بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

إعادة بناء السياسة الوطنية للشأن الديني في تونس: الحوكمة متعددة القطاعات وإدارة التراث الروحي والمعرفي كرافعة للهوية والقوة الناعمة

2026-09-28 95 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تونس لا ينقصها الدين ولا التاريخ ولا المؤسسات ولا البشر ما ينقصها هو العقل الذي يعرف كيف يجمع هذه الثروة المبعثرة في مشروع دولة.

هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نبدأ منها إذا أردنا أن نتحدث بجدية عن وزارة الشؤون الدينية في تونس.

فالمسألة ليست وزارة أخرى في حكومة مثقلة بالوزارات وليست مجرد ملف أئمة ومساجد وحج وكتاتيب وليست معركة بين من يريد توسيع حضور الدين ومن يريد تقليصه. المسألة أعمق من ذلك بكثير فنحن أمام جزء من الذاكرة الوطنية وأمام شبكة بشرية وعمرانية ومعرفية تمتد من جامع الزيتونة إلى القيروان ومن المساجد المنتشرة في المدن والقرى إلى الكنائس والمعابد اليهودية ومن الجامعة إلى المدرسة ومن الشباب إلى السياحة والثقافة ومن التراث إلى الدبلوماسية والقوة الناعمة.

والمفارقة أن هذه الثروة كلها موجودة لكنها موزعة بين مؤسسات الدولة كما لو أن كل مؤسسة تعيش في تونس أخرى.

وفق المعطيات الرسمية إلى أكتوبر 2025 تدير الدولة 5267 جامعا و1477 مسجدا أي 6744 معلما دينيا وتشير معطيات ميزانية 2024 إلى نحو 20900 إطار مسجدي.

هذه ليست أرقاما إدارية عابرة بل هي شبكة وطنية ضخمة تمتد داخل الأحياء والقرى والمدن وتمتلك حضورا يوميا في حياة ملايين المواطنين.
ومع ذلك ما زال التفكير في جزء كبير من هذه الشبكة يدور حول الصيانة والتعيينات والخطب والمواسم والحج والملفات الإدارية وكأن الدولة تنظر إلى المسجد باعتباره مبنى ينبغي أن يبقى مفتوحا للصلاة ثم يغلق أبوابه لا باعتباره مؤسسة اجتماعية وثقافية يمكن أن تنتج المعرفة والثقة والتكافل والانتماء ، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

تونس ورثت مؤسسة دينية أكبر من الوزارة التي تديرها وورثت تاريخا أوسع من الهيكل الإداري الذي يحتويه.

منذ تأسيس القيروان لم يكن المسجد مجرد مكان للعبادة ومنذ الزيتونة لم يكن التعليم الديني مجرد تلقين للنصوص. كانت المؤسسة الدينية جزءا من صناعة المعرفة وكانت المدينة الدينية جزءا من الاقتصاد والحياة العامة وكانت الأوقاف تؤدي وظائف اجتماعية وكانت حلقات العلم تصنع النخب وكانت المساجد فضاءات للتواصل والتكافل والتكوين.

ثم جاءت الدولة الحديثة فأعادت ترتيب المجال الديني داخل جهاز إداري وكان لذلك منطقه التاريخي لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التنظيم الإداري من وسيلة لخدمة المجتمع إلى غاية في حد ذاته وعندما يصبح نجاح المؤسسة مقاساً بعدد الملفات التي أغلقتها لا بحجم القيمة التي صنعتها وهنا يجب أن يكون السؤال صريحا هل نريد وزارة شؤون دينية تدير الموجود أم نريد دولة تعرف ماذا تفعل بكل هذا الموجود؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الإدارة والحوكمة فالحوكمة لا تبدأ من سؤال أي وزارة تملك هذا الملف؟
بل تبدأ من سؤال آخر ما النتيجة التي تريد الدولة تحقيقها؟ ومن يملك الأدوات اللازمة لتحقيقها؟ ومن ينسق بينهم؟ ومن يحاسب عندما لا تتحقق النتيجة؟وهذا بالضبط ما ينقص تونس.
فالسياحة الثقافية والدينية من اختصاص وزارة السياحة والتراث من اختصاص وزارة الشؤون الثقافية والهياكل التابعة لها وجامعة الزيتونة ضمن منظومة التعليم العالي والمناهج التعليمية في المدارس من اختصاص وزارة التربية والبرامج والزيارات الشبابية من اختصاص وزارة الشباب والرياضة والتعاون الدولي والدبلوماسية من اختصاص وزارة الشؤون الخارجية بينما تتولى وزارة الشؤون الدينية إدارة الشأن الديني الإسلامي والمؤسسة الدينية التابعة لها.

كل ذلك يمكن أن يكون صحيحا من الناحية الإدارية لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول صحة الاختصاص الفردي إلى غياب للرؤية الجماعية.
وزارة السياحة قد تنظر إلى القيروان باعتبارها منتجا سياحيا ووزارة الثقافة باعتبارها تراثا والتعليم العالي باعتبارها موضوعا أكاديميا والشؤون الدينية باعتبارها مدينة ذات قيمة دينية والشباب باعتبارها وجهة للزيارات والخارجية باعتبارها مجالا للتعاون الدولي.
لكن من ينظر إليها باعتبارها مشروع دولة متكاملا؟

هنا تحديدا يجب أن تتوقف تونس عن التفكير في إعادة توزيع الوزارات وأن تبدأ في التفكير في إدارة السياسات العامة العابرة للوزارات.
لا نحتاج إلى وزارة ضخمة تجمع الثقافة والسياحة والتعليم والشباب والخارجية والشؤون الدينية.
ستكون تلك كارثة بيروقراطية جديدة ولا نحتاج إلى نقل جامعة الزيتونة قسرا إلى وزارة الشؤون الدينية ولا إلى انتزاع التعليم الديني من وزارة التربية ولا إلى تحويل الدبلوماسية إلى جهاز ديني مواز لوزارة الخارجية.

ما نحتاجه هو سياسة وطنية للدين والتراث الروحي والهوية والقوة الناعمة تقرها الحكومة ضمن رؤية متعددة السنوات و.يُنسق تنفيذها عبر [مجلس وطني للسياسة الدينية والتراث الروحي] على مستوى رئاسة الحكومة.

لا يكون هذا المجلس وزارة جديدة ولا سلطة فوق المؤسسات الدينية ولا جهازا للتدخل في العقائد بل غرفة قيادة للسياسة العامة تحدد الأهداف وتوزع المسؤوليات وتربط الميزانيات بالمشاريع وتضع مؤشرات الأداء وتتابع التنفيذ وتنشر النتائج.

وزارة الشؤون الدينية تقود ما يخص المؤسسة الإسلامية ووزارة الثقافة تقود التراث و وزارة السياحة تطور المنتجات والمسارات و التعليم العالي يقود الجامعة والبحث و التربية تقود التعليم المدرسي و الشباب يقود البرامج الشبابية و الخارجية تقود التعاون الدولي.

وكل وزارة تبقى صاحبة اختصاصها لكن لا واحدة منها تعمل وحدها عندما يكون المشروع وطنياً ومشتركا.

وزارة واحدة تقود كل ملف لكن الدولة كلها تعمل عندما يكون الهدف وطنيا ، ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي لهذه الفكرة ماذا نفعل بالمسجد؟

لدينا 6744 جامعا ومسجدا لكن السؤال ليس كم منها يحتاج إلى طلاء أو ترميم بل كم منها ينتج معرفة؟
كم منها يقدم خدمة اجتماعية؟ كم منها يحتضن الشباب؟
كم منها يملك مكتبة؟ كم منها يقدم تعليما للكبار؟
كم منها يربط المواطن بالمؤسسات الاجتماعية؟
كم منها يستعمل التكنولوجيا؟ كم منها يملك برنامجا سنويا؟ وكم منها يعرف عدد المستفيدين من أنشطته؟

فإذا كانت الدولة تملك شبكة بهذا الحجم فإن إدارة المباني وحدها لا تكفي و المطلوب هو أن نسأل كيف نحول جزءا من هذه الشبكة إلى قيمة اجتماعية ومعرفية حقيقية من دون أن نخلط بين وظيفة المسجد ووظائف المدرسة والمستشفى والإدارة و من هنا يأتي مفهوم المسجد المركب.

ليس كل مسجد بحاجة إلى أن يتحول إلى مجمع ضخم وليس المطلوب تحويل المسجد إلى مدرسة أو مستشفى أو مركز تشغيل لكن المساجد الكبرى أو الواقعة في مناطق ذات حاجات محددة يمكن أن تجمع بين العبادة والتعليم والثقافة والخدمة الاجتماعية في إطار واضح وتحت إشراف المؤسسات المختصة.

مكتبة قاعة مطالعة، تعليم القرآن والعربية واللغات محاضرات، برامج للشباب، تعليم للكبار، إرشاد أسري، توجيه اجتماعي، فضاء للزكاة والصدقات، وربما برامج للمهارات الرقمية أو التكوين بالتعاون مع مؤسسات الدولة المختصة.

في منطقة داخلية قد يصبح المسجد مركزا للمعرفة والتكوين وفي حي هش قد يكون بوابة إلى منظومة التكافل وفي مدينة جامعية يمكن أن يصبح فضاء للحوار والمعرفة وفي مدينة تاريخية يمكن أن يرتبط بالتراث.
وفي كل الحالات يبقى المسجد مسجدا ولا يحل محل مؤسسات الدولة.

هذه هي الفكرة ،لا نريد مسجدا أكبر بل نريد مسجدا أكثر فائدة.
لكن المسجد مهما اتسعت وظيفته الاجتماعية لا يستطيع أن يعمل من دون موارد وهنا ننتقل من سؤال وظيفة المؤسسة إلى سؤال مصادر القوة التي يمكن أن تستند إليها.

هناك موارد اجتماعية ودينية موجودة أصلا وفي مقدمتها الزكاة والصدقات.
وهذا الملف لا يحتمل العشوائية ولا الشعارات
إذا أرادت الدولة أن تجعل الزكاة والصدقات جزءا من الاقتصاد الاجتماعي فلا بد من منظومة شفافة ورقمنة كاملة وحسابات واضحة وتدقيق مستقل ونشر دوري للموارد والمصروفات والنتائج وفق الإطار القانوني المعتمد.
لا يكفي أن نقول إن المال ذهب إلى الفقراء.
بل كم أسرة استفادت؟ كم مريضا عولج؟ كم طالبا حصل على منحة؟ كم شابا دخل مشروعا؟ كم شخصا خرج من دائرة الحاجة؟

يمكن أن تتجه الموارد وفق القانون والأحكام الشرعية إلى الإغاثة والعلاج والمنح الدراسية والتكوين والمشاريع الصغرى ومساندة الأسر الهشة والإدماج الاقتصادي.

الهدف ليس تحويل الزكاة إلى وزارة مالية مصغرة وإنما الانتقال من إعانة الفقر إلى بناء القدرة على الخروج من الفقر حيث تسمح الحالة بذلك.

وهنا يمكن الاستفادة من تجارب دول أخرى ومنها سنغافورة لا لاستنساخها بل لفهم كيف يمكن إدارة الزكاة والوقف والخدمات الاجتماعية داخل منظومة مؤسساتية حديثة مع مراعاة خصوصية تونس وقوانينها ونسيجها الاجتماعي.

لكن الزكاة تعالج جانبا من المسألة عبر توجيه الموارد إلى حاجات اجتماعية قائمة أما الوقف فيفتح سؤالا مختلفا
كيف نحافظ على الأصل ونحوّله إلى مورد مستدام؟

ثم هناك الوقف ذلك الملف الذي تعاملنا معه طويلا كأنه بقايا ورقية من زمن آخر.
لكن الوقف إذا أُدير بطريقة مهنية يمكن أن يتحول إلى مؤسسة اقتصادية واجتماعية حديثة مع الفصل بين ملكية الأصل وإدارته الاستثمارية والشفافية الكاملة والتدقيق والحوكمة وعدم تحويله إلى ملكية بيروقراطية جديدة.

لماذا لا يكون للوقف دور في تمويل المنح والمكتبات والمراكز البحثية وبعض المشاريع الاجتماعية والصيانة والثقافة والتكوين؟
لماذا يبقى الأصل نائما بينما يحتاج المجتمع إلى موارده؟
الوقف ليس ماضيا عقاريا بل يمكن أن يكون رأس مال اجتماعيا للمستقبل.
لكن المبنى والمال لا يصنعان مؤسسة فالمؤسسة يصنعها الإنسان.
وهنا نصل إلى الحلقة التي يمكن أن تجعل كل ما سبق إما مشروعاً قابلا للحياة أو مجرد كلام جميل.

إذا كانت الدولة تريد مسجدا أكثر فائدة ومنظومة زكاة أكثر شفافية ووقفا أكثر إنتاجية فإنها تحتاج أولا إلى الإنسان القادر على إدارة هذه الوظائف.
ولهذا تحتاج تونس إلى أكاديمية وطنية لتكوين الإطارات المسجدية لا إلى تكوين محدود ينتهي بمجرد الالتحاق بالوظيفة.
الإطار المسجدي اليوم يخاطب شابا يعيش على الهاتف وأسرة تواجه ضغوطا اجتماعية ومجتمعا مفتوحا على العالم وأسئلة جديدة في الاقتصاد والأخلاق والعلاقات والتكنولوجيا والهوية.
لذلك يجب أن يجمع تكوينه بين العلوم الشرعية والتاريخ وعلم الاجتماع والتواصل والقانون والثقافة الرقمية واللغات ومبادئ الاقتصاد الاجتماعي ومهارات التعامل مع الشباب والأزمات مع معرفة واضحة بحدود الاختصاص وآليات الإحالة إلى المختصين.
ثم يكون المسار المهني قائما على التكوين المستمر والكفاءة والتقييم لا على الأقدمية وحدها.

الإمام الذي يحمل مسؤولية الخطاب الديني يجب أن يكون رجل معرفة وثقة لا مجرد وظيفة في جدول الأجور.

لكن تكوين الإنسان يطرح سؤالا آخر لا يمكن الهروب منه
من أين تأتي المعرفة التي سيحملها هذا الإنسان؟وهنا تظهر الزيتونة.

لا أعتقد أن الحل الحكيم هو نقل جامعة الزيتونة إداريا إلى وزارة الشؤون الدينية لمجرد أنها تحمل اسم الزيتونة.

الجامعة ينبغي أن تبقى جامعة والبحث العلمي ينبغي أن يحافظ على استقلاله الأكاديمي ووزارة التعليم العالي تبقى مسؤولة عن التعليم الجامعي.

لكن بقاء الجامعة داخل منظومة التعليم العالي لا يعني أن تعيش خارج السياسة الوطنية للمعرفة الدينية.

على العكس ينبغي أن تصبح جامعة الزيتونة أحد الأعمدة العلمية للمشروع الوطني [الدراسات الإسلامية والفقه المالكي وتاريخ الأديان في تونس والمخطوطات والدراسات الإفريقية والمتوسطية وعلم الاجتماع الديني وتكوين الباحثين وإنتاج الدراسات التي تحتاجها الدولة].

لا ننقل الزيتونة إلى الوزارة بل نعيد الزيتونة إلى قلب المشروع الوطني للمعرفة.
لكن المعرفة التي تبقى داخل الجامعة لا تصنع مجتمعا بمفردها، فإذا أردنا أن تتحول المعرفة الدينية والتاريخية إلى وعي عام فلا بد أن تصل إلى المدرسة.

التعليم الديني في المدارس ينبغي أن يبقى ضمن منظومة وزارة التربية لكن ذلك لا يمنع بناء شراكة علمية قوية مع جامعة الزيتونة ووزارة الشؤون الدينية.

الطفل التونسي ينبغي أن يعرف دينه وتاريخه لكنه ينبغي أيضاً أن يعرف تاريخ بلاده وتنوعها الحضاري والديني وأن يتعلم احترام القانون والاختلاف والآخر.

ليس المطلوب أن تتحول المدرسة إلى مؤسسة دينية ولا أن تتحول المعرفة الدينية إلى تلقين عقائدي وإنما أن تصبح المعرفة جزءا من بناء المواطن.
وعندما نقول إن المدرسة يجب أن تعلم الطفل تاريخ تونس فإننا نواجه سؤالا لا يقل أهمية عن سؤال المناهج نفسها
أي تاريخ نريد أن نعلمه؟
هل نريد تاريخا انتقائيا يروي جزءا من الذاكرة ويترك أجزاء أخرى في الظل؟ أم نريد تاريخا وطنيا قادرا على استيعاب طبقاته كلها؟
هنا تحديدا يصبح الحديث عن الكنائس والمعابد اليهودية جزءاً من صلب المشروع لا هامشا عليه.

تونس بلد ذو أغلبية مسلمة وهذه حقيقة تاريخية واجتماعية والزيتونة والقيروان جزء جوهري من هويتها لكن تونس أيضاً أرض عاشت عليها جماعات يهودية ومسيحية وتركت فيها معابد وكنائس ومقابر ومخطوطات وعمارة وذاكرة اجتماعية.

هذه ليست أجساما غريبة ينبغي إخفاؤها من الرواية الوطنية وليست أيضا أدوات لإعادة تعريف هوية البلاد بل هي طبقات من تاريخ تونس.

المسجد مسجد والكنيسة كنيسة والمعبد اليهودي معبد يهودي لا نخلط العقائد ولا الشعائر ولا المؤسسات ولا نضع الأديان في سلة إدارية واحدة.

لكن الدولة تستطيع بل ينبغي لها أن تحمي حرية المعتقد وممارسة الشعائر وأن تصون التراث الديني وأن تضمن تطبيق القانون على الجميع وأن تمنع الاعتداء والكراهية والتمييز.
وهنا يكون إنشاء محور وطني للتراث الديني والتنوع الحضاري داخل الاستراتيجية العامة أكثر عقلانية من إنشاء وزارة للأديان.
وزارة الثقافة تحمي التراث و وزارة السياحة تطور المسارات و وزارة التربية تعرّف الأجيال بتاريخ البلاد و وزارة الشباب تجعل المعرفة تجربة ميدانية و وزارة الخارجية تستخدم هذا الرصيد في التعاون الثقافي و وزارة الشؤون الدينية تطور المؤسسة الإسلامية والمؤسسات الدينية المختلفة تشارك في ما يخصها وفق القانون.
بهذه الطريقة لا تتحول الدولة إلى مدير لكل دين بل إلى حارس للحقوق والقانون والذاكرة الوطنية وهنا يمكن أن تقدم جربة نموذجا عمليا.

في جربة تراث إسلامي ويهودي وعمراني وثقافي متداخل
فلماذا لا تصبح الجزيرة مختبرا وطنياً لإدارة الذاكرة المتعددة؟
لماذا لا توثق الدولة تاريخ الجماعات التي عاشت هناك وتحمي المعابد والمساجد والمعالم وتدعم الدراسات الجامعية وتربط التراث بالحرف والعمارة والموسيقى والتجارة والهجرة وتبني مسارات ثقافية محترمة؟
ليس الهدف تحويل المقدس إلى سلعة بل تحويل المعرفة إلى قيمة.

الدولة التي تحفظ المعبد اليهودي لا تصبح أقل إسلاما والدولة التي تحمي الكنيسة لا تتخلى عن هويتها والدولة التي تحمي المسجد لا تحتاج إلى هدم ذاكرة الآخرين كي تثبت نفسها لأن الهوية الواثقة لا تخاف من أرشيفها.

لكن إذا كانت جربة يمكن أن تقدم نموذجا لذاكرة تونس المتعددة فإن القيروان تقدم نموذجا آخر
ذاكرة تونس الإسلامية والعلمية التي يمكن تحويلها من تراث محفوظ إلى معرفة منتجة.
المصيبة أن نتعامل مع القيروان وكأنها جامع عقبة ثم فندقا ثم حافلة سياح.

القيروان يمكن أن تكون مركزا دوليا للدراسات الزيتونية والمالكية والمخطوطات وتاريخ الإسلام في المغرب والتبادل العلمي مع إفريقيا والمؤتمرات والبحث في التراث والسياحة الثقافية والمعرفية.

لكن هذا المشروع لا تملكه وزارة واحدة فالثقافة تحمي وترمم و التعليم العالي ينتج المعرفة و الشؤون الدينية تساهم في المحتوى والمؤسسات الدينية و السياحة تصنع المنتج والمسار و الخارجية تفتح الشراكات الدولية و الشباب يحول المشروع إلى تجربة تعليمية للأجيال وهذه هي الحوكمة.
لا نأخذ القيروان من وزارة ونضعها في وزارة أخرى بل نجعل الدولة كلها تعمل من أجل القيروان.

ولا ينبغي إطلاق أرقام خيالية عن ملايين الزوار أو مئات الملايين من الدولارات قبل دراسة اقتصادية حقيقية.
الدولة الجادة لا تبني سياساتها على الأمنيات بل على البيانات ودراسات السوق والنقل والإيواء والمنتج والتسويق والعائد.
لكن حتى القيروان وجربة لن تصنعا أثرا دائما إذا بقيت الذاكرة داخل المعالم والمتاحف والكتب فالذاكرة لا تعيش إلا عندما تتحرك بين الأجيال.

وهنا يدخل الشباب.
وزارة الشباب والرياضة ليست ملحقا بوزارة الشؤون الدينية ولا ينبغي أن تكون لكن لماذا لا يكون هناك برنامج وطني يجعل الشاب يكتشف تونس من داخلها؟

يذهب إلى القيروان و يرى جامع عقبة و يقرأ تاريخ المدينة ويزور متحفا و يتعرف إلى المخطوطات ثم يزور معلما تاريخيا ويقرأ عن تاريخ الجماعات التي عاشت في البلاد،
ويعود إلى مدينته وهو يعرف أن تونس ليست مجرد صور على الهاتف.

هذه ليست رحلة دينية ، إنها تربية على المواطنة والذاكرة.

ومن هنا تلتقي سياسة الذاكرة بسياسة الشباب وتتحول المواقع التاريخية من أماكن يزورها السائح أحيانا إلى أدوات تعليمية تعيد بناء علاقة المواطن ببلاده.

لكن إذا كانت المعرفة قادرة على بناء المواطن فهي قادرة أيضا على خلق قيمة اقتصادية وثقافية وهنا تدخل السياحة والثقافة لا بوصفهما زينة للمشروع بل جزءا من بنيته.

الثقافة ليست مجرد مهرجان وترميم جدار والسياحة ليست مجرد فندق وشاطئ و التراث الديني يمكن أن يصبح جزءا من الاقتصاد الثقافي لكن بشرط ألا يتحول المقدس إلى منتج تجاري مبتذل.

المخطوطات والعمارة والموسيقى والخط والكتب والدراسات والمؤتمرات والمسارات التاريخية والحرف والصناعات الثقافية كلها يمكن أن تتحول إلى اقتصاد معرفة.
وهذا هو النوع من الاقتصاد الذي ينبغي لتونس أن تبحث عنه.
اقتصاد يستخرج القيمة من المعرفة لا من بيع ذاكرتها.

وحين تستطيع تونس أن تنتج معرفة وثقافة ومسارات ذات قيمة في الداخل يصبح من الطبيعي أن تسأل لماذا لا تستخدم هذه الثروة أيضا في الخارج؟و هنا تبدأ القوة الناعمة.

أما ما يسمى بالدبلوماسية الدينية فيجب التعامل معه بذكاء.

لا نحتاج إلى وزارة خارجية ثانية داخل وزارة الشؤون الدينية فوزارة الخارجية هي التي تقود السياسة الخارجية.
لكن تونس تستطيع أن تجعل من الزيتونة والقيروان والتراث الديني والبحث الأكاديمي والتكوين أدوات للقوة الناعمة.

الخارجية تقود العلاقات و الشؤون الدينية تقدم الخبرة و الزيتونة تنتج المعرفة و الثقافة تقدم التراث و السفارات تفتح الأبواب.
وهكذا يمكن لتونس أن تتحدث إلى إفريقيا والمتوسط والعالم، ليس بالسلاح ولا بالمال فقط وإنما بالمعرفة والتاريخ والتكوين والثقافة.

بهذا المعنى تصبح الدبلوماسية الدينية جزءا من السياسة الخارجية لا بديلا عنها ويصبح التراث موردا استراتيجيا للدولة لا مجرد ملف ثقافي محفوظ في الأدراج.

لكن حتى لا تتحول كل هذه الأفكار إلى عبارات جميلة يجب أن يكون هناك اختبار واحد يحسم الأمر كله من يفعل ماذا؟
و هنا تبدأ الحوكمة الحقيقية

إذا قررت الدولة مثلا إنشاء «القيروان المعرفية» فلا يكفي أن تقول للوزارات تعاونوا.

يجب أن تكون هناك بطاقة مشروع حكومية تحدد الهدف والميزانية والوزارة القائدة والوزارات الشريكة والآجال ومؤشرات الأداء والنتائج السنوية والتقرير العلني والمسؤول الذي يمكن مساءلته.

وهذا ينطبق على المسجد المركب والزكاة والوقف وتكوين الإطارات والتراث الديني والبرامج الشبابية والتعاون الدولي.
وهنا يمكن اعتماد مصفوفة حوكمة بسيطة:
من يقود؟ من يشارك؟ من يمول؟ من ينفذ؟ من يراقب؟ ومن يحاسب؟

إذا لم تستطع الدولة الإجابة عن هذه الأسئلة فهي لا تملك سياسة بل تملك أمنيات.
ويمكن تطبيق المنهج نفسه على ملف الحج.

الحج ليس استثناء من الحوكمة بل اختبار لها.

الحصة التونسية لموسم 2027 حُددت في 9982 حاجا من تونس إضافة إلى 1000 حاج من الخارج ولذلك لا يصح الاستمرار في استعمال أرقام قديمة عن أكثر من 30 ألف حاج تونسي سنويا بوصفها واقعا حاليا.
لكن الرقم نفسه ليس القضية لأن القضية هي كيف نكوّن الحاج؟ كيف نرقمن الإجراءات؟
كيف نرفع جودة الخدمات الصحية؟ كيف نراقب المتدخلين؟ كيف نقيس رضا الحجيج؟
وكيف نستفيد من التجربة في تحسين الإدارة؟

والحج ليس تجارة لكن حوله اقتصاد قائم بالفعل
وتشير بيانات منسوبة إلى التقرير السنوي للبنك المركزي عن 2025 إلى نحو 640 مليون دينار أنفقها التونسيون على الحج والعمرة.

لذلك فإن الدولة مطالبة بأن تدير الخدمة بكفاءة وأن تقيس نتائجها وأن تحمي المواطن من التعقيد وسوء التنسيق وأن تتعامل مع هذا الملف باعتباره خدمة عامة لها معايير جودة ومساءلة لا مجرد موسم إداري يتكرر كل عام.

وهنا نصل إلى النتيجة التي بدأت منها الفكرة كلها.

بعد هذا كله يتضح أن المشكلة لم تكن في حجم وزارة الشؤون الدينية وحده.

المشكلة أن الوزارة تعمل داخل منظومة أوسع من حدودها.

ولهذا فإن إصلاحها لا يبدأ بإضافة الإدارات إليها بل بتحديد ما يجب أن تفعله هي وما يجب أن تتركه لغيرها وكيف تعمل مع الجميع داخل سياسة وطنية واحدة.

لذلك لا أريد وزارة شؤون دينية ضخمة.

أريدها أصغر وأقوى وأكثر احترافا وأقل بيروقراطية.

أريدها مسؤولة عن المؤسسة الدينية الإسلامية وتكوين الإطارات والمعايير والرقابة على الجودة والتنسيق مع بقية الدولة لا عن ابتلاع اختصاصات التعليم العالي والثقافة والسياحة والشباب والخارجية.

وأريد جامعة الزيتونة قوية أكاديميا و وزارة التربية مسؤولة عن التعليم و وزارة الثقافة مسؤولة عن التراث و وزارة السياحة مسؤولة عن المنتج السياحي و وزارة الشباب مسؤولة عن الشباب و الخارجية مسؤولة عن الدبلوماسية.

لكن أريد رئاسة الحكومة مسؤولة عن جمع هذه الأجزاء في مشروع واحد.

هذا هو الفرق بين دولة لديها وزارات ودولة لديها حكومة.

عماد عيساوي
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال