أعتقد أن علينا أن نتوقف قليلا عن تلك العبارة السهلة التي نرددها كلما تحدثنا عن التعليم والشباب والوعي السياسي «الشعب التونسي واحد».
نعم هو شعب واحد في الهوية والتاريخ والدولة لكنه ليس واحدا تماما في شروط إنتاج الوعي وهذه ربما واحدة من أخطر الحقائق التي لم ندرسها بما يكفي.
تونس تبدو على الخريطة دولة واحدة لكن الطفل الذي يولد في قلب مدينة كبرى لا يعيش تونس نفسها التي يعيشها طفل يولد في قرية أو ريف أو منطقة داخلية فالأول يمكن أن يكبر بين المكتبة والمسرح والندوة والمحاضرة والجمعية والنادي الثقافي والإنترنت ووسائل النقل والجامعة والاحتكاك اليومي بأفكار وأشخاص وتجارب مختلفة بينما قد يكبر الثاني في فضاء لا يجد فيه من كل ذلك إلا المدرسة وربما مدرسة ناقصة التجهيز بعيدة عن البيت و محدودة النشاط وقد تكون هي المكتبة الوحيدة والمخبر الوحيد والفضاء الثقافي الوحيد والنافذة الوحيدة التي يرى منها العالم.
وهذا ليس تفصيلا اجتماعيا صغيرا بل فرق في طريقة تكوين الإنسان نفسه فالوعي لا ينزل من السماء ولا يولد الإنسان سياسيا لمجرد أنه يحمل بطاقة تعريف تونسية .
الوعي يتكون من الكتب التي تقرأها والأسئلة التي تسمعها والأشخاص الذين تلتقيهم والفضاءات التي تتحرك فيها والحقوق التي تمارسها والمؤسسات التي تختبرها وحتى من الوقت الذي تملكه لكي تفكر.
ومن هنا يصبح الحديث عن تكافؤ الفرص ناقصا إذا اقتصر على أن الدولة أعطت الطفلين الكتاب نفسه والبرنامج نفسه والامتحان نفسه لأن الطفلين لم يصلا إلى الكتاب من الطريق نفسه ولم يعيشا الحياة نفسها قبل أن يفتحاه.
وهنا بالضبط تبدأ قصة النصف الثاني من تونس، تونس القرى والأرياف والأعماق لا تونس الصور الرسمية والواجهات اللامعة.
ولعل كثيرا منكم يتذكرون المشاهد التي رآها التونسيون بأعينهم عندما بنيت كلية القيروان وكيف كان بعض الطلبة يراجعون دروسهم تحت الكلاتوس وطوابي الهندي وعلى قارعة الطريق في مشاهد تبدو للوهلة الأولى مجرد صور طريفة أو مؤلمة لكنها في الحقيقة تختصر مأساة كاملة
لطالب جامعي يفترض أنه يعيش زمن المعرفة والجامعة والبحث العلمي لكنه يبحث عن ظل شجرة لكي يقرأ.
وفي مناطق أخرى تلميذ يقطع مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة وآخر ينتظر النقل وثالث يدرس في مؤسسة تحتاج إلى الترميم ورابع لا يرى في مدرسته مخبرا حقيقيا إلا في الصور، هذه ليست مجرد نقائص لوجستية بل رسائل يومية يتلقاها الطفل عن قيمته وموقعه في الدولة.
وأنا لا أتحدث هنا عن جيلي فتلك حكاية أخرى.
أتحدث عن أبناء اليوم، عن أطفال يفترض أن يكونوا في مدرسة تونس التي دخلت القرن الحادي والعشرين بينما لا تزال بعض مؤسساتها تكافح مع أبسط شروط السلامة والتجهيز.
وقد رأينا في أفريل 2025 كيف انهار جزء من سور المعهد الثانوي بالمزونة في سيدي بوزيد فقتل ثلاثة تلاميذ وأصاب اثنين آخرين وهي مأساة لم تكن مجرد حادث عابر.
لقد كشفت مرة أخرى الفجوة بين الكلام الكبير عن إصلاح التعليم والواقع المادي الذي يعيشه جزء من أبنائنا.
وفي نوفمبر من العام نفسه سقط جزء من سقف قاعة تدريس في معهد فرنانة بجندوبة وأصيب تلاميذ رغم أن المعهد كان حديث البناء وهو ما فتح سؤالا آخر لا يقل خطورة
ليس فقط أين تذهب الأموال بل كيف تراقب الدولة الأشغال التي تدفع ثمنها؟
وعندما نضع هذه الصور إلى جانب الأرقام يصبح المشهد أكثر قسوة فتونس نجحت تاريخيا في تعميم التعليم إلى درجة أن الالتحاق بالتعليم الابتدائي أصبح شبه شامل لكن النجاح في إدخال الطفل إلى المدرسة لا يعني بالضرورة النجاح في منحه الظروف نفسها لكي يستفيد منها.
اليونيسف تشير إلى أن نحو 27% من الأطفال لا يكملون المرحلة الأولى من التعليم الثانوي وأن نسبة الإتمام تتجاوز 94% لدى أبناء الأسر الأكثر ثراء بينما تنخفض إلى أقل من النصف لدى أبناء الأسر الأكثر فقرا أي أننا أمام مفارقة صارخة ،المدرسة التي يفترض أن تكسر الفوارق الاجتماعية قد تتحول إذا اختلت شروطها إلى المكان الذي تعيد فيه تلك الفوارق إنتاج نفسها.
ولذلك فالفقر الذي أتحدث عنه ليس فقط الفقر الذي يقاس بالدينار فهناك فقر آخر أكثر هدوءا وأشد خطرا و هو فقر الكتاب وفقر الفضاء الثقافي وفقر النقل وفقر الوقت وفقر التجربة وفقر الاحتكاك بالعالم.
قد لا يكون الطفل جائعا لكنه قد يكون محروما من البيئة التي تجعله قادرا على تحويل المعلومة إلى معرفة والمعرفة إلى سؤال والسؤال إلى موقف.
وهذا هو الفقر الرمزي الذي لا يظهر بسهولة في الإحصائيات لكنه يظهر بعد عشرين سنة في طريقة الإنسان في الكلام وفي ثقته بنفسه وفي قدرته على النقاش وفي علاقته بالمؤسسة وفي نوع الأسئلة التي يطرحها.
ومن هنا أطرح سؤالا أظن أنه يستحق دراسة جادة من علماء الاجتماع والتربية والأطباء النفسانيين والمتخصصين في علم النفس السياسي لماذا نلاحظ تاريخيا أن جزءا كبيرا من الحضور السياسي والفكري والنقابي داخل الجامعات التونسية كان يأتي من أبناء الأحياء الشعبية والجهات الداخلية؟
ولماذا يبدو أن أبناء العائلات الأكثر رفاهية أقل انخراطا في حالات كثيرة في النشاط السياسي اليومي؟
وبالتأكيد توجد استثناءات كثيرة ولا يجوز تحويل هذه الملاحظة إلى قانون اجتماعي لكن الملاحظة نفسها تستحق أن تسأل بل إن المفارقة الأكثر إثارة أن بعض أبناء المرفهين الذين وجدناهم لاحقا في النشاط السياسي كانت لهم أصول عائلية ريفية أو جهوية وكأن الذاكرة الاجتماعية للحرمان لا تختفي بسهولة حتى عندما تنتقل الأسرة إلى المدينة.
وربما التفسير أبسط وأعمق مما نتصور لأن من يملك كل شيء تقريبا لا يضطر دائما إلى السؤال عن الدولة أما من ينقصه كل شيء تقريبا فيضطر إلى التعامل معها يوميا.
ابن العائلة الميسورة يستطيع أن يجد كتابا خارج المدرسة ومدرسا إضافيا وناديا رياضيا ونشاطا ثقافيا وحاسوبا وإنترنت وربما يسافر إلى الخارج ولذلك قد لا تصبح المدرسة بالنسبة إليه المعركة الوحيدة على المستقبل.
أما ابن القرية أو الحي الشعبي فقد تكون المدرسة هي كل شيء ولذلك فإن كل نقص فيها يصبح نقصا في حياته هو.
وهنا أعتقد أننا أخطأنا كثيرا عندما قلنا إن أبناء الجهات الداخلية لا يسألون أو لا يملكون ثقافة سياسية.
ربما المشكلة أنهم لا يملكون رفاهية السؤال الذي نريده نحن. التلميذ في الإعدادي أو الثانوي الذي يحمل معه فقر عائلته ومشاكل والده ومرض أمه وبطالة أخيه ونقص النقل وبعد المدرسة وغياب التجهيزات وضيق الأفق لا يجلس دائما ليبحث في فلسفة الدولة والعقد الاجتماعي والحريات العامة. هو يعيش السياسة قبل أن يقرأ عنها.
لذلك قد لا يسأل ما طبيعة الدولة التي أريدها؟ وإنما يصرخ لماذا لا توجد حافلة؟ لماذا لا يوجد أستاذ؟ لماذا مدرستنا بهذا الوضع؟ لماذا يموت التلميذ بسبب جدار؟ لماذا مدرستنا دائما في آخر القائمة؟ لماذا يستطيع غيري أن يعيش حياته وأنا أقاتل يوميا من أجل أبسط الأشياء؟
وهذه الأسئلة ليست أقل سياسية من أسئلة النخب بل هي السياسة في صورتها الأولى والأكثر صدقا.
المشكلة أن النخب تريد من ابن الجهة المهمشة أن يصوغ غضبه في مقال أكاديمي بينما حياته نفسها لم تمنحه الوقت ولا الأدوات ولا البيئة التي تعلمه كيف يفعل ذلك.
ولذلك لا يتحول الحرمان دائما إلى فكرة بل قد يتحول إلى رد فعل وقد يكون الرد عنيفا أحيانا وهذا لا يبرر العنف إطلاقا لكنه يساعد على فهمه فالذي تعلم طوال سنوات أن المؤسسة لا تستمع إلا بعد الصراخ قد يكتشف الصراخ قبل أن يكتشف العريضة وقد يكتشف المواجهة قبل أن يكتشف التفاوض.
وهنا تصبح المدرسة أخطر بكثير مما نتصور.
المدرسة ليست المكان الذي يتعلم فيه الطفل الرياضيات واللغة والتاريخ فقط إنما المكان الذي يتعلم فيه للمرة الأولى كيف يعيش مع الآخر وكيف يختلف وكيف ينظم نفسه وكيف يطالب بحقه وكيف يحترم القاعدة وكيف يفهم أن له حقوقا وعليه واجبات.
بمعنى آخر المدرسة هي أول مدرسة سياسية للمواطن حتى لو لم تدرس فيها السياسة فإذا كانت المؤسسة التي يتعلم فيها الطفل قائمة على الأمر والصمت والحفظ والعقاب والخوف ثم خرجنا بعد سنوات نطالبه بمواطن ديمقراطي قادر على الحوار والتنظيم والمساءلة فنحن نطلب نتيجة لم نزرع أسبابها.
وهنا تأتي المفارقة التونسية التي تستحق أكثر من دراسة نحن نريد شابا لا يمارس العنف لكن هل علمناه كيف يحول غضبه إلى تنظيم؟
نريده أن يحترم الدولة لكن هل جعلناه يختبر دولة تحترمه؟ نريده أن يؤمن بالقانون لكن هل رأى القانون يعمل دائما بالسرعة والعدالة نفسيهما؟
نريده أن يشارك في الحياة العامة لكن هل أعطيناه فضاءات حقيقية للمشاركة؟
ثم عندما يفشل في كل ذلك نضع له التشخيص الجاهز أن الشباب تغير.
الشباب تغير وحده والمدرسة لم تتغير والإدارة لم تتغير والسياسات لم تتغير والجهات لم تتغير وكأن المشكلة تسللت إلى البلاد ليلا من دولة أخرى.
والسؤال يصبح أكثر إحراجا عندما نضع السلطة الحالية نفسها أمام المرآة. فقد تحدث رئيس الجمهورية قيس سعيد مرارا عن أزمة التعليم ووصف ضرب التعليم بأنه من أخطر الجرائم التي ارتكبت في حق الشعب التونسي وأكد في تصريحات لاحقة أن تونس تملك الإمكانيات لتحقيق تعليم وطني أفضل كما شدد في 2026 على ضرورة إصلاح المنظومة التربوية ومعالجة النقائص في المؤسسات والنقل والسلامة.
وهذا يجعل السؤال مشروعا أكثر لا أقل فإذا كانت الإمكانيات موجودة وإذا كان التعليم أولوية معلنة وإذا أصبحت مؤسسة الرئاسة صاحبة نفوذ وصلاحيات واسعة منذ 2021 فلماذا لا تزال المدرسة التونسية تعاني من هذه الاختلالات الأساسية؟
بل إن رئيس الجمهورية نفسه جعل التعليم في قلب خطابه السياسي وتحدث عن ضرورة أن يكون إصلاحه وطنيا وسياديا وأن تكون للمؤسسات التربوية فضاءات للثقافة والمسرح والسينما وغيرها.
لذلك لم يعد السؤال اليوم هل تعرف السلطة المشكلة؟
نعم تعرفها فهل تكلمت عنها؟
نعم تكلمت عنها كثيرا فهل قالت إن الإمكانيات موجودة؟ قالت ذلك أيضا ، إذن يبقى السؤال الأصعب أين تتعطل الدولة عندما تنتقل من الخطاب إلى التنفيذ؟
هنا يجب أن نكون صريحين فالمشكلة ليست دائما في غياب المال بل في السياسات وفي ترتيب الأولويات وفي الإدارة وفي مراقبة المشاريع وفي تضارب المصالح وفي البيروقراطية وفي شبكات النفوذ التي راكمتها الدولة التونسية على مدى عقود.
ولا يمكن أيضا اختزال كل شيء في الأحزاب وحدها لأن ظاهرة توزيع النفوذ داخل قطاعات الدولة أقدم وأوسع من الحكومات والأحزاب المتعاقبة لكن لا يمكن إنكار أن السياسة عندما تدخل الإدارة من باب المحاصصة والولاءات والمصالح القطاعية تجعل المواطن يدفع الثمن في النهاية.
وحين تصبح الدولة موزعة بين مراكز نفوذ متعددة يصبح من السهل أن يعرف الجميع المشكلة وأن يتحدث عنها الجميع وأن يطالب بها الجميع ثم لا يكون هناك أحد يتحمل المسؤولية كاملة عندما لا يحدث شيء.
وهنا ربما تكمن إحدى أعقد مشكلات تونس
لدينا قدرة هائلة على تشخيص المرض وقدرة أقل بكثير على علاجه و لدينا تقارير ودراسات ووزارات ومندوبيات وإدارات ومجالس وخطط استراتيجية ولدينا منذ سنوات حديث عن إصلاح التعليم لكن التلميذ لا يقرأ التقارير بل يجلس في القسم.
فإذا كان السقف آمنا فهو يعرف ذلك وإذا كان السقف متداعيا فهو يعرف ذلك وإذا كان هناك مخبر فهو يعرف ذلك وإذا لم تكن هناك حافلة فهو يعرف ذلك وإذا كان الأستاذ موجودا أو غائبا فهو يعرف ذلك .
المواطن لا يعيش السياسة العمومية كما تكتب في الوثائق بل يعيشها في الحافلة وفي المدرسة وفي المستشفى وفي الإدارة.
ولذلك كانت مأساة المزونة في 2025 أكثر من انهيار سور بل كانت لحظة انهارت فيها المسافة بين الخطاب والواقع.
ثلاثة تلاميذ ماتوا تحت سور مؤسسة تعليمية وفتحت السلطات بحثا لتحديد المسؤوليات والسؤال الذي يجب ألا يدفن مع الحادثة هو كيف وصلنا إلى لحظة يصبح فيها الجدار الذي يفترض أن يحمي الطفل خطرا عليه؟
ومن راقب؟ ومن أمضى؟ ومن عاين؟ ومن استلم؟ ومن كان يفترض أن يقول لا؟
لأن الدولة الحديثة لا تقاس فقط بعدد المدارس التي تبنيها وإنما أيضا بقدرتها على منع مدرسة من أن تتحول إلى مكان خطر على تلاميذها.
ثم نأتي في النهاية إلى السؤال الذي لا أعتقد أننا طرحناه بما يكفي هل فشل أبناؤنا في طرح الأسئلة أم أننا فشلنا في تعليمهم كيف يطرحونها؟
هل الشاب الذي يرد بعنف أقل وعيا من الشاب الذي يكتب مقالا سياسيا؟ أم أن الأول عاش ظروفا لم تمنحه الأدوات نفسها لتحويل غضبه إلى خطاب؟
هل ابن الحي الشعبي أقل اهتماما بالشأن العام من ابن الحي الراقي؟ أم أنه مهتم به بطريقة مختلفة لأن السياسة بالنسبة إليه ليست نقاشا تلفزيونيا بل خبز أمه ومستقبل أبيه وبطالة أخيه وحافلة مدرسته وطريق قريته؟
ربما لهذا السبب علينا أن نعيد النظر في مفهوم الوعي السياسي نفسه فالوعي ليس فقط أن تعرف أسماء الأحزاب والتيارات والمفكرين بل أن تعرف لماذا أنت محروم ومن يملك القرار ومن يملك المال ومن يملك القدرة على تغييره. وقد يكون ذلك التلميذ الذي يسأل لماذا لا توجد حافلة
أكثر وعيا بالدولة من شخص يحفظ مئة صفحة عن الديمقراطية لأنه اكتشف جوهر السياسة «من يملك القرار ومن يدفع ثمن القرار؟».
وهنا تتضح الصورة كلها فتونس ليست فقط منقسمة بين غني وفقير ولا بين ساحل وداخل ولا بين مدينة وريف بل هناك انقسام أعم بين من يملك شروط إنتاج الوعي ومن لا يملكها وبين من يتعلم منذ طفولته أن السؤال حق، ومن يتعلم أن الصمت أكثر أمانا وبين من يملك عشرات الأبواب الثقافية التي يطرقها ومن لا يجد إلا باب المدرسة فإذا وجد هذا الباب متهالكا ماذا بقي له؟
لهذا فإن إصلاح التعليم ليس أن نطلي الجدران ونشتري الطاولات ونعلن عن موسم دراسي جديد.
الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما نقرر أن الطفل في قرية بعيدة له الحق نفسه في الكتاب والمخبر والنقل والثقافة والإنترنت والأستاذ والفضاء الآمن الذي يملكه طفل المدينة وأن المدرسة لا ينبغي أن تكون مجرد مكان لإنهاء السنوات الدراسية بل المكان الذي يتعلم فيه الإنسان أنه مواطن له قيمة وله صوت وله حق في السؤال وله قدرة على تنظيم نفسه وتحويل غضبه إلى فعل مدني وسياسي سلمي.
وعندها فقط نستطيع أن نفهم لماذا كانت بعض التيارات الفكرية والسياسية تاريخيا أكثر حضورا بين أبناء الأحياء الشعبية والجهات الداخلية ، لأن الحرمان لا ينتج دائما اللامبالاة بل أحيانا ينتج أكثر الناس استعدادا للسؤال لكن المشكلة أن السؤال إذا لم يجد مؤسسة تستقبله فيمكن أن يتحول إلى غضب والغضب إذا لم يجد تنظيما قد يتحول إلى فوضى.
لذلك لا ينبغي أن نسأل الشباب فقط لماذا أنتم غاضبون؟
بل علينا أن نسأل قبل ذلك من أين جاء هذا الغضب؟
ولماذا ظل يتراكم؟
ولماذا فشلنا في تحويله إلى وعي منظم ومشاركة سياسية ومجتمع مدني قوي؟ ومن الذي ترك المدرسة وهي المصنع الأول للمواطن تتحمل وحدها مهمة بناء إنسان حديث في بلد لم يوفر دائما الشروط الاجتماعية والثقافية لذلك؟
والسؤال الأخير وربما الأخطر موجه إلى الدولة نفسها
إذا كان لدينا رئيس جمهورية بصلاحيات واسعة وسلطة سياسية تقول إنها تريد إصلاح التعليم وإمكانيات وميزانيات وخطط ومؤسسات وإذا كان الجميع يعترف بأن التعليم قضية وطنية فما الذي يمنع تونس من أن تجعل مدرسة القرية في مستوى مدرسة المدينة؟
هل ينقصنا المال؟أم ينقصنا القرار؟أم تنقصنا الإدارة؟
أم أننا لم نحسم بعد أي مواطن نريد أن نصنع؟
لأن الدولة التي تربي أبناءها على تفاوت الفرص ثم تشتكي عندما يخرج بعضهم غاضبا والتي تترك جزءا من شعبها يعيش فقرا ماديا وثقافيا ورمزيا ثم تطلب منه وعيا سياسيا راقيا والتي تطلب من الشاب أن يحترم المؤسسات ثم لا تجعله دائما يختبر مؤسسات تحترمه إنما تصنع التناقض بيديها.
المواطن لا يولد غاضبا من الدولة فأحيانا الدولة هي التي تعلمه بصمت لماذا يغضب منها.
والمدرسة هي المكان الأول الذي يبدأ فيه هذا الدرس.
فإما أن نجعلها مدرسة للمواطنة والمعرفة والكرامة والعدالة وإما أن نستمر في صناعة جيل يعيش الحرمان ثم نقف بعد ذلك بدهشة مصطنعة نسأله لماذا أنت غاضب؟
المواطن لا يولد غاضبا من الدولة فالدولة هي التي تعلمه بصمت لماذا يغضب منها.
2026-10-08
148 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال