بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين يُفصل الرسول عن رسالته: القرآنيون ومعركة تفكيك المرجعية الإسلامية

2026-10-06 40 قراءة مقالات فكر صدقي الزهدي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
حين يُفصل الرسول عن رسالته: القرآنيون ومعركة تفكيك المرجعية الإسلامية
حين يُفصل الرسول عن رسالته: القرآنيون ومعركة تفكيك المرجعية الإسلامية

من شعار الاكتفاء بالقرآن إلى السؤال الأخطر: هل تنتهي حجية الرسول بانتهاء حياته؟

ليست كل المعارك التي تستهدف هوية الأمة معلنة، وليست كل محاولات تغيير وعي المجتمعات تأتي في صورة عداء صريح لدينها. فبعض التحولات الفكرية تبدأ من داخل المنظومة نفسها، وتستعير مفرداتها وشعاراتها، وترفع رايات تبدو للوهلة الأولى دفاعاً عن الدين، بينما تقود بعض أطروحاتها، عند إخضاعها للتحليل، إلى نتائج تمس أسس المرجعية التي يقوم عليها فهمه وممارسته.

ومن هنا تبرز خطورة الاتجاهات التي لا تكتفي بنقد بعض الأحاديث أو التشكيك في صحة روايات بعينها، بل تسعى إلى نفي حجية السنّة النبوية من أصلها، ثم تتجاوز ذلك إلى القول إن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قد أنهى مهمته بوصفه رسولاً مرسلاً بعد خطبة الوداع، وإنه عاد بعد ذلك إلى وضع الرجل العادي الذي لا تكون لسنّته حجية ملزمة للمسلمين.

إذا كان هذا هو المعنى المقصود فعلاً من هذا القول، فإننا لا نكون أمام خلاف فقهي عادي، ولا أمام نقاش علمي حول صحة حديث أو ضعف آخر، بل أمام محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القرآن والرسول، وبين الرسالة وصاحبها، وبين اكتمال الوحي واستمرار الالتزام بما بلّغه الرسول وبيّنه.

وهنا ينبغي أن نضع السؤال في مكانه الصحيح: هل اكتمل الدين بوفاة الرسول بحيث انتهت معه حجية سنّته، أم اكتمل الدين بالرسالة التي بلّغها، وظلت هداية الرسول وبيانه مرجعاً للأمة بعد وفاته؟

أولاً: القرآن نفسه يضع حدّاً للتأويل الذي يلغي مرجعية الرسول

إن أخطر ما في هذا الطرح أنه يحاول، في بعض صيغه، أن يجعل القرآن حجة لإلغاء حجية الرسول، مع أن القرآن نفسه يقرر للرسول مقاماً يتجاوز مجرد تلاوة النص.

يقول الله تعالى في سورة النساء:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء: ].

ويقول سبحانه:

مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ].

ويقول عز وجل:

وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ].

ويقول تعالى:

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ].

هذه الآيات تجعل طاعة الرسول واتباعه والاقتداء به عناصر أساسية في التصور القرآني للإيمان. وقد اختلفت القراءات القرآنية المعاصرة في نطاق هذه الطاعة وكيفية إثبات ما يصح نسبته إلى الرسول، لكن جمهور علماء المسلمين فهم منها، مع نصوص أخرى، حجية السنّة النبوية الثابتة في بيان الدين وتشريعه.

ولا يصح أن نخلط بين أمرين مختلفين: أن يكون الرسول بشراً، وأن تكون سنّته النبوية غير ملزمة؛ فالأول حقيقة قرآنية، أما الثاني فلا ينتج عن الأول منطقياً.

كما لا يصح أن نخلط بين انتهاء الوحي بوفاة الرسول وبين انتهاء حجية ما بلّغه من هدي وتشريع. فوفاة الرسول لا تعني أن المسلمين أصبحوا أحراراً في إلغاء المرجعية النبوية، ولا تعني أن الرسالة فقدت بيانها العملي بمجرد انتقال صاحبها إلى الرفيق الأعلى.

ثانياً: خطبة الوداع ليست إعلاناً عن انتهاء حجية السنّة

إن الاستناد إلى خطبة الوداع للقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم عاد بعدها إلى وضع الرجل العادي يحتاج إلى دليل صريح، لا إلى استنتاج يُحمّل الخطبة ما لا تدل عليه.

فخطبة الوداع ارتبطت بالتذكير بأصول الدين وحرمة الدماء والأموال والأعراض، وأداء الأمانة، وحقوق الناس، والتمسك بما يهدي إلى الصواب. ولا تتضمن، في مضمونها المعروف، إعلاناً بأن أقوال الرسول وأفعاله في الدين ستفقد حجيتها بعد تلك الخطبة، أو أن المسلمين مطالبون بالفصل بين القرآن وبين بيانه النبوي.

بل إن القول باكتمال الرسالة لا يعني إلغاء دور الرسول في تبليغها وبيانها. فهناك فرق واضح بين اكتمال الوحي، وانتهاء حياة النبي، واستمرار الالتزام بالرسالة بعد وفاته.

إن انتهاء النبوّة لا يعني انتهاء حجية السنّة، كما أن وفاة المبلّغ لا تعني سقوط ما بلّغه من أحكام وتعاليم. ولو كان كل ما يرتبط بالرسول من طاعة واتباع ينتهي بانتهاء حياته، لوجب على أصحاب هذا التصور أن يقدموا دليلاً يفسر لماذا وجّه القرآن خطابه إلى المؤمنين بأوامر عامة في طاعة الرسول والاقتداء به، لا بأوامر مؤقتة تنتهي بانتهاء حياته.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين النص الذي يقول إن حجية الرسول انتهت بعد خطبة الوداع؟ وأين الدليل الذي يجيز تحويل خطبة في بيان أصول الدين وحقوق الناس إلى إعلان عن سقوط المرجعية النبوية؟

إن عبء الإثبات يقع على من يدّعي هذا التحول، لا على من يرفض نسبة معنى خطير إلى النص من دون دليل.

ثالثاً: من يرفض الحديث كله، ماذا يفعل أمام القرآن؟

قد يقول أصحاب هذا الاتجاه إن القرآن كامل، وإنهم لا يحتاجون إلى السنّة لفهم الدين. لكن اكتمال القرآن لا يحسم وحده الخلاف حول كيفية تطبيق كل أمر من أوامره، ولا يعني أن كل تفصيل عملي قد ورد فيه بالصيغة التي تجعل البيان النبوي غير ذي صلة.

فالقرآن يأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت، وقد نقل المسلمون تفاصيل واسعة من هذه العبادات من خلال التعليم النبوي والممارسة العملية المتوارثة، إلى جانب ما ورد في القرآن من أحكام وتوجيهات.

وهنا يواجه الرافضون لحجية السنّة سؤالاً منهجياً لا يمكن تجاوزه بالشعارات: كيف يميزون بين تفسير صحيح للنص وتفسير خاطئ؟ وكيف يضبطون الاستنباط؟ وما مصدر المعايير التي يعتمدونها في تحديد ما يلزم المسلم فعله إذا استبعدوا البيان النبوي من مصادر المعرفة الدينية؟

إن رفض مرجعية لا يلغي الحاجة إلى المرجعية، بل قد ينقل سلطة التفسير إلى مكان آخر. فبدلاً من الاحتكام إلى القرآن والسنّة الثابتة ومناهج الاستنباط والتحقيق، قد يصبح فهم الفرد للنص هو الحكم النهائي، أو تتحول مجموعة من المثقفين إلى سلطة تحدد للمجتمع ما الذي ينبغي أن يقبله من الدين وما الذي ينبغي أن يستبعده.

وهنا تكمن المفارقة: مشروع يرفع شعار تحرير القرآن من سلطة البشر قد ينتهي، إذا افتقر إلى منهج نقدي منضبط، إلى إخضاع القرآن لسلطة التأويل الفردي.

ولا يعني ذلك أن كل اجتهاد قرآني ينتهي بالضرورة إلى هذه النتيجة؛ وإنما يعني أن هذا الاحتمال يفرض على أصحابه تقديم منهج واضح ومتماسك، لا الاكتفاء بإعلان رفض التراث.

رابعاً: الفرق بين تنقية السنّة وإلغاء السنّة

من الظلم العلمي أن نضع كل من ينتقد حديثاً أو يناقش رواية في خانة واحدة مع من يرفض حجية السنّة من أصلها.

فالحديث الموضوع ليس حجة لمجرد وجوده في كتاب، والرواية الضعيفة لا تصبح صحيحة لأن شخصاً استشهد بها، كما أن صحة الإسناد ودلالة المتن مجالان يحتاجان إلى بحث علمي. وقد نشأت علوم الحديث وأصول الفقه، في جانب مهم منها، من الحاجة إلى التحقق والتمييز وضبط الاستدلال.

لكن تنقية السنّة من الروايات غير الثابتة تختلف جذرياً عن إلغاء السنّة بوصفها مصدراً للدين. ففي الحالة الأولى نبحث عن السنّة الصحيحة ونميزها مما لا يصح، أما في الحالة الثانية فنرفض المرجعية كلها بسبب الاعتراض على بعض ما نُسب إليها.

إن من حق الباحث أن يسأل عن صحة الرواية، وأن يناقش فهم العلماء لها، وأن يقارن بين الأقوال، لكن عليه أيضاً أن يلتزم بالمعايير نفسها حين يفحص النصوص التي يستشهد بها. فلا يجوز أن يطالب خصومه بالدليل ثم يستبدل الدليل بالانطباع، ولا أن يرفض رواية لمجرد مخالفتها لرأيه، ثم يقبل تأويلاً فردياً لا يسنده منهج واضح.

إن النقد العلمي يفتح باب المعرفة، أما الرفض الشامل من دون بديل منهجي فقد يغلقه.

خامساً: هل نحن أمام خلاف ديني أم صراع على إنتاج الوعي؟

هنا ننتقل من المسألة الدينية المباشرة إلى أفق أوسع يتعلق ببنية المجتمعات وقدرتها على إنتاج وعيها المستقل.

إن المرجعيات ليست نصوصاً معزولة عن الحياة؛ فهي تدخل في تشكيل القيم، وتوجيه السلوك، وبناء التصورات عن الأسرة والمجتمع والعدل والسلطة والمسؤولية. ولذلك فإن تغيير المرجعية التي يفهم المجتمع من خلالها دينه يمكن أن يترك آثاراً تتجاوز المجال الفقهي إلى المجال الثقافي والاجتماعي والسياسي.

ومن منظور جغرافيا الحرب والاختبار، يمكن النظر إلى الصراع على تفسير الدين باعتباره أحد ميادين الصراع على الوعي. فالقوة لا تقتصر على امتلاك السلاح والمال والمؤسسات، بل تشمل أيضاً القدرة على تحديد المعاني التي يفهم المجتمع العالم من خلالها، وعلى تشكيل الحدود التي يميز بها بين المقبول والمرفوض، وبين الشرعي وغير الشرعي.

لكن هذه القراءة لا تبيح لنا القفز إلى اتهام كل من ينتقد السنّة بأنه يعمل لحساب جهة خارجية، أو الجزم بوجود مؤامرة منظمة من دون وثائق وأدلة. فالتشابه في النتائج لا يثبت وحدة الدوافع، والاحتمال السياسي لا يتحول إلى حقيقة تاريخية بمجرد إمكان تصوره.

إن السؤال العلمي الصحيح هو: ما طبيعة الخطاب؟ وما المؤسسات التي تنشره؟ وما الأدلة التي يستند إليها؟ وهل توجد شواهد موثقة على توظيف سياسي منظم له؟ وما النتائج الفعلية التي يفضي إليها في التعليم والتشريع والوعي العام؟

بهذه الأسئلة يمكن الانتقال من الانطباع إلى التحليل، ومن الاتهام إلى البحث.

سادساً: من يملك حق تعريف الإسلام؟

إذا أُلغيت حجية السنّة، فمن الذي يحدد المعنى النهائي للنص القرآني؟ هل هو كل قارئ على حدة؟ أم الدولة؟ أم النخب الثقافية؟ أم مؤسسات بحثية تتبنى منهجاً بعينه؟

هذه ليست أسئلة نظرية هامشية، بل تمس العلاقة بين المعرفة والسلطة. فحين يصبح تفسير الدين مجالاً مفتوحاً بلا معايير مشتركة للتحقيق والاستدلال، قد تتنافس سلطات متعددة على احتكار تعريف الإسلام، ويصبح النص ساحة لصراعات سياسية وثقافية لا تقل تأثيراً عن الصراعات على المؤسسات والمارد.

ومع ذلك، فإن وجود السنّة لا يلغي ضرورة الاجتهاد، ولا يمنح أي عالم أو مؤسسة حق احتكار الحقيقة أو مصادرة النقد. فالتراث الإسلامي نفسه عرف اختلاف المدارس الفقهية والكلامية، وتعدد مناهج فهم النصوص، والتمييز بين القطعي والظني، وبين الثابت والمختلف فيه.

ولهذا فإن الدفاع عن المرجعية النبوية لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع عن كل اجتهاد موروث، مثلما أن الدعوة إلى النقد لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإلغاء المرجعية كلها.

إن الاستقلال المعرفي الحقيقي يقوم على الجمع بين احترام النصوص، والتحقق من الروايات، وإعمال العقل، والالتزام بقواعد الاستدلال، وعدم إخضاع النتائج لرغبات الفرد أو مصالح السلطة.

خاتمة: المعركة ليست مع القرآن، بل مع الطريقة التي يُعاد بها تعريف المرجعية

إذا ثبت أن شخصاً يقرر أن الرسول صلى الله عليه وسلم فقد بعد خطبة الوداع كل حجية ملزمة، فإن هذا القول يحتاج إلى مواجهة علمية صريحة؛ لأنه يثير إشكالاً جوهرياً حول معنى طاعة الرسول، واستمرار الهداية النبوية، والعلاقة بين اكتمال الدين والالتزام بما ثبت من السنّة.

لكن قوة الرد لا تأتي من السخرية من صاحب القول، ولا من اتهامه بنيات لا نملك دليلاً عليها، بل من وضع أطروحته أمام النص القرآني والسؤال المنهجي: ما الدليل على أن انتهاء حياة الرسول يعني انتهاء حجية سنّته؟ وكيف يمكن إثبات هذا الانتقال من دون نص صريح أو استدلال متماسك؟

إن القرآن الذي يحتج به هؤلاء هو نفسه الذي يأمر بطاعة الرسول، ويجعل الاقتداء به جزءاً من الهداية، ويوجه المؤمنين إلى رد النزاع إلى الله والرسول. ولذلك فإن أي قراءة تريد إلغاء المرجعية النبوية مطالبة بتفسير هذه النصوص تفسيراً متماسكاً، لا بمجرد تجاوزها أو إعادة صياغة معناها بما يوافق النتيجة المراد الوصول إليها.

ومن منظور جغرافيا الوعي والعمران، فإن المجتمع لا يحمي استقلاله المعرفي بالتسليم الأعمى لكل ما ورثه، ولا بهدم كل ما ورثه، وإنما بامتلاك أدوات التمييز والتحقيق والنقد والبناء. فالعمران الذي ينتج القوة هو عمران المعرفة والمؤسسات والوعي القادر على مراجعة الأفكار من دون أن يفقد معاييره.

وهنا تتحدد المعركة الحقيقية: ليست بين من يرفع شعار القرآن ومن يرفع شعار السنّة، بل بين منهج يحتكم إلى الأدلة ويجمع النصوص ويفحصها في سياقاتها، وبين تأويل ينتقي ما يوافقه ويستبعد ما يعارضه من دون أن يقدم معياراً بديلاً مقنعاً.

فالرسالة اكتملت، والنبوّة انتهت بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن القول بأن ذلك يعني سقوط حجية السنّة ليس نتيجة تلقائية لهاتين الحقيقتين. إنه استنتاج مستقل يحتاج إلى دليل مستقل.

ومن يدّعي أن الرسول عاد بعد خطبة الوداع إلى مجرد رجل عادي من حيث انتفاء حجية هديه، فعليه أن يثبت هذه الدعوى من النصوص، لا أن يكتفي بإطلاقها. فالمسألة أكبر من سجال عابر؛ إنها تتعلق بكيفية فهم الإسلام، ومصادر المعرفة فيه، وحدود الاجتهاد، وقدرة الأمة على حماية مرجعيتها من الانتقائية والتوظيف.

والطريق إلى ذلك ليس التخوين، بل العلم؛ وليس الصراخ، بل الحجة؛ وليس تقديس الأشخاص، بل إقامة البرهان على الأفكار.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال