بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين يصبح الإنتظار هوية و الوظيفة العمومية عقيدة سياسية.

2026-10-09 62 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
في تونس لم نعد نكتفي بإنتاج البطالة فصرنا ننتج لها التسميات والهياكل والتنسيقيات والاتحادات والملفات وأشكال الاحتجاج.
لكل فئة بطالتها الخاصة ولكل شهادة مظلوميتها الخاصة ولكل مجموعة حكايتها التي تجعلها الأحق من غيرها بالجلوس على كرسي لم يُخلق أصلا أو بخطة قد لا تحتاج إليها أي مؤسسة.

اتحاد للمعطلين الذين طالت بطالتهم وتنسيقيات لحاملي الشهادات العليا وأخرى لخريجي التكوين المهني وأخرى لخريجي الرياضة ومجموعات لمن سبق لهم العمل في خطط وظيفية وغدا ربما نحتاج إلى تنسيقية للذين انتظروا التنسيقيات واتحاد للذين لم يجدوا مقعدا داخل الاتحادات.

إنها العبقرية التونسية في إدارة العجز.فحين نعجز عن خلق العمل نخلق هيئة للمطالبة به وحين تتعطل ماكينة الإنتاج نشغّل ماكينة التسميات وحين يضيق الاقتصاد عن استيعاب أبنائه نوسّع قائمة الفئات التي تنتظر من الدولة أن تتكفل بمصيرها.
لكنني لا أؤمن أصلا باختزال الإنسان في صفة معطّل عن العمل فالإنسان ليس عطبا إداريا والشاب ليس قطعة غيار تنتظر أن تجد مكانها في جهاز الدولة.
قد يكون عاطلا عن الأجر لكنه قادر على الإنتاج وقد يكون حاملا لشهادة لا يحتاجها السوق لكنه يمتلك قدرة على التعلم والابتكار وقد يكون خريج جامعة لكنه لم يتلق التكوين الذي يسمح له بتحويل معارفه إلى قيمة اقتصادية. هذه هي المشكلة التي يجب أن نواجهها لا أن ندفنها تحت ركام التصنيفات.

ومع ذلك يجب الاعتراف بالحقيقة المرة ،لقد تحول جزء من النقاش الاجتماعي إلى منافسة في إثبات من يستحق أن تنتدبه الدولة أولا و لم يعد السؤال دائما كيف نخلق عملا؟
بل أصبح لماذا انتدبوا هؤلاء ولم ينتدبونا؟ ولماذا أُعطي الاستثناء لهذه الفئة دون تلك؟ وكم سنة يجب أن أنتظر حتى أحصل على حقي في خطة عمومية؟

وهنا تحديدا تبدأ الكارثة حين يتحول العدل من قاعدة عامة إلى معركة بين أصحاب الملفات وحين تصبح المساواة في نظر الجميع أن يحصل كل طرف على استثنائه الخاص.

من أقنعنا بأن العمل لا يكون عملا إلا إذا دفعت الدولة أجره؟

هذه هي المسألة التي لا يريد كثيرون الاقتراب منها لأنها تضرب في عمق ثقافة اجتماعية ترسخت لعقود أن الوظيفة العمومية هي الأمان وما عداها مغامرة و الوظيفة العمومية هي الاستقرار وما عداها هشاشة و الوظيفة العمومية هي الاعتراف الاجتماعي وما عداها مرتبة أدنى في سلم المكانة.

أصبح الانتداب في المخيال الاجتماعي التونسي أشبه بصك عبور إلى الحياة الكريمة. لا يكفي أن تتعلم بل يجب أن تنتدب ولا يكفي أن تنتج بل يجب أن تحصل على وضعية إدارية ولا يكفي أن تعمل بل ينبغي أن يكون العمل مضمونا بقوة الأجر القار والتغطية الاجتماعية والاستقرار الوظيفي.

ومن صنع هذه الثقافة؟
ليست الأسرة وحدها ولا الشباب وحدهم ولا الدولة وحدها. إنها حصيلة تاريخ طويل من ضعف الاستثمار المنتج وتفاوت التنمية بين الجهات واختلال التوجيه الجامعي و هشاشة جزء من القطاع الخاص وتعقيد المبادرة الاقتصادية و وعود سياسية جعلت الانتداب في مناسبات كثيرة بديلا عن الإصلاح.

حين لا يثق المواطن في استقرار المؤسسة الخاصة وحين يرى مشروعه الصغير محاصرا بالإجراءات والتمويل وحين لا يجد في منطقته سوقا قادرة على استيعاب اختصاصه يصبح التعلق بالوظيفة العمومية خيارا مفهوما.
لكن ما يكون مفهوما على المستوى الفردي قد يصبح مدمرا حين يتحول إلى النموذج الوحيد الذي يحلم به المجتمع.

لا يمكن لاقتصاد محدود الإنتاج أن يمنح الجميع نمط العيش الذي تعدهم به الوظيفة العمومية ولا يمكن لدولة مثقلة بالتزاماتها أن تعوض إلى الأبد غياب اقتصاد قادر على خلق الثروة فمن أين ستأتي الأجور؟ ومن سيمول الصناديق الاجتماعية؟
ومن سيدفع الضرائب التي تمول المدارس والمستشفيات والنقل والطرقات؟ هل سنخلق الثروة أولا أم سنوزع مسبقا ثروة لم ننتجها بعد؟

هذه ليست دعوة إلى التخلي عن الوظيفة العمومية بل إلى تحريرها من عبء لم تُخلق لتحمله بأن تكون علاجا شاملا لكل اختلالات الاقتصاد والمجتمع.
هل تحولت تونس إلى دولة اشتراكية؟ أم إلى دولة توزع الأجور وتستورد شروط إنتاجها؟

إذا كان معنى الاشتراكية أن تكون للدولة مسؤولية في ضمان الخدمات الأساسية والعدالة الاجتماعية فذلك نقاش مشروع. أما إذا كان المقصود أن تتحول الدولة إلى رب عمل افتراضي لكل من لم يجد وظيفة فنحن لا نتحدث عن اشتراكية اقتصادية متكاملة بل عن نموذج مشوه يجمع بين محدودية الإنتاج وضخامة التوقعات الاجتماعية.

الدولة التي تريد أن توظف الجميع مطالبة بأن تمتلك اقتصادا قادرا على تمويل ذلك أو أن تقدم خدمات عامة ذات قيمة اجتماعية تبرر حجم مواردها البشرية أما أن تتوسع المطالب بالانتداب بينما يظل الإنتاج ضعيفا والاستثمار متعثرا والاقتصاد غير الرسمي واسعا فذلك ليس انتصارا للعدالة الاجتماعية بل تأجيل للأزمة مع فوائد سياسية قصيرة الأجل وفاتورة اقتصادية طويلة الأجل.

الدولة ليست جمعية خيرية توزع الرواتب ولا شركة توظف البشر لمجرد وجودهم في طابور الانتظار.
إنها مؤسسة مسؤولة عن التعليم والصحة والأمن والقضاء والإدارة والبنية التحتية وغيرها من الخدمات التي لا تستقيم الحياة العامة من دونها ويجب أن تنتدب حيث توجد حاجة فعلية وأن توفر العدد الكافي من المعلمين والأطباء والمهندسين والأعوان وأن تحاسب على جودة الخدمات التي تقدمها.
لكن حين يتحول الانتداب إلى وسيلة لإطفاء الاحتجاجات يصبح القرار الاجتماعي رهينة ضغط اللحظة لا نتيجة تخطيط وطني وحين يصبح عدد الوظائف المطلوبة أهم من السؤال عن طبيعتها وجدواها تكون السياسة قد تخلت عن مسؤوليتها في بناء المستقبل واكتفت بشراء الوقت.

بلغ معدل البطالة في تونس 14.9% في الثلاثي الثاني من سنة 2026 وفق البيانات الواردة في المعطيات الإحصائية المنشورة للمعهد الوطني للإحصاء بينما بلغ معدل البطالة لدى حاملي الشهادات العليا 26.6%.
هذه أرقام ثقيلة لكنها لا تبرر استنتاجا واحدا جاهزا
لا يجوز أن نقول إن كل عاطل ينتظر الوظيفة العمومية كما لا يجوز أن نزعم أن القطاع الخاص قادر حاليا على استيعاب الجميع فالأرقام تكشف حجم الاختلال لكنها لا تعفينا من تحليل أسبابه.

السؤال الحقيقي هو كم وظيفة منتجة يخلق الاقتصاد التونسي سنويا؟ وكم خريجا يدخل سوق العمل؟ وما نسبة من يجدون عملا يتناسب مع تكوينهم؟ وكم مؤسسة اقتصادية تغلق أبوابها أو تعجز عن التوسع؟ وما حجم الاستثمار الذي يتحول فعليا إلى مواطن شغل مستدامة؟ وكم يكلف كل انتداب عمومي جديد، وما الخدمة التي سيضيفها؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تملأ نشرات الأخبار وأن تلاحق الوزراء وأن تحاصر الأحزاب والنقابات والبرلمان بدلا من الاكتفاء بتبادل الوعود حول أعداد المنتدبين.

أما مقارنة تونس بالدول الأخرى فيجب أن تكون علمية لا استعراضية فحصة التشغيل في الحكومة العامة من مجموع المشتغلين بلغت وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لسنة 2023 نحو 27.3% في الدنمارك و28.2% في السويد مقابل نحو 11.5% في ألمانيا.
لكن هذه الأرقام لا تمثل نسب الانتداب السنوي ولا تسمح وحدها بحكم مباشر على تونس لاختلاف التعاريف الإحصائية وحجم القطاع العام وتركيبة الاقتصادات.

والدرس ليس أن نختار النسبة التي تعجبنا بل أن نفهم كيف تنظم تلك البلدان الخدمات العامة وكيف تمولها وكيف يساهم القطاع الخاص والصناعة والخدمات في خلق فرص العمل.

الدولة الناجحة لا تُقاس بعدد من تدفع لهم الأجور فحسب بل بما تقدمه من خدمات وبقدرتها على خلق بيئة تجعل الاقتصاد كله قادرا على التشغيل والإنتاج.

لا يمكن الحديث عن البطالة من دون محاكمة العلاقة بين التربية والاقتصاد.
لقد أمضى آلاف الشباب سنوات في التعليم والتكوين ثم اكتشفوا أن الشهادة التي قيل لهم إنها مفتاح المستقبل لا تفتح بالضرورة أي باب.
وهنا تتولد صدمة مزدوجة بخيبة في سوق العمل وخيبة في الوعد الاجتماعي الذي ربط النجاح المدرسي بالترقي الاجتماعي.
لكن من المسؤول؟ هل هو الطالب الذي اختار اختصاصا بناء على معلومات ناقصة؟ أم المؤسسة التعليمية التي لم تواكب تحولات الاقتصاد؟ أم الدولة التي لم تربط التخطيط التربوي بالتنمية؟ أم المؤسسات الاقتصادية التي لم تستثمر بما يكفي في البحث والتطوير والتكوين؟
الحقيقة أن المسؤولية موزعة ولا يجوز تحميلها لطرف واحد.

حين تنتج منظومة التعليم اختصاصات لا يجد أصحابها منافذ كافية من دون مراجعة دورية للتوجيه والمحتوى والمهارات فنحن لا نواجه مشكلة بطالة فقط بل هدرا في رأس المال البشري.
وحين تتخرج دفعات جديدة من دون تدريب تطبيقي أو إتقان للمهارات الرقمية واللغوية والمهنية المطلوبة تصبح الشهادة أحيانا دليلا على إتمام مرحلة تعليمية أكثر من كونها ضمانا للاستعداد للعمل.

ومع ذلك فإن الحل ليس إغلاق الاختصاصات بطريقة عمياء ولا تحويل الجامعة إلى مدرسة لتلبية طلب السوق الآني. فالمجتمع يحتاج أيضا إلى العلوم الإنسانية والبحث الأساسي والثقافة والفنون.
يجب التوازن بين قيمة المعرفة في ذاتها وقدرتها على فتح مسارات مهنية مع توفير بيانات حقيقية تساعد الطالب على الاختيار.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نطلب من الشباب الاجتهاد في الدراسة ثم نتركهم وحدهم أمام سوق لا يستوعبهم وبعدها نتهمهم بالاتكالية لأنهم يطالبون بعمل يضمن كرامتهم.

ليس من العدل أن نضع كل التنسيقيات في قفص الاتهام. فقد تكون التنسيقية ضرورة حين تغلق المؤسسات أبوابها وقد يكون الاحتجاج الوسيلة الوحيدة التي يملكها من لا صوت له لكن الدفاع عن حق الاحتجاج لا يمنعنا من نقد المنطق الذي قد ينشأ حين تتحول كل فئة إلى جماعة تطالب بامتياز مستقل.
إذا كان خريج التكوين المهني يطالب بالعمل فهذا حقه وإذا كان حامل الشهادة العليا يطالب بفرصة عادلة فهذا حقه أيضا. وإذا كان من سبق له العمل في خطة وظيفية يطالب بتسوية وضعه وفق القانون فله أن يقدم حججه لكن هل يعني ذلك أن يصبح لكل فئة مسار استثنائي وأن تتنافس الملفات على من يملك المظلومية الأشد؟

ما الذي سيحدث إذا حصلت فئة على انتداب استثنائي؟ ستسأل فئة أخرى لماذا لم تحصل على مثله وإذا أصبح الاستثناء قاعدة فما الذي يبقى من القاعدة؟ وإذا تراجعت المناظرة والكفاءة أمام قوة الضغط فمن يحمي حق شاب آخر لا يملك تنسيقية ولا وسيلة احتجاج ولا قدرة على الوصول إلى مراكز القرار؟
هنا لا تعود المسألة صراعا بين الدولة والعاطلين بل صراعا بين مواطنين على موارد وفرص محدودة في ظل غياب سياسة شاملة تضمن تكافؤ الفرص وتوسع قاعدة التشغيل.

إننا نحتاج إلى الانتقال من سياسة الملفات المتنازعة إلى سياسة الحقوق الواضحة بمعايير معلنة وقواعد عامة وتسويات قانونية حيث توجد مظالم مثبتة ومناظرات عادلة عند الانتداب وبرامج تشغيل لا تتغير حسب من يرفع صوته أكثر.
لا يجوز أن تصبح القدرة على الاحتجاج مؤهلا مهنيا ولا أن يتحول طول الانتظار وحده إلى معيار كاف للانتداب كما لا يجوز أن تكون سنوات البطالة ذريعة لإهمال الكفاءة أو إلغاء العدالة بين المترشحين.
من السهل أن نطالب الشباب بالتوجه إلى القطاع الخاص لكن أي قطاع خاص نقصد؟ مؤسسات توفر أجورا عادلة وتغطية اجتماعية وظروف عمل محترمة وتكوينا وتدرجا مهنيا؟
أم أعمالا هشة وأجورا ضعيفة وعقودا غير مستقرة تجعل الوظيفة العمومية تبدو الخيار الوحيد الذي يحمي الإنسان من السقوط؟

لا يمكن بناء ثقافة المبادرة بمجرد إلقاء الخطب حول ريادة الأعمال. لا بد من تمويل متاح وإجراءات أبسط وقضاء ناجع ومنافسة عادلة وحماية اجتماعية للعاملين لحسابهم الخاص وسوق لا تعاقب من يحاول تأسيس مؤسسة صغيرة.

ولا يمكن أيضا أن نطالب خريج الجامعة بإنشاء مشروع ثم نتركه يواجه التمويل والجباية والإجراءات والمخاطر وحده. فالمبادرة الاقتصادية ليست شعارا، بل منظومة متكاملة.

وفي المقابل لا يجوز أن يتحول ضعف القطاع الخاص إلى مبرر أبدي لتعليق مصير المجتمع على ميزانية الدولة.
يجب أن تكون هناك سياسة صناعية وزراعية وتكنولوجية واضحة تربط الاستثمار بالإنتاج والتصدير والتشغيل وتمنح الجهات الداخلية فرصة حقيقية لبناء اقتصادات محلية بدلا من الاكتفاء بوعود تنموية تتكرر كلما ارتفعت الاحتجاجات.

على الدولة أن تبدأ بنشر خريطة دقيقة لحاجاتها البشرية
أين توجد الشغورات؟ ما الاختصاصات الناقصة؟
ما المؤسسات التي تعاني نقصا حقيقيا؟ ما عدد المحالين على التقاعد؟ وما كلفة الانتدابات الجديدة مقارنة بالعائد المتوقع على جودة الخدمات؟
ثم عليها أن تضع خطة وطنية للمهارات والتشغيل تربط التكوين بحاجات الاقتصاد وتدعم الاستثمار المنتج وتفتح مسارات انتقال مهني للشباب وتوفر حماية اجتماعية للعاملين خارج الوظيفة العمومية.

أما البطالة طويلة الأمد فلا تعالج بالوعود وحدها بل تحتاج إلى برامج تكوين مرتبطة بمؤسسات حقيقية وتربصات مدفوعة الأجر ودعم موجه للمناطق والفئات الأكثر تضررا ومتابعة تقيس كم شخصا انتقل فعليا إلى عمل مستدام لا كم شخصا سجل اسمه في برنامج جديد.

ويجب أن تكون هناك محاسبة واضحة كم أنفقنا؟ كم وظيفة خلقنا؟ كم مؤسسة توسعت؟ كم خريجا وجد عملا؟ وكم برنامجا فشل ولماذا؟
فالدولة التي لا تقيس نتائج سياساتها تفتح الباب أمام تكرار الفشل والدولة التي لا تنشر البيانات تترك المجال للشعارات كي تحل محل الحقائق.

إن المأساة ليست في أن الشاب التونسي يطالب بالعمل. المأساة أن يصبح مستقبل أجيال كاملة معلقا على عدد الخطط التي تستطيع الدولة فتحها وأن تتحول السياسة إلى منافسة في توزيع الوعود وأن يُطلب من المجتمع أن يصفق كلما أعلنت السلطة عن برنامج جديد حتى قبل أن نعرف عدد الوظائف التي سيخلقها فعليا.

آن الأوان لكسر هذه المعادلة، لا كسر الشباب ولا إهانة العاطلين ولا إنكار المظالم بل كسر النموذج الذي يجعل الدولة المنفذ الوحيد تقريبا إلى الاستقرار الاجتماعي.

نريد دولة قوية لكن قوتها ليست في أن تحمل الجميع على كشوف الأجور بل في أن تضمن التعليم الجيد والصحة والأمن والقضاء والإدارة الكفؤة وأن تخلق شروط اقتصاد منتج يوفر فرصا حقيقية.

نريد جامعة تنتج المعرفة والكفاءات لا مجرد أعداد إضافية في سجلات طالبي الانتداب ونريد قطاعا خاصا لا يعيش على الأجور الهشة بل يستثمر ويصنع ويصدر ويوظف.
ونريد إدارة تنتدب من تحتاج إليهم وتختار الأكفأ وتحاسب على النتائج ونريد سياسة اجتماعية تحمي الإنسان من الفقر والهشاشة من دون أن تحوّل الانتظار إلى نمط حياة دائم.

لا قداسة للوظيفة العمومية ولا شيطنة للعاطل ولا حصانة للتنسيقيات ولا إعفاء للحكومة ولا براءة لمنظومة تعليمية تنتج الشهادات من دون أن تسأل بما يكفي عن مصير أصحابها.
كل طرف مطالب بمراجعة دوره لكن المسؤولية الكبرى تقع على من يملك القرار والميزانية وأدوات التخطيط.
والسؤال الذي يجب أن يزعج الجميع هو هل تريد تونس أن تكون دولة تصنع العمل أم دولة تدير البطالة؟ هل نريد اقتصادا يخلق الثروة ثم يوزع ثمارها بعدل أم نريد أن نتقاتل حول أجور تمولها خزينة لا تستطيع أن تعوض إلى الأبد ضعف الإنتاج؟

إن أخطر أنواع البطالة ليست بطالة الأيدي بل بطالة الخيال السياسي بأن نعجز عن تصور مستقبل خارج الوظيفة العمومية وأن نعتبر كل حل خارجها مغامرة وكل إصلاح اقتصادي مؤجلا وكل وعد بالانتداب انتصارا.

وحين يصبح الانتظار مؤسسة والتنسيقية هوية والانتداب عقيدة فإن المشكلة لم تعد في عدد العاطلين وحده بل في نموذج كامل يحتاج إلى مراجعة جذرية.

تونس لا تحتاج إلى ألف تنسيقية تتنافس على باب واحد. تونس تحتاج إلى ألف باب للعمل والإنتاج والابتكار وإلى دولة تعرف متى تنتدب والاقتصاد الذي يعرف كيف يشغّل ومنظومة تعليمية لا تبيع الشباب وهما ثم تتركهم وحدهم يدفعون ثمنه.
فالبلاد التي لا تستطيع أن تمنح أبناءها أفقا خارج طابور الانتداب لا تعاني أزمة وظائف فحسب إنما تعاني أزمة مشروع وطني كامل.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال