بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التاريخ الجيوسياسي لتونس و المغرب الكبير

2026-09-27 57 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ليست أخطر الأخطاء التي نرتكبها في قراءة تاريخ المغرب الكبير أن نجهل تاريخ معركة أو اسم سلطان بل أن نقرأ 2000 سنة من التاريخ بخريطة سياسية عمرها بالكاد قرن. فالحدود التي نعرفها اليوم لم تكن هي الحدود التي عرفها القرطاجيون ولا الرومان ولا البيزنطيون ولا الأغالبة ولا الفاطميون ولا الموحدون ولا الحفصيون ولا المرينيون.
كانت المنطقة فضاء متحركا تتغير داخله مراكز القوة بحسب موقع المدينة والسيطرة على البحر والطرق التجارية والمياه والقبائل والممرات ومصادر الثروة.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لتونس والمغرب
ليس بوصفهما دولتين حديثتين فقط وإنما باعتبارهما نموذجين تاريخيين مختلفين في كيفية تحويل الجغرافيا إلى سلطة.
قبل الإسلام بقرون طويلة كانت قرطاج قد فهمت قاعدة ما زالت صالحة حتى اليوم [من يسيطر على البحر لا يحتاج دائما إلى امتلاك أكبر مساحة من اليابسة].
تأسست قرطاج تقليديا في القرن التاسع قبل الميلاد نحو 814 ق.م ونمت من محطة تجارية إلى قوة بحرية وتجارية كبرى في غرب المتوسط.
وفي 146 ق.م انتهت قرطاج السياسية بعد الحرب البونية الثالثة لكن الموقع لم يمت فقد أعاد الرومان بناء قرطاج وجعلوا من إفريقية إحدى أغنى مناطق الإمبراطورية الرومانية وهنا تظهر أولى القواعد الجيوسياسية لتونس.
الموقع الذي ينتج الثروة لا يموت بسقوط الدولة التي استغلته بل ينتقل فقط إلى قوة أخرى تعرف كيف تستخدمه.

ثم جاء التحول الإسلامي،وفي سنة 670م تأسست القيروان فأصبحت خلال القرون التالية قلب إفريقية السياسي والعسكري والديني وتؤكد اليونسكو أن القيروان كانت عاصمة إفريقية لمدة خمسة قرون وأنها ازدهرت بصورة خاصة في القرن التاسع تحت الأغالبة.
ولم يكن اختيار موقعها اعتباطيا فهي ليست مدينة ساحلية مكشوفة وإنما مركز داخلي يسمح بإدارة المجال ومراقبة الطرق والاتصال بالداخل مع البقاء على مسافة استراتيجية من البحر وهنا انتقلت الجغرافيا التونسية من منطق الإمبراطورية البحرية القرطاجية إلى منطق الدولة البرية الإدارية الإسلامية.

وفي سنة 800م دخلت إفريقية العصر الأغلبي واستمر الحكم الأغلبي حتى 909م، وخلال هذه الفترة لم تكن القيروان مجرد عاصمة سياسية بل أصبحت مركزا علميا وعمرانيا واقتصاديا وشهدت تونس في العصر نفسه شبكة متكاملة من المراكز [ القيروان في الداخل] و [سوسة على الساحل] و [صفاقس في المجال التجاري] و [جربة عند تقاطع طرق المتوسط والصحراء].
وتصف اليونسكو سوسة بأنها كانت ميناء تجاريا وعسكريا مهما خلال العصر الأغلبي 800–909م.

ثم جاء الفاطميون وكان التحول هنا أكثر وضوحا
إذا كانت القيروان تمثل قلب السلطة الداخلية فإن الفاطميين احتاجوا إلى واجهة بحرية تتناسب مع مشروعهم المتوسطي لذلك تأسست المهدية سنة 916–921م تقريبا وأصبحت عاصمة الدولة الفاطمية في إفريقية.
لم تكن المهدية مجرد مدينة جديدة بل كانت تعبيرا عن تغيير في فلسفة القوة كعاصمة محصنة على البحر مرتبطة بالموانئ والأساطيل والتجارة وقادرة على النظر غربا وشرقا في آن واحد.

ثم انتقلت الثقلات السياسية تدريجيا.
وفي القرن الثاني عشر انتقلت العاصمة السياسية إلى تونس وهو تحول تؤكده اليونسكو في تاريخ القيروان.
ومع الحفصيين ابتداء من 1229م أصبحت تونس مركزا سياسيا رئيسيا في إفريقية وبدأت المدينة تتحول إلى عقدة تجمع بين السلطة والاقتصاد والبحر والتجارة.
وهكذا يمكن قراءة التاريخ التونسي كله تقريبا كسلسلة من انتقالات مركز الثقل من قرطاج البحرية ثم القيروان الداخلية ثم المهدية البحرية ثم تونس الساحلية الحضرية.
ليست هذه مجرد عواصم متعاقبة إنما أربع إجابات تاريخية عن السؤال نفسه أين يجب أن تتمركز السلطة لكي تتحكم في المجال؟
وهنا يصبح ابن خلدون ضروريا لا باعتباره اسما للزينة في مقال تاريخي وإنما باعتباره أحد أكثر العقول قدرة على تفسير هذا التحول فقد كتب في القرن الرابع عشر في عالم مغاربي كان قد شهد صعود دول وسقوط أخرى خلال قرون قليلة عن العصبية والعمران والجباية والبدو والحضر وعن العلاقة بين قوة الدولة وقدرتها على تنظيم المجال.
وعاش بنفسه بين 1332 و1406م وتنقل بين تونس وفاس وتلمسان وبجاية والقاهرة ودمشق أي في قلب المجال الذي نحاول اليوم أن نقرأه بخريطة الدول الحديثة.

ومن هذه الزاوية لا يصح اختزال التحولات الديموغرافية التي أحدثتها الهجرات العربية ومنها هجرة بني هلال في القرن الحادي عشر في العبارة السهلة التي تقول إن الهلاليين [حولوا البلاد إلى صحراء].
الواقع أكثر تعقيدا فهناك تأثيرات سكانية واقتصادية وبيئية وقبلية متداخلة وهناك أيضا عوامل مناخية وتاريخية وسياسية سبقت تلك الهجرات وتلتها والتاريخ الجاد لا يحتاج إلى أسطورة لكي يكون قويا.

أما المغرب فقد سلك مسارا مختلفا ففي أواخر القرن الثامن ظهرت الدولة الإدريسية وتؤرخ المصادر المغربية الرسمية لبداية السلالة بسنة 789م ثم ارتبط اسم إدريس الثاني بتطور فاس وتحولها إلى مركز سياسي وعلمي.

ثم جاء المرابطون في القرن الحادي عشر وتؤرخ المصادر المغربية الرسمية دولتهم إلى الفترة 1060–1147م فيما ارتبط صعود مراكش بهم وتذكر المصادر المغربية سنة 1062م لتأسيس المدينة.
وهنا بدأ النموذج المغربي يأخذ شكله الجيوسياسي الخاص كمركز سياسي في الداخل ولكنه متصل في الوقت نفسه بالصحراء جنوبا وبطرق الذهب والتجارة العابرة للصحراء وبالأندلس شمالا وبالسواحل الأطلسية والمتوسطية.

ثم جاء الموحدون في القرن الثاني عشر وسيطروا على مراكش وعلى مجال واسع امتد إلى الأندلس.
وتؤرخ المصادر المغربية الرسمية دولتهم تقريبا بين 1145 و1248م وكان القرن الثاني عشر بالنسبة للمغرب لحظة توسع إمبراطوري حقيقية حيث لم تعد الجغرافيا المغربية محلية بل أصبحت جزءا من فضاء سياسي يمتد من جنوب المغرب إلى الأندلس.

ثم جاء المرينيون الذين حكموا تقريبا بين 1244 و1465م وجعلوا فاس مركزهم السياسي.
وبعدهم السعديون في القرن السادس عشر الذين حكموا بين 1554 و1659م وفقا للتسلسل التاريخي المنشور من المكتب الوطني المغربي للسياحة قبل صعود الدولة العلوية سنة 1666م واستمرارها إلى اليوم.

وهكذا تظهر أمامنا خريطة مغربية مختلفة عن الخريطة التونسية حيث فاس و مراكش و مكناس ثم الرباط ليست مجرد أسماء مدن سياحية بل طبقات من تاريخ السلطة.
فاس تعكس العمق العلمي والديني والإداري ومراكش تعكس الإمبراطورية الجنوبية واتصالها بالصحراء والأندلس ومكناس ارتبطت بمشروع السلطان مولاي إسماعيل في القرن السابع عشر بينما أصبحت الرباط العاصمة الحديثة في القرن العشرين وتشير المصادر المغربية الرسمية إلى سنة 1912 بوصفها بداية ارتباط الرباط بوضع العاصمة.

لكن الجغرافيا المغربية لا تتوقف عند المدن.
هناك مضيق جبل طارق ذلك الممر الذي يفصل إفريقيا عن أوروبا ويربط البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي.
ومن يقرأ تاريخ المغرب من دون قراءة هذا المضيق لا يقرأ إلا نصف التاريخ فالمغرب يوجد عند نقطة اتصال بين ثلاثة فضاءات[ المتوسط والأطلسي والصحراء]وفوق ذلك كله توجد الأندلس على الضفة الأخرى من المضيق.
ولذلك كان المغرب تاريخيا أكثر انفتاحا على المجال الأطلسي والأندلسي والصحراوي في الوقت نفسه بينما كانت إفريقية التونسية أكثر التصاقا بالمجال المركزي للمتوسط.

وهنا يظهر الفرق الجيوسياسي الكبير بين النموذجين.
تونس بسبب موقعها في أقصى وسط المتوسط تمتلك أقصر المسافات البحرية تقريبا نحو قلب المتوسط الأوروبي وتطل على طرق تربط شرق المتوسط بغربه.
والمغرب بسبب موقعه عند بوابة الأطلسي والمضيق يستطيع أن يتحرك داخل مثلث مختلف أوروبا إفريقيا الأطلسي.

لكن التاريخ لا يتحول تلقائيا إلى قوة وهذا ما تكشفه المقارنة الحديثة بصورة أكثر قسوة من كتب التاريخ.

خذوا ميناء طنجة المتوسط مثلا ،في 2024 عالج مجمع طنجة المتوسط 10,241,392 حاوية مكافئة لعشرين قدما (TEU) بزيادة 18.8% عن 2023 وعالج 516,842 شاحنة و3,047,387 مسافرا بينما بلغ إجمالي الحمولة 142 مليون طن بزيادة 16.2% عن 2023.
ويبلغ طول الأرصفة التشغيلية في منظومة الحاويات 4,400 متر مع غاطس يصل إلى 18 مترا.

هذه الأرقام مهمة لأنها تقول شيئا يتجاوز الميناء نفسه الموقع الجغرافي لا يساوي شيئا إذا لم يتحول إلى بنية تحتية ولوجستيات وصناعة وشبكات نقل وتمويل وإدارة وجمارك وسلاسل توريد.
المضيق كان موجودا منذ آلاف السنين لكن تحويله إلى منصة لوجستية بهذا الحجم هو قرار مؤسساتي وتقني واستثماري حديث.
وهنا بالضبط يجب أن يعود النقاش إلى تونس فتونس لا تحتاج إلى اختراع جغرافيا جديدة لأن جغرافيتها موجودة منذ قرطاج و لديها أكثر من 1300 كيلومتر من السواحل وجزر وموانئ وموقع مركزي في المتوسط وقرب مباشر من إيطاليا وأوروبا ومجال جنوبي يفتح على ليبيا والصحراء الكبرى ولكن السؤال الحقيقي ليس هل تملك تونس موقعا استراتيجيا؟ فالجواب التاريخي واضح.
السؤال هو هل بنت حول هذا الموقع منظومة تجعل الجغرافيا تنتج قيمة مضافة؟

وهنا تظهر المفارقة الكبرى فقرطاج القديمة أدركت أن البحر طريق للثروة والأغالبة أدركوا أن الساحل يحتاج إلى مدن وموانئ والفاطميون بنوا المهدية على البحر والحفصيون جعلوا تونس مركزا تجاريا وسياسيا والمغرب الحديث حوّل موقع طنجة إلى منصة لوجستية ضخمة بينما لا يزال جزء كبير من النقاش المعاصر في المنطقة أسيرا لفكرة الميناء باعتباره مجرد رصيف للسفن والمطار باعتباره مجرد مدرج للطائرات والطريق باعتباره مجرد إسفلت.

الدولة الحديثة لا تقاس بعدد الموانئ التي ترسمها على الخريطة وإنما بعدد الحاويات التي تمر والسلع التي تصنع والقطارات التي تربط الموانئ بالمناطق الصناعية والزمن الذي تستغرقه البضاعة في الجمارك والطاقة التي تستطيع الدولة إنتاجها والبيانات التي تستطيع إدارتها والجامعات التي تنتج المعرفة والمؤسسات التي تستطيع تحويل الموقع إلى شبكة اقتصادية.

وهذا هو الدرس الذي يجمع قرطاج والقيروان والمهدية وتونس وفاس ومراكش وطنجة في سلسلة واحدة رغم اختلاف عصورها، فكل مدينة كبرى ظهرت عندما التقت الجغرافيا بالحاجة السياسية والاقتصادية.
قرطاج احتاجت البحر و القيروان احتاجت السيطرة على الداخل و المهدية احتاجت البحر والتحصين و تونس احتاجت التجارة والحكم.
فاس احتاجت العلم والسلطة و مراكش احتاجت الإمبراطورية والصحراء والأندلس و وطنجة المتوسط الحديثة احتاجت إلى تحويل المضيق من موقع جغرافي إلى آلة لوجستية.

ومن هنا فإن التاريخ الجيوسياسي لتونس والمغرب ليس قصة مدن قديمة ولا سجلا للسلالات فقط بل إنه درس طويل في معنى الدولة.
فالدولة التي تعرف جغرافيتها تستطيع أن تجعل من موقعها موردا والدولة التي تفهم تاريخها تستطيع أن تعرف أين كانت نقاط قوتها والدولة التي تجمع بين الجغرافيا والتاريخ والمؤسسات تستطيع أن تحوّل الموقع إلى نفوذ اقتصادي.

أما الدولة التي تكتفي بترديد عبارة الموقع الاستراتيجي في الخطب من دون موانئ فعالة ولا سكك حديثة ولا طاقة كافية ولا صناعة تنافسية ولا منظومة لوجستية فهي لا تملك موقعا استراتيجيا بالمعنى الاقتصادي إنما فقط تملك قطعة أرض جميلة على الخريطة.

وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن تؤرق تونس والمغرب معا الجغرافيا لا تمنح القوة مجانا و التاريخ لا يمنحها مجانا. البحر لا يمنحها مجانا وحتى الحضارة لا تمنحها مجانا.
كل ذلك مجرد رأس مال أولي أما القوة الحقيقية فتبدأ عندما تستطيع الدولة تحويل المكان إلى شبكة والتاريخ إلى معرفة والمعرفة إلى مؤسسة والمؤسسة إلى إنتاج والإنتاج إلى نفوذ.
تغيّرت العواصم وسقطت السلالات واحترقت المدن وتبدلت طرق التجارة وتغيرت السفن من المراكب القرطاجية إلى البواخر العملاقة والحاويات الرقمية لكن القاعدة بقيت واحدة فمن يفهم الجغرافيا يستطيع أن يناور بالتاريخ ومن يفهم التاريخ يستطيع أن يقرأ الجغرافيا ومن يجمع الاثنين يستطيع أن يصنع لنفسه مكانا في العالم.
وهذا هو السؤال الحقيقي الذي تطرحه تونس والمغرب اليوم لا سؤال من كان أقدم ولا من كان أعظم بل كيف يتحول الإرث الجغرافي والتاريخي من متحف إلى قوة؟
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال