بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

قانون عمره 111 سنة و مازال يحكمنا : هل نعيش في في القرن 21 بمجلة جزائية من 1913. !!!

2026-10-02 45 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تونس بلد غريب في علاقته بالقانون،نغير الحكومات ونغير الشعارات ونغير الوجوه ونفتح كل يوم معركة جديدة حول المستقبل لكننا ننسى ان الدولة نفسها ما زالت تحمل في ادراجها نصوصا ولدت في عالم لم يكن يعرف التلفزيون ولا الهاتف الجوال ولا الانترنت ولا الذكاء الاصطناعي ولا المواطن الذي يستطيع في دقيقة واحدة ان يرسل معلومة الى مليون شخص.

اصل المجلة الجزائية يعود الى 9 جويلية 1913.
لا ليست النكتة في ان النص قديم فالقانون القديم ليس بالضرورة قانونا سيئا كما ان القانون الجديد ليس بالضرورة قانونا عظيما. النكتة الحقيقية اننا لم نتعامل مع هذا النص باعتباره كائنا حيا يجب ان يعاد بناؤه من حين الى آخر بل تعاملنا معه في الغالب بمنطق الترقيع بفصل هنا و تعديل هناك و اضافة في هذه الزاوية و حذف في تلك الزاوية ثم نطلب من المواطن في النهاية ان يتصرف كأنه يسكن داخل عقل المشرع نفسه.

وهكذا اصبح لدينا شيء يشبه المدينة القديمة بازقة من قرن مضى و مبان جديدة ملتصقة بها و اسلاك معلقة في كل مكان و ابواب لا نعرف الى اين تؤدي وبعضها فتح على غير ما كان يقصده صاحبه.
المشكلة اذن ليست ان المجلة الجزائية قديمة.
المشكلة انها تاريخ متراكم داخل نص يفترض ان يكون منظومة واحدة.
وهذه ليست مسألة تقنية تخص المحامين وحدهم لان القانون الجنائي تحديدا هو اخطر مكان يمكن ان نسمح فيه بالغموض.
في الاقتصاد النص الرديء قد يكلفك مالا و في الادارة قد يكلفك موعدا او ملفا اما في القانون الجنائي فقد يكلفك حريتك.
لذلك عندما يقول لك النص الاخلاق الحميدة او الآداب العامة او الفحش يبدو الكلام في ظاهره جميلا ومحترما ومطمئنا. لكن القانون ليس خطبة اخلاقية. القانون يجب ان يقول لك بدقة ماذا فعلت حتى تستحق العقاب.

لان السؤال الذي يختبئ وراء هذه الكلمات هو من يحدد الحميد ومن يحدد القبيح؟ ومن يحدد الفاحش؟ وهل ما كان يعتبر صادما قبل عشرين عاما ما زال كذلك اليوم؟ وهل يجوز ان نضع مصطلحا مطاطيا في قانون يمكن ان ينتهي بصاحبه الى السجن؟
هنا بالضبط تبدأ السياسة الجنائية الجادة فليس كل ما نكرهه جريمة وليس كل ما يخالف ذوقنا العام يستحق زنزانة.

ثم انظروا الى المفارقة الاكبر نحن ندخل القرن الرقمي بالقانون الورقي.
بعض النصوص تتحدث عن الرسائل والتلغراف والكتابات بينما المواطن اليوم يحمل في هاتفه ارشيفا كاملا لحياته برسائل و صور و ملفات و محادثات و حسابات و كلمات سر و معلومات صحية و علاقات شخصية وبيانات يمكن ان تنتقل من قارة الى قارة في اقل من ثانية.

التلغراف مات منذ زمن لكن السؤال القانوني الذي خلفه لم يمت بل صار اكثر خطورة.
من يملك حق فتح رسالتك الرقمية؟من يملك حق نسخها؟
من يملك حق الاحتفاظ بها؟من يملك حق نشرها؟
ومتى يصبح الاطلاع عليها مشروعا؟وهل تكفي كلمة هاتف لكي نعتقد اننا حدثنا القانون؟بالطبع لا.

لقد تغيرت طبيعة الحياة نفسها ولذلك يجب ان يتغير مفهوم السرية نفسه و لم تعد الخصوصية ورقة في ظرف. الخصوصية اليوم قد تكون ملفا كاملا على خادم في بلد لا تعرف حتى اسمه.
وهنا نصل الى الكارثة الحقيقية: القانون لا يعيش وحده.

هناك المجلة الجزائية وهناك مجلة الاتصالات وهناك نصوص خاصة وهناك قواعد للمعطيات الشخصية وهناك نصوص جديدة لمواجهة الجريمة الالكترونية وكل نص يجر خلفه قاموسه واستثناءاته وتاريخه.
وفي النهاية بدل ان يكون القانون خريطة يتحول الى متاهة.
والمواطن في المتاهة لا يعرف دائما اين تنتهي حريته واين تبدأ الجريمة.
ثم نأتي الى الكلام والكلام اليوم لم يعد كلاما ،الكلام اصبح صاروخا.
منشور صغير يمكن ان يهدم سمعة انسان وتسجيل مدته 30 ثانية يمكن ان يشعل مدينة واشاعة واحدة يمكن ان تسبق القضاء نفسه.
ولهذا تصبح جرائم القذف والنميمة والوشاية الكاذبة اكثر تعقيدا من الماضي فلم يعد يكفي ان نقول هذا قذف وهذا تشهير وانتهى الامر.
علينا ان نميز بين النقد والاتهام بين الرأي والخبر بين الخطأ والكذب المتعمد وبين الشبهة والوشاية الكاذبة.
والاهم من ذلك كله ان نفهم قاعدة بسيطة لكنها خطيرة:
عدم اثبات الاتهام لا يعني تلقائيا ان صاحبه كاذب.

فاذا ابلغ مواطن عن شبهة فساد ولم يستطع القضاء اثباتها فلا يجوز ان يتحول عجز الدولة عن الاثبات الى دليل على كذب المواطن وإلا فسنصل الى نتيجة عبثية بأن يصبح المواطن خائفا من المجرم ثم يخاف من الدولة اذا تكلم عن المجرم.
وهنا لا تعود المسألة قانونا فقط بل تصبح مسألة ثقة.

ثم هناك الوجه الآخر للدولة ،الدولة التي تملك حق القبض والسجن يجب ان تكون اول من يخضع للقانون ولهذا فان النصوص التي تحمي الانسان من الاحتجاز غير المشروع ليست ترفا حقوقيا ولا زينة دستورية انما جوهر الدولة نفسها.
لان الدولة التي تستطيع ان تسجنك بلا قانون ليست قوية
انما فقط اقوى منك اما الدولة القوية حقا فهي التي تملك القوة ثم تضع لها قيدا وهذا فرق هائل.

ثم نصل الى المنطقة التي يخاف الجميع من لمسها و هو الجسد والجنس والاخلاق والعائلة.
هنا ترتفع الاصوات وتنخفض العقول.
الزنا والبغاء والوساطة والاخلاق العامة والعلاقات الخاصة... كلها تختلط في سلة واحدة ثم يأتي احدهم ويصرخ شددوا العقوبة ....لكن لحظة فالقانون الجنائي ليس واعظا دينيا ولا شيخ ولا شرطي اخلاق بل وظيفته ان يحمي المجتمع من الافعال التي تستوجب فعلا تدخله.
الاكراه شيء و الاستغلال شيء و الاتجار بالبشر شيء و الاعتداء على طفل شيء و العنف شيء اما تحويل كل نزاع اخلاقي او عائلي الى قضية جنائية فهذه قصة اخرى.

فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بعدد الجرائم التي تجرمها بل ايضا بقدرتها على معرفة ما الذي يجب الا تجرمه.
وهذه هي النقطة التي يخاف منها المشرع اكثر من غيرها لان التشريع ليس فقط شجاعة ان تقول ممنوع.
احيانا التشريع يحتاج شجاعة اكبر كي يقول هذا ليس من شأن السجن.
ومن هنا نصل الى الفقر و خذوا التسول مثلا.
هل الفقير مجرم؟طبعا لا.
القانون يتدخل في صور محددة من التسول الاحتيالي او استغلال الاطفال وهذا فرق جوهري بين معالجة الفقر وبين معاقبة الاستغلال لان الدولة التي ترى الفقر جريمة تكون قد ارتكبت خطأين في وقت واحد لانها لم تعالج الفقر ثم عاقبت ضحيته.
اما التحرش الجنسي فالقصة مختلفة فهنا نحن امام حماية حقيقية للضحية وقد تطورت الاحكام وتشددت في حالات معينة خصوصا عندما يتعلق الامر بالاطفال او بعلاقة سلطة او استغلال نفوذ.
وهذا يكشف شيئا مهما أنه ليس المطلوب ان نهدم كل القديم بل ان نفرز.نص يبقى و نص ينقح و نص يعاد بناؤه ونص انتهى عمره السياسي والاجتماعي والقانوني فيخرج بلا جنازة طويلة و هذه هي الجراحة التشريعية التي نحتاجها.
لا مزيدا من المساحيق.

ثم تأتي الفضيحة الاكبر باننا نعرف ان المجلة قابلة للتغيير وقد رأينا ذلك بالفعل ففي 2025 مثلا وقع تنقيح الفصلين 96 و98 المتعلقين ببعض صور استغلال الصفة والاضرار بالادارة والرد.
اذن ليست المشكلة في ان المشرع عاجز عن لمس المجلة.
المشكلة اننا نلمسها كثيرا ولا نعيد بناءها بما يكفي
نحن نمارس سياسة الترقيع التشريعي وهذه السياسة لها فلسفة ضمنية خطيرة تقول اترك البيت كما هو و اصلح النافذة التي كسرت اليوم واترك السقف يسقط غدا.

لكن القانون ليس بيتا خاصا بل هو بيت الجميع.
ولهذا نحتاج الى لحظة سياسية وتشريعية نادرة، لحظة نفتح فيها المجلة الجزائية كلها لا فصلين ولا ثلاثة ونضع امامها اسئلة قاسية.
ما الذي لم يعد له معنى؟ما الذي اصبح غامضا؟ما الذي يتعارض مع غيره؟ما الذي يحتاج الى عقوبة مختلفة؟
ما الذي يجب ان ينتقل من الجنائي الى المدني؟ما الذي يحتاج الى تشديد؟وما الذي يجب ان يخرج من السجن اصلا؟
لان السجن ليس حلا سحريا ،السجن مؤسسة لها كلفة اجتماعية ومالية ونفسية ولذلك يجب ان يكون استعمالها محسوبا خصوصا عندما يكون الضرر قابلا للاصلاح بعقوبة مالية او مدنية او ادارية بينما يجب ان تكون الدولة شديدة الحزم حيث توجد الجرائم الخطيرة كالعنف و الاتجار بالبشر و الاعتداء على الاطفال و الجريمة المنظمة و غسل الاموال و الفساد والجرائم الالكترونية.

القوة ليست في ان تسجن الجميع بل في ان تعرف من تسجن ولماذا ومتى وبأي قانون.
وهنا نصل الى السؤال الذي يجب ان يزعجنا جميعا
كيف نطلب من المواطن احترام القانون بينما القانون نفسه متشعب الى هذا الحد؟
كيف نطلب منه ان يعرف حقوقه وهو يحتاج احيانا الى متخصص لكي يعرف اي نص ما زال نافذا؟
كيف نطالبه بالثقة في دولة لا تجعل القانون في متناول فهمه؟
القانون الذي لا يفهمه المواطن يتحول تدريجيا الى لغة خاصة بالسلطة والمحامين والقضاة وهنا تحدث المصيبة.

لان القانون يفقد وظيفته الاولى بان يكون قاعدة معلومة قبل ان يكون عقوبة و نحن لا نحتاج الى مجلة جزائية اكثر خوفا بل نحتاج الى مجلة جزائية اكثر وضوحا.
لا نحتاج الى مئات الفصول التي تتراكم مثل طبقات الغبار بل نحتاج الى نصوص قليلة دقيقة مفهومة متناسقة و تعرف حدودها كما تعرف الدولة حدودها.

ولهذا فان الاصلاح الحقيقي لا يبدأ بسؤال اي فصل نعدل؟
بل يبدأ بهل هذه المجلة بصيغتها الحالية ما زالت تصلح ان تكون الدستور اليومي للعقوبة في تونس؟

اذا كان الجواب نعم فليثبتوه واذا كان الجواب لا فليمتلكوا شجاعة الاعتراف.
لان اسوأ ما يمكن ان نفعله بالقانون هو ان نقدسه خوفا من تغييره فالقانون ليس قرآنا والدولة ليست متحفا والمجتمع الذي تغير مائة مرة لا يمكن ان يحكمه عقل تشريعي يكتفي كل مرة بطلاء الجدران.
نحن لا نحتاج الى تنقيح جديد للمجلة الجزائية بقدر ما نحتاج الى ثورة هادئة داخلها بتنظيف و حذف و توحيد و اعادة صياغة ثم بناء قانون يعرف القرن الذي يعيش فيه.

اما ان نبقى نركب سيارة 2026 بمحرك تشريعي تتدلى منه اسلاك 1913 ثم نستغرب لماذا يتوقف بنا الطريق كلما تغير العالم فالمشكلة عندئذ ليست في الطريق.
المشكلة اننا نصر على قيادة المستقبل بعينين معلقتين في مرآة الماضي.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال