تكريم شخصية ترتبط بهذا الملف دلالة خاصة في ظل الخلاف الحاد حول مسؤولية إسرائيل عن الحرب على غزة. فمن وجهة النظر الإسرائيلية، تمثل الاتهامات الموجهة إليها تشكيكاً في شرعية سياساتها ومصداقية مؤسساتها. وفي المقابل، يرى المدافعون عن المساءلة الدولية أن التحقيق في الانتهاكات المحتملة ضرورة قانونية لا ينبغي أن تتوقف على هوية الدولة أو وزنها السياسي.
وبهذا المعنى، لا يتعلق الصراع بمجرد اختلاف في التقديرات السياسية، بل بمن يملك تحديد معايير المسؤولية، وكيفية تطبيقها، وما إذا كانت الدول القوية تخضع للقواعد نفسها التي تُفرض على غيرها.

وإذا كان تكريم بيلاي يعكس اعترافاً رمزياً بأهمية مسيرتها، فإن أثره السياسي يتوقف على ما إذا كان سيسهم في تعزيز استقلال المؤسسات الدولية وتحويل المطالب الحقوقية إلى إجراءات عملية، لا على ما يثيره من مواقف مؤيدة أو معارضة فحسب.

هل تتراجع قدرة مجموعات الضغط الإسرائيلية؟

ظلت مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل أحد مكونات البيئة السياسية المؤثرة في عدد من الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، حيث تتداخل مصالح استراتيجية وعلاقات عسكرية وحسابات انتخابية وشبكات ضغط متعددة.
و ما يمكن رصده بصورة أكثر دقة هو أن بيئة التأثير أصبحت أكثر تعقيداً. فقد اتسعت الفجوة، في بعض المجتمعات، بين مواقف الحكومات وتوجهات قطاعات من المواطنين، وخصوصاً بين الشباب وفي الأوساط الجامعية والحقوقية. وأصبح الدفاع عن السياسات الإسرائيلية يواجه أسئلة متزايدة بشأن الكلفة الإنسانية للحرب، واحترام القانون الدولي، وحدود الدعم السياسي والعسكري.
من هنا، يمكن اعتبار الجدل المحيط بتكريم بيلاي نكسة رمزية محتملة لمحاولات احتواء المساءلة الدولية، لا دليلاً حاسماً على انهيار سريع لنفوذ مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

فالخسارة الأعمق التي قد تواجه هذه المجموعات ليست بالضرورة فقدان القدرة على التأثير في قرار سياسي محدد، بل تراجع قدرتها على منع الانتقادات من اكتساب شرعية عامة، أو على تحويل النفوذ السياسي إلى قبول أخلاقي واسع.

وهذه نقطة مهمة؛ إذ قد تحتفظ إسرائيل بتحالفاتها وقدراتها العسكرية، بينما تتراجع قدرتها على إقناع قطاعات متزايدة من العالم بشرعية سياساتها. وإذا تحول هذا التراجع في القبول إلى ضغوط دبلوماسية وقانونية ومؤسسية متراكمة، فقد ينعكس تدريجياً على حسابات الحلفاء وعلى هامش الحركة السياسية المتاح لإسرائيل.

من طوفان الأقصى إلى طوفان الوعي والعدالة

يمكن فهم هذه التحولات باعتبارها امتداداً سياسياً وأخلاقياً لطوفان الأقصى، من خلال مفهوم «طوفان الوعي والعدالة»؛ أي انتقال جزء من الصراع من المواجهة العسكرية إلى المعركة على الرواية والشرعية والمساءلة.

فطوفان الأقصى أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، بينما أطلقت الحرب على غزة نقاشاً أوسع حول المسؤولية القانونية والأخلاقية، ومصداقية النظام الدولي، وحدود ازدواجية المعايير. وأصبح الصراع يتجاوز السيطرة على الأرض إلى التنافس على تحديد معنى ما يجري، وتقييم مشروعيته، وتعيين المسؤوليات المترتبة عليه.

لكن الوعي لا يتحول تلقائياً إلى قوة سياسية، كما أن التضامن الشعبي لا يضمن تغيير سياسات الحكومات. لذلك، فإن نجاح هذا الطوفان لا يُقاس بحجم الاحتجاجات أو عدد المواقف الرمزية وحدها، بل بقدرته على الانتقال من التعاطف إلى التأثير، ومن الإدانة إلى المساءلة، ومن المطالب الأخلاقية إلى السياسات والمؤسسات.

وهنا تبرز العلاقة بين جغرافيا الحرب وجغرافيا الوعي والعمران. فجغرافيا الحرب تقوم على السيطرة على الأرض وامتلاك أدوات الردع والقوة المادية، بينما تتعلق جغرافيا الوعي بالقدرة على تشكيل التصورات العامة عن الحق والشرعية والمسؤولية. أما العمران فيمثل انتقال هذا الوعي إلى بنى مؤسسية وسياسية قادرة على إنتاج تغيير مستدام.

ولا تلغي هذه المقاربة أهمية القوة العسكرية، لكنها تكشف أن التفوق الميداني لا يضمن وحده تحقيق الأهداف السياسية أو المحافظة على الشرعية الدولية. فقد تستطيع دولة فرض وقائع على الأرض، لكنها تواجه في الوقت نفسه كلفة متزايدة على صورتها وعلاقاتها الدولية، خصوصاً عندما تتراكم التحقيقات الحقوقية والضغوط الشعبية والقانونية.

ومن ثم، فإن معركة الوعي لا تصبح مؤثرة استراتيجياً إلا عندما تتحول إلى قوة منظمة قادرة على التأثير في القرارات، وتعزيز استقلال القضاء الدولي، وضمان احترام القانون، والحد من الإفلات من العقاب.

اختبار القوة والشرعية

تكشف تداعيات طوفان الأقصى والحرب على غزة عن تحول في طبيعة الصراع، انتقل فيه التحدي من زعزعة صورة التفوق الأمني الإسرائيلي إلى اختبار شرعية السياسات الإسرائيلية أمام الرأي العام والمؤسسات الدولية. وفي هذا السياق، يمكن قراءة تكريم نافي بيلاي، وفق التقارير المشار إليها، بوصفه محطة رمزية في معركة المساءلة الدولية، لا دليلاً منفرداً على انهيار نفوذ مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

إن الرهان الحقيقي يتمثل في مدى قدرة التحولات في الوعي العالمي على تقييد الإفلات من العقاب، والتأثير في مواقف الحكومات، وتحويل المبادئ القانونية إلى ممارسة فعلية. فالتحدي الذي تواجهه مجموعات الضغط ليس بالضرورة فقدان نفوذها السياسي دفعة واحدة، وإنما احتمال تراجع قدرتها على احتكار الرواية ومنع النقد من التحول إلى ضغوط مؤسسية.

وعليه، فإن «طوفان الوعي والعدالة» يمثل امتداداً سياسياً وأخلاقياً لطوفان الأقصى، بقدر ما ينقل الصراع من حدود القوة المادية إلى فضاء الشرعية والمساءلة. غير أن نجاحه يظل مرهوناً بقدرته على تحويل التضامن إلى فعل مؤسسي، والوعي إلى سياسات، والقانون إلى آليات نافذة لا تخضع لموازين القوة وحدها.

فالمعركة الأعمق ليست معركة استبدال رواية بأخرى، بل معركة إنهاء احتكار الرواية، وإرساء مبدأ أن القوة لا تمنح حصانة من المساءلة، وأن القانون الدولي لا يكتسب مصداقيته إلا عندما يُطبّق على الجميع دون استثناء.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال