قال محمد الشوكاني:
إذا جار الأميرُ وكاتباه ... وقاضي الأرض داهن في القضاءِ
فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ ... لقاضي الأرض من قاضي السماءِ!
(الديوان/440)
المقدمة
لا شك ان قوة الدولة تتوقف على قوة دستورها، وعدالة وقوة القانون وتنفيذه من قبل جميع الأطراف، وعدم السماح بانتهاكه او تجاوزه من أي طرف، على اعتبار ان الشعب مصدر السلطات وهو عقد ما بين الدولة والمواطن، يتضمن الحقوق والواجبات المناطة بالجميع ويؤتمن عليها، والدستور هو المصب الرئيس للسلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، بل يمكن إضافة السلطة الرابعة أيضا وهي الإعلامية. الدستور هو من يصون كرامة وحقوق المواطنين، ويقف على مسافة واحدة من جميع الافراد والكيانات، والا فقد هيبته واصبح تجاوزه امرا مألوفا.
ماهية القضاء
القضاء لغة يُقصد به الحكم، ومن الناحية الفقهية يُقصد به الفصل في النزاعات بين جهتين متخاصمتين وفقا للشرع أو الاجتهاد في حال عدم وجود نص قرآني أو نبوي صريح أو حالة سابقة مشابهة يُقاس عليها الحكم في النزاع. وقد تولى الرسول(صلى الله عليه وسلم) مهمة القضاء في حياته، وعندما تتعسر عليه حالة ما، كانت الملائكة تسعفه بحلها. ونظرا لتوسع رقعة الإسلام فقد أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) بعض الصحابة كعمال في الأمصار البعيدة وتولوا مهمة القضاء أيضا كواجب ثانوي، ومنهم معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب. وفي خلافة أبي بكر الصديق تولى عمر بن الخطاب مهمة القضاء، لذا فهو أول قاضِ في الإسلام، وبقي عاما كاملا في منصبه دون أن يفصل بأية قضية مما يدل على النهج العادل الذي سار عليه أبو بكر الصديق. وعمر الفاروق هو أول الخلفاء الذي كتب في القضاء بعد أن أرسل بعض الصحابة إلى الأمصار ومنهم أبو الدرداء وأبو موسى الأشعري. وتعد رسالته إلى الصحابي الأشعري من روائع الكلم لما تضمنته من أحكام ونصح ومواعظ وهي" أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له واسٍ بين الناس في وجهك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً. ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور بنظائرها، واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينة أمداً ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا استحللت القضية عليه، فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعماءِ. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرباً عليه شهادة زور أو ظنيناً في نسب أو ولاء. فإن الله سبحانه عفى عن الإيمان ودرأ بالبينات وإياك والقلق والضجر والتأفف بالخصوم فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر والسلام". (مجلة المقتبس ج45/1 عام1909).
وسار علي بن أبى طالب على نفس النهج العادل لمن سبقوه من الخلفاء الراشدين فقد أوصى عاملة على مصر الأشتر النخعي بمحاسن الكلم منها" اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحقه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأَوْقَفَهُم في الشبهات، أَّخذْهُم بالحجج، وأقَلُهُم تبرماً بمراجعة الخصم ، وأصبَرُهُم عَلَّىْ تَكَشُفْ الأمور، وأَصرَمُهُم عند اتضاح الحق، ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله أغراء، وأولئك قليل، ثم أَكْثِر مِن تعاهد قضائه، وأفسح له من البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس، أعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر بذلك نظراً بليغاً، فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار، يُعمَّلُ فيه بالهوى، وتُطلَّبُ به الدنيا. ثم انْظُر في أمور عُمَالِكَ، فاستَعمِلْهُم اختباراً، ولا تولهم محاباةً و أِثرة، فإنهم جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الجور والخيانة .وتوخ منهم أهل التجربة والحياء، من أهل البيوتات الصالحة، والقِدَم في الإسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقاً وأصح أعراضاً، و أقل في المطامع أشرافاً وأغلب في مواقع الأمور نظراً. ( نهج البلاغة/ ج 4).
السلطة القضائية من الصعوبة والتعقيد بحيث رفض توليها كبار الفقهاء والعلماء منذ فجر الإسلام مع قوة معرفتهم بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وقدرتهم على القياس والاجتهاد وتقصي الحقائق، وقوة الفراسة، وقد تجلت خطورتها في الحديث النبوي الشريف" القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس عَلَى جهل فهو في النار". يحدثنا التأريخ عن اعتذار الكثير من العلماء والفقهاء عن مهمة القضاء، بل إن بعضهم تنكر بمهن غير لائقة لشخصه ليبتعد عن هذه المهمة الشاقة. أبو حنيفة النعمان مثلا ضربه يزيد بن عمر بن هبيرة الفرازي ـ أمير العراقيين ـ مائة وعشرة أسواط، وكل يوم عشرة أسواط أخرى، وذلك لما أراده لقضاء الكوفة أيام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، فأبى وبقي على الامتناع، وسجنه وتوفي في السجن.
من طريف ما يحدثنا به أبو القاسم الحسن النيسابوري" أن رجلاً آلى (حلف) بيمين أن لا يتزوج حتى يستشير مائة نفس لما قاسى من بلاء النساء فاستشار تسعة وتسعين نفساً وبقي واحد فخرج على أن يسأل أول من نظر إليه فرأى مجنوناً قد اتخذ قلادة من عظم، وسوّد وجهه، وركب قصبة، فأخذ رمحه فسلم عليه وقال: مسألة. فقال: سل ما يعنيك، وإياك وما لا يعنيك! فقلت: مجنون والله، ثم قلت له: أني أصبت من النساء بلاء وآليت أن لا أتزوج حتى أستشير مائة نفس وأنت تمام المائة. فقال: أعلم أن النساء ثلاثة واحدة لك، وواحدة عليك، وواحدة لا لك ولا عليك، فأما التي لك فشابة طرية لم تمس الرجال فهي لك لا عليك، إن رأت خيراً حمدت وإن رأت شراٌ قالت كل الرجال على مثل هذا، وأما التي عليك فامرأة ذات ولد من غيرك، فهي تسلخ الزوج وتجمع لولدها، وأما التي لا لك ولا عليك فامرأة قد تزوجت قبلك، فإن رأت خيراً قالت هكذا تجب وإن رأت شراً حنت إلى زوجها الأول. فقلت: ناشدتك الله ما الذي غير من أمرك ما أرى قال ألم اشترط عليك أن لا تسأل عما لا يعنيك فأقسمت عليه فقال: إني رُشّحت للقضاء فاخترت ما ترى على القضاء. قلت: وقد فعل ابن الهيثم الرياضي الفيلسوف المشهور مثل هذا وتجانّ ليكون له حرية يتمتع بها في خدمة العلم". ( مخطوطة عقلاء المجانين).
كان الإسلام شديدا مع القضاة، وهذا يفسر سبب رفض كبار العلماء المسلمين منصب القضاة رغم أهميته ومنزلته العالية. خشية من الله وتيمنا بقوله الله تعالى في سورة النساء/58 (( وإذا حكمتم ببين الناس أن تحكموا بالعدل)) التي صارت أساس الحكم ومن أمهات الآيات. قال الإمام الشوكاني" هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع والعدل هو: فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا الحكم بالرأي المجرد ، فإن ذلك ليس من الحق في شيء إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص".
وضع المسلمون الأوائل شروطا صعبة لمن يتولى القضاء، لا يتوفر شرط واحد منها في قضاة العراق اليوم! من هذه الشروط، أن يكون حافظا لكتاب الله أو يعرف كل ما فيه من أحكام، وأن يتمسك بكتاب الله في أحكامه، وأن يكون عالما بأمور الفقه والشريعة ويصل إلى مرتبة الاجتهاد، وأن لا يسعى لمنصب القضاء بل يُطلب منه توليه، أن يكون بعيدا عن الأهواء والميول، لا يقبل الرشوة والمحاباة وموالاة الحكام، علاوة على بقية الصفات المتعلقة بالشخصية كالذكاء والفطنة والسلامة العقلية والجسدية والذهن الحاضر، والقدرة على التحليل والاستنباط والفراسة وغيرها. لذا يمكن الجزم بأن قضاة العراق أبعد ما يكونوا عن هذه الشروط، فهم من نتاج المندوب السامي الأمريكي بول بريمر. شُكلت المحكمة الاتحادية العليا الحالية بموجب الامر رقم 30 لقوات الاحتلال الامريكي عام 2005 وتم نشره في جريدة الوقائع العراقية في عددها 3996 في 17/3/2005 اي قبل استفتاء الشعب العراقي على الدستور في 15/10/2005 . ينص الدستور العراقي في المادة 92 الفقرة/2 " تتألف المحكمة الاتحادية العليا من القضاة وخبراء في الفقه الاسلامي يحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم بقانون يسن بأغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب". اين خبراء الفقه الإسلامي؟ اين عدد القضاة. ماهي لآلية انتخابهم؟ متى تنتهي خدمتهم ويستبدلوا؟
لذا ليس من المستغرب ان يستشهد القاضي العراقي محمود الحسن بالقول (العدل أساس الملك) ويعتبره نصا من القرآن الكريم! علما أن هذا القاضي الهزيل سبق ان وزع سندات أراضي للناخبين شريطة انتخاب المالكي، وتبين انها غير صحيحة وعوقب عن جريمة التحايل على المواطنين بغرامة مالية بسيطة! هذا القاضي من أبرز القضاة على الساحة اليوم. وزميله القاضي ماجد الأعرجي، الذي حكم في قضية سبايكر، وأغرب ما في مسرحيته القضائية إنها خلت من المحامين والشهود، بل أن احد المتهمين اعترف بأنه قتل (1000) من الجنود في معسكر سبايكر، والله أعلم ما الذي تعرض له هذا المتهم المسكين ليقدم اعترافا غير معقول يثير الشفقة عليه وليس التهمة! الأغرب منه إن (6) من المحكومين بالإعدام من ما مجموعه (24) محكوم ـ جميعهم من أهل السنة بالطبع ـ كانوا غير موجودين أصلا في سبايكر عند الهجوم وتنفيذ المجزرة! كما مُنع المتهمون من توكيل محامين عنهم بحجة ان الجريمة ثابتة عليهم! وعندما طلب أحد ذوي قتلى سبايكر اعدامهم دون الحاجة إلى محاكمة! طمأنه قاضي آل البيت بقوله" اصبر علينا شوية وخلي الشغلة تمشي"! وكانت لغة القاضي في المحكمة طائفية ولغة أولاد الشوارع ممن تربوا في المباغي وعلب الليل. وقِس على ذلك بقية القضاة!
هذه بعص من الممارسات الخاطئة للمحكمة الاتحادية العليا استقيتها من دراسة مهمة جدا يبدو انها معدة من قبل رجل اختصاص في القانون الدستوري والقانون الدولي مع التصرف.
ـ اصدرت المحكمة الاتحادية عام 2006 حكما بأن الهيئات المستقلة تتبع لمجلس النواب فقط.
وفي عام 2011 ألغت حكمها السابق، على اعتبار ان لهيئات المستقلة تتبع السلطة التنفيذية وليس مجلس النواب.
ـ بتأثير رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي اعتبرت عام 2010 الكتلة النيابية الاكبر هي التي يتم تشكيلها في الجلسة الاولى من الدورة البرلمانية الجديدة، وهذه البعة ابتدعها القاضي مدحت المحمود بالتعاون مع نوري المالكي للتنكيل بكتلة أياد علاوي التي فازت بالانتخابات. وفي عام 2022 غيرت حكمها لخدمة كتلة شيعية معينة.
ـ اتخذت من المحاباة السياسية طريقا لأحكامها، مثلا قرر رئيس منظمة بدر (هادي العامري) منح ابن رئيس المحكمة الاتحادية جاسم المعموري منصب محافظ ديالى التي تخضع لسطوته، مع ان عمه لا يتناسه قانونا مع منصب المحافظ. وألغي القرار بعد الضجة التي اثارها. وسبق ان اعترف العامري بأن المحكمة والقضاة يخضعون لإرادة السياسيين، بمعنى ان منصب المحافظ كان مقابلة بالمثل (شيلني واشيلك) لتعاون المعموري معه.
ـ عندما اقال رئيس مجلس الوزراء السابق (حيدر العبادي) نواب رئيس الجمهورية الثلاثة، لم تعترض المحكمة بمعنى انها وافقت على قرار العبادي، ولكن بتأثير نوري المالكي اعادت النواب الثلاثة لرئيس الجمهورية في عام 2016
ـ ذكر النائب السابق مشعان الجبوري في لقاء تلفزيوني ان رئيس المحكمة العليا جاسم المعموري هدده بضرورة خروجه من التحالف الثلاثي الذي كان ينافس الاطار التنسيقي على تشكيل الحكومة في الانتخابات الاخيرة وهذا يعني ان رئيس المحكمة من الاطار التنسيقي الشيعي، وهذا يتنافى مع استقلالية القضاء.
ـ أصدرت المحكمة العليا عام 2013 حول عند اختصاصها بموضوع (المناطق المتنازع عليها)، لكنها عارضت نفسها عندما عرفته عام 2017 " الاراضي التي كانت تدار من قبل حكومة اقليم كوردستان بتاريخ 19/3/2003". وبعدها غيرت رأيها وعرفته" ان المناطق المتنازع عليها هي التي لم تكن تدار من قبل حكومة اقليم كوردستان في 19/3/2003 ".
مع اختلاف الزمان والمكان وتطور المجتمعات البشرية وتغير طبائع البشر، وحدوث الثورات التي أفرزت دساتيرا مهمة للأمم، لم تزل مهمة القضاء عسيرة، بالرغم من صدور قوانين وضوابط تسهل مهمة القاضي إلى أبعد الحدود. وقد تضمنت معظم دساتير الدول نصا بفصل السلطات الثلاث عن بعضها البعض لضمان الاستقلالية في العمل. ورغم أهمية السلطة التشريعية باعتبارها أعلى سلطة في البلد، لكن الفصل في الخلافات الدستورية أوكل إلى السلطة القضائية. ونظرا لما يتمتع به القضاء من دعم أو نقض قرارات السلطتين التشريعية والتنفيذية، لذلك غالبا ما تغازل السلطة التنفيذية السلطة القضائية لتتلافي معارضتها أو تؤمن جانبها على أقل تقدير.
في العراق المحتل كانت السلطة القضائية واحدة من فصول مهزلة المحاصصة الطائفية التي حاكتها إدارة الاحتلال، وصاغتها ضمن دستور هو أشبه ما يكون بحقل الألغام. مع إن الدستور العليل نفسه قد فصل بين السلطات الثلاث وقضى باستقلاليتها، لكن الحقيقة هي خلاف ذلك. فالسلطة القضائية والسلطة التشريعية أشبه بمداسين متهرئين تحتذيهما السلطة التنفيذية في العراق. التجربة القضائية في العراق الجديد تُعد من المضحكات المبكيات. وبقدر ما هي مهزلة فإنها فاجعة في الوقت ذاته. لأنها أحكامها تجافي تعاليم الدين وروح الدستور والقيم الأخلاقية والانسانية. إن القضاء العراق المحتل يعتمد على وشايات المخبر السري ويؤمن له الحصانة التامة، ولا يوجب إحضاره خلال المحكمة ليدلي بشهادته، قضاء اوهن من خيوط العنكبوت. المخبرون السريون هم من أرذل وأجهل الناس، إنهم جواسيس الحكومة على شعبها، وظيفتهم الافتراء والكيد والوشاية على الناس الأبرياء، بعيدا عن رقابة الدين والضمير. رزقهم مغمس بدماء الأبرياء.
كثير من العراقيين ينتقدون السلطة التنفيذية على فسادها المالي والإداري والأخلاقي الذي أزكم الأنوف، لكنهم نسوا بأن السلطة القضائية هي التي تقف وراء هذه المهازل جميعا، وذلك عندما أقصت الكتلة الفائزة في الدورة الانتخابية الأولى بقيادة أياد علاوي وجيرت الشيك المزور لصالح سلطان الطائفية نوري المالكي. من أول يوم باعت السلطة القضائية جسدها للسلطة القضائية وتصرفت كالبغايا. توالت وتكاثرت فضائحها يوما بعد يوم. فهناك عشرات الألوف من المعتقلين الأبرياء تحت ظلال التعذيب في المعتقلات دون مذكرات قضائية، ولكن برضا السلطة القضائية الساكتة بل والناكرة وجودهم، ووجود السجون السرية والاعتقالات العشوائية والتعذيب والاغتصاب في السجون، والتغاضي عن حيتان الفساد الكبيرة وحالات التزوير عند كبير من النواب والوزراء، وهي تغض النظر عن حرائق ملفات الفساد في مؤسسات الدولة الفاشلة، وتبرأ كبار اللصوص والمجرمين.
إن القضاء الذي برأ المجرمين واللصوص وحدٌ أسنانه الصفراء الكاسرة على المستضعفين الذي ليس لهم إلا العناية السماوية لا يُجدى منه خيرا. إنه قضاء الحكومة وليس قضاء الشعب. هذا القضاء المسيس ربما يبدو طبيعيا في الدول الفاشلة والتي يحكمها سفلة المجتمع، لأنه في الدولة الفاشلة يكون بناء السلطة القضائية واهيا مثل خيط العنكبوت يقع في شباكه الصغار ويفلت منه الكبار. هذا ما شهدناه في قضائنا المسيس كليا لشيعة السلطة، فهم يمتطون القضاء كأنه جحش الحكومة، يمكن القول بصراحة إن القضاء يصطبغ بنفس صبغة الحكومة الطائفية، وهذا ما لاحظناه بوضوح في قضية النائب أحمد العلواني الذي سجنه نوري المالكي قبل أن يصدر القضاء مذكرة بحقه، بل جاءت المذكرة بعد الاعتداء عليه كإسقاط حجة لا أكثر! وقُتل أثناء اعتقاله عددا من أفراد عائلته وعناصر حمايته. بالطبع لم يعتقل أي من قطعان المالكي عن جريمتهم النكراء. الطريف إن اللجنة القانونية في البرلمان تشير إلى الازدواجية في احكام القضاء بقولها" مشعان الجبوري كان قبل مدة من المطلوبين للقضاء كونه يمتلك قناة تشجع على الارهاب، لكنه الان سيشارك في الانتخابات القادمة بعد ان تمت تبرئته من هذه التهم، بعد تقربه من الحكومة". قاعدة ديمقراطية جدا في دولة القانون وهي: كلما تقربت من الحكومة، كلما أمنت جانب القضاء! بل ان قاضي النزاهة حيدر حنون اعترف في مؤتمر صحفي من أربيل في 4/9/2024 " بأن رئيس الحكومة السابقة مصطفى الكاظمي وزع أراضي بمساحة 600 متر مربع لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى، ورئيس واعضاء المحكمة الاتحادية العليا والوزراء لشراء الولاء، وقبلناها، والجميع تسلمها".
لا أحد يشك بأن القضاء العراقي هو الفصل الثالث من الكوميديا الهزلية لما يسمى بالعملية السياسية، وعلى الرغم من كل الشوائب التي لازمت القضاء العراقي منذ الغزو الغاشم لحد الآن، الا ان القضاء تمكن من مجابهة وسحق كل المطالب الشعبية المطالبة بتغييره من القمة الى القاع الآسن، سيما ان المحكمة الدستورية العليا وملحقاتها التمييزية والاستئناف وغيرها تسيطر عليها الأحزاب الشيعية الحاكمة، لذا لا عجب ان يكون هذا القضاء المسيس مع (الفاسدين الشيعة) متسامحا وغفورا، لكنه من (الفاسدين السنة) طاغية شديد العقاب. إنه مع المتهمين الإيرانيين متساهل ورحيم، ومع المتهمين العراقيين والعرب جلف وقاسي لا يعرف الشفقة. قضاء مع المسؤولين المفسدين له صبر أيوب، لا يصدر احكامه القضائية الا بعد التأكد من هروب المسؤولين الفاسدين مع ملياراتهم خارج العراق وأنهم أصبحوا بمنأى عن ملاحقة السلطات العراقية، ولكنه متسرع عجول في إصدار احكامه السهلة مع مصادر القوى النافذة على الساحة السياسية، فجلسة النائب مشعان الجبوري، ورئيس البرلمان السابق الولائي سليم الجبوري لم تستغرق أكثر من ساعة من ضمنها تناول القهوة والحلوى ومناقشة الأحداث الجارية مع قاضي القضاة السابق مدحت المحمود صاحب فكرة البيعة الأبدية للرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
للحديث تابع.. بعون الله.
القضاء العراقي متهم في محكمة الشعب1/4
2026-10-03
50 قراءة
مقالات رأي
علي الكاش
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال