بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

"سي نجيب .. إنّك تُخجل تونس كلّها !"

2026-10-05 273 قراءة مقالات رأي عبدالسلام الككلي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
"سي نجيب .. إنّك تُخجل تونس كلّها !"
"سي نجيب .. إنّك تُخجل تونس كلّها !"

بقلم عبدالسلام الككلي

كتب أحد الأصدقاء، وهو الخال عمار الجماعي، تدوينة مقتضبة على صفحته قال فيها: "سي نجيب ، إنك تخجل تونس كلها"
وجدتُ في تدوينة الخال نوعاً من الطباق المؤلم؛ عجبا كيف يجتمع الخجل والجرأة في جملة واحدة تصف حجم المهزلة التي نعيشها: أنت وتونس كلها في تضاد حاد ؟.!
ضدّان نحن يا سي نجيب الشابي، حتى ولو حاولنا — إرضاءً لغرورنا — أن ننقل الطباق إلى مجانسة تتجاور فيها الأشباه؛ أنت بصمودك، ونحن بتضامننا معك في زمن صار فيه التضامن يقود إلى "المرناقية"، حتى ولو كان هذا التضامن مجرد احمرار يغزو الوجه، وغصة تخنق الحلق، وألم يجتاح القلب والأحشاء.
ما أشبه جملة الخال بتلك الصرخة التي يقذفها في وجه الدنيا بأسرها "المعلم نونو " في" خان الخليل" لنجيب محفوظ : "ملعون أبو الدنيا!".
نعم، ملعون أبو الدنيا حين تخجلنا وأنت هناك في سجن السلطة، ونحن هنا في سجن الخوف، ننظر إليك بعين العجز، ثم نرجع البصر كرتين لينقلب إلينا البصر ذليلاً، خاسئاً وهو حسير.
تخجلنا لأنك تدافع بجسمك النحيل عن آخر ما تبقى في هذه البلاد من الشجاعة والشهامة، بعد أن حوّلتنا السلطة جميعاً إلى عبيد لأنفسنا المرتعشة.
نخجل وأنت تنفذ إضراب جوع، لا ندري إن كان صدرك — الذي شُقّ يوماً لمعالجة قلبك الضعيف — سيتحمل عبأه؛ جوع جاء ليعالجنا نحن من ضيق الصدور، وانغلاق الأفق، وعتمة الواقع المرير.
نخجل ونحن نراك — عوداً على بدء — من سنة 1968 إلى 2025 تخوض المعركة نفسها؛ معركة الرجل الذي آمن بالحرية في كل العهود، حتى لَكأنّ العهود كلها أصبحت زمناً واحداً لعيناً ممتداً من الخليفة المنقلب على الخلافة جعلها ملكا عضوضا إلى الحاكم المنقلب على الدستور جعله جسرا للرئاسة مدى الحياة . لقد لخّصت الأمر في خطابٍ وجهته إلى مريم الزغيدي، نُسِب إليك ولا أدري إن كان قد صدر عنك أو لا: "عشتُ السجن مع أبيك صالح سنة 1968، وأعيشه مرة أخرى في 2025 مع أخيك مراد".
نخجل ونحن لا نملك غير بعض كلمات نقولها لك، بعد أن غدونا لا نملك سوى بلاغة التضامن، التي نرجو أن تكون ذات جدوى في زمن لا نكاد نعثر فيه على أي جدوى لكلام قلناه وأعدناه؛ تضامناً معك ومع غيرك من مساجين الرأي ممن امتلأت بهم السجون وغصّت بهم المنافي.
أخجلُ شخصياً وأنا أستعرض بعض ذكرياتي معك؛ فبعد عشرة طويلة في جريدة "الموقف" دامت من 2006 إلى 2011، كنتُ فيها صحفياً متعاوناً مع الجريدة، غبتَ عني وغبتُ عنك.. ثم شاءت الصدف أن ألتقيك مجدداً منذ عام أو أزيد بقليل، بمناسبة محاضرة ألقيتُها في سينما "الريو" لتقييم مرحلة ما بعد الثورة وصولاً إلى عام 2021 وما بعدها.
تحدثت في مداخلتي — من جملة ما قلته — عن المنظمات والأحزاب والجمعيات التي سارعت إلى دعم الانقلاب قبل أن يرجع إليها "شاهد العقل". وكنت "سي نجيب" تجلس قبالتي تماماً . في آخر المحاضرة توجهت بخطابي الى الحاضرين:
"اسمحوا لي بأن أتوجه بتحية خاصة إلى عميد المناضلين أحمد نجيب الشابي.. لقد استمعت إليه صبيحة يوم 26 جويلية 2021 يتحدث في إحدى الإذاعات الخاصة، قال نجيب وقتها: ما وقع بالأمس كان خطوة هائلة.. ولكن نحو الهاوية! لم يتردد الرجل ولو للحظة واحدة في توصيف ما وقع؛ كان يسير في اتجاه معاكس للجميع، ولكن دون تردد ولا خشية".
بعد المحاضرة، ذهبتُ إليك لأقبّلك، سعدت بما قلته لك كثيراً، فقلت لمن كانوا حولنا: "الأستاذ الككلي، كان قراء (الموقف) ينتظرون مقالاته كل أسبوع". لا أدري إن كنت تود وقتها أن ترد لي التحية والإطراء بمثلهما، ولكن في كل الأحوال اسعدتني شهادتك؛ إذ أعادت إليّ شجن تلك اللحظات التي كنا نقارع فيها بطش الطاغية بن علي بأقلامنا، نكتب ونحن لا نعرف إن كانت الجريدة ستصدر أو سيقع حجبها، ناهيك عن محاصرة مقرها ليل نهار.
تحية كبيرة إليك "سي نجيب".. ولا عجب، فأنت تتحدى العمر كما تتحدى الاستبداد في جميع العصور؛ وهل هناك عمر خالص للنضال، وآخر جعل للركون إلى الشيخوخة في انتظار النهاية؟!
سي نجيب.. محبتي ،اعترافا بجميل
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال