بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الرسالة التي ينبغي أن تصل

2026-09-26 18 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
كلما ارتفعت نبرة بعض الأصوات القادمة من الجزائر أو ليبيا خرجت علينا اللوبانة نفسها كالجزائر تطعم تونس و الجزائر تمنحها الطاقة والكهرباء و ليبيا تنقذ اقتصادها والسائح الجزائري أو الليبي هو الذي يُبقي تونس واقفة على قدميها. ثم تتحول التجارة إلى صدقة والجوار إلى وصاية والعلاقة بين الدول إلى دفتر حسابات يقال فيه للتونسي «نحن نعطيكم وأنتم ماذا تعطون؟».

والجواب بسيط لكنه يحتاج إلى قليل من الأرقام وكثير من العقل فالعلاقات بين الدول ليست جمعية خيرية ولا تقاس بمن أعطى أكثر في موسم واحد وإنما بما يحققه كل طرف من مصالح وما يملكه من أوراق قوة وما يستطيع أن يفعله إذا تغيّرت الظروف.

لنبدأ من الحقيقة التي لا ينبغي لتونسي أن يخاف منها
يا سادة يا مادة تونس تستورد الطاقة وجزء مهم من الغاز يأتي من الجزائر وهذه نقطة اعتماد حقيقية ينبغي لتونس أن تعمل على تقليصها لا أن تنكرها لكن الاعتراف بالاعتماد في ملف لا يعني تحويل الدولة كلها إلى تابع.
تونس في سنة 2025 صدّرت ما قيمته 63.7 مليار دينار واستوردت 85.5 مليار دينار وكان العجز التجاري نحو 21.8 مليار دينار منها قرابة 11.1 مليار دينار في الطاقة.
وفي المقابل حققت تونس فائضا غذائيا يقارب 1.28 مليار دينار و هذه هي الأرقام التي يجب أن نناقشها
أين نعتمد؟ أين ننتج؟ أين نخسر؟ وأين يمكن أن نتحول من مستورد إلى مصدر؟

لكن المفارقة أن من يريد اختزال تونس في الغاز والكهرباء والسياحة لا يرى نصف الصورة الآخر.
تونس ليست اقتصاد محروقات ولا اقتصاد مادة خام واحدة. بيانات منظمة التجارة العالمية تظهر أن صادرات تونس بلغت في 2024 نحو 19.43 مليار دولار وأن الاتحاد الأوروبي وحده استقبل نحو 71% من هذه الصادرات بينما توزعت بقية الصادرات على ليبيا والولايات المتحدة والجزائر وبريطانيا وسويسرا وتركيا والمغرب وكندا وغيرها
والأهم أن قائمة الصادرات نفسها تكشف طبيعة الاقتصاد التونسي من زيت زيتون بكر ممتاز و موصلات كهربائية و ضفائر أسلاك للسيارات والطائرات والسفن و منتجات بلاستيكية و ملابس و تمور و ومكونات ميكانيكية وكهربائية أي أن تونس لا تبيع للعالم حفرة نفط بل تبيع منتجات تدخل في سلاسل إنتاج وأسواق شديدة التنظيم والتنافس.

وهنا تحديدا يجب أن نفهم الفرق بين حجم الصادرات ونوع الاقتصاد التصديري.
الجزائر تصدر أكثر من تونس بكثير من حيث القيمة وهذا واقع لا جدال فيه فقد بلغت صادراتها السلعية نحو 49.1 مليار دولار في 2024 لكن نحو 45.2 مليار دولار منها كانت محروقات وفق أرقام صندوق النقد الدولي أي أن قوة الجزائر التصديرية الكبرى مرتبطة بالطاقة وأسعارها وحجم الطلب عليها وهذا ليس عيبا في ذاته لكنه تركيب اقتصادي مختلف عن تونس.
أما ليبيا فالصورة أكثر تركيزا فبيانات منظمة التجارة العالمية تضع المحروقات عند نحو 98% من صادراتها السلعية في البيانات المعروضة لعام 2021 ولذلك فإن المقارنة الجادة ليست «من يصدر أكثر؟» وإنما «ماذا نصدر؟ وإلى كم سوقا؟ وكم قيمة مضافة نصنع قبل أن نبيع؟».

وتونس رغم كل أزماتها راكمت خلال عقود قاعدة صناعية لا يجوز احتقارها و منظمة التجارة العالمية تشير إلى أن الصناعات الميكانيكية والكهربائية أصبحت تمثل في المتوسط 43.7% من صادرات تونس خلال 2015–2024، وأن النسيج والملابس والجلود والأحذية مثلت في المتوسط 20.5% بينما بلغت المنتجات الزراعية والغذائية 12.6%. هذه ليست صورة بلد يعيش على «السياحة وحدها» ولا على الجوار ولا على تحويلات المغتربين فقط انما صورة اقتصاد صغير الحجم لكنه مندمج في شبكات إنتاج دولية خصوصا الأوروبية.

ثم تعالوا إلى الجغرافيا لأنها في السياسة الدولية لا تقل أهمية عن المال.
تونس ليست جزيرة عائمة في البحر المتوسط حتى يقال لها «نحن منفذكم الوحيد» ولا الجزائر محاصرة خلف تونس ولا ليبيا لا تستطيع التجارة إلا عبرها لكن تونس تقع في موقع يجعلها جزءا مهما من منظومة المتوسط والمغرب العربي بين الجزائر وليبيا و على مقربة من أوروبا و على طريق الغاز الجزائري نحو إيطاليا.
وخط TTPC الذي يعبر الأراضي التونسية يمتد نحو 740 كيلومترا وتبلغ طاقته نحو 34.3 مليار متر مكعب سنويا ويربط الغاز الجزائري بالمنظومة التي تتجه عبر صقلية إلى إيطاليا .
هذه ليست «خدمة مجانية» تقدمها تونس لأحد إنما بنية تحتية استراتيجية لها قيمة جيوسياسية واقتصادية مثلما أن الجزائر تملك قيمة استراتيجية بامتلاكها الغاز.
الدول العاقلة تحول المصالح المتبادلة إلى عقود وشروط ومكاسب لا إلى قصائد مديح ولا إلى منّة متبادلة.

ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن يطرح على تونس ليس «لماذا نحتاج الجزائر؟» فقط بل أيضا ماذا أخذت تونس مقابل موقعها وماذا ربحت مقابل عبورها وماذا صنعت من أوراق القوة التي منحها لها موقعها؟
هذا هو السؤال الحقيقي.

لأن الدولة التي تعرف قيمتها لا تنكر حاجتها إلى الآخرين لكنها لا تسمح للآخرين بتحويل حاجتها إلى إذلال.
تونس تحتاج إلى الطاقة الجزائرية؟ نعم وهذه حقيقة ينبغي إدارتها بعقود ومصالح وتنويع مصادر لا بخطاب عاطفي. والجزائر تحتاج إلى أسواق وشبكات نقل وممرات ومصالح متوسطية وأوروبية؟ نعم وهذه أيضا حقيقة ينبغي أن تدخل في الحساب.
وليبيا تحتاج إلى المنتجات والخدمات والكفاءات والبنية الصحية والتعليمية والسوق التونسية؟ نعم وهذا أيضا جزء من المعادلة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التعاون إلى منّة والمنّة إلى خطاب استعلاء.

أما قصة أن السائح الجزائري أو الليبي «يعيّش تونس» وحده فهي أيضا تحتاج إلى وضعها في حجمها الحقيقي.
السائح الجزائري والليبي مهمان لتونس ولا أحد عاقل ينكر ذلك لكن السياحة التونسية ليست سوقا واحدة.
تونس مرتبطة أيضا بأسواق أوروبية ودولية واسعة ومن يريد أن يحوّل كل سائح جزائري أو ليبي إلى صاحب فضل شخصي على تونس يخلط بين إنفاق المستهلك وحق الدولة في السيادة.
السائح يأتي لأنه يجد عرضا سياحيا يريده وبالسعر الذي يناسبه والتونسي يستقبله لأنه يبيع خدمة يريدها الزائر
فهذه تجارة وليست منحة.

والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الخطابات تتحدث عن تونس وكأنها لا تنتج شيئا يمكن للعالم أن يشتريه فكيف تفسرون إذن أن الاتحاد الأوروبي استوعب في 2025 نحو 69.9% من صادرات تونس بقيمة تقارب 44.5 مليار دينار؟
وكيف تفسرون وجود منتجات تونسية في سلاسل صناعية أوروبية في السيارات والكهرباء والميكانيك والغذاء؟
وكيف تفسرون أن الصادرات التونسية لا تتجه إلى جار واحد بل إلى أوروبا وأمريكا وبريطانيا وسويسرا وتركيا وأفريقيا وكندا وغيرها؟
تونس ليست قوة اقتصادية عظمى لكنها أيضا ليست دولة تعيش على باب جارها تنتظر كيسا من المساعدات.

وهنا أصل إلى المسألة التي تؤلم أكثر من كل هذه المزايدات ماذا ربحت تونس فعلا من علاقاتها المغاربية؟

ليس المطلوب قطع العلاقات ولا إعلان حرب على أحد ولا العيش بعقلية العداء الدائم بل بالعكس تونس تحتاج إلى الجزائر وليبيا كما تحتاج الجزائر وليبيا إلى تونس لكن المطلوب أن تنتقل العلاقات من منطق «الأخ الأكبر والأخ الأصغر» إلى منطق الدول ذات السيادة.
طاقة بشروط واضحة و تجارة متوازنة قدر الإمكان و حدود منظمة محاربة للتهريب و تعاون أمني محترف و استثمارات حقيقية وربط اقتصادي يجعل كل طرف محتاجا إلى نجاح الآخر لا إلى إضعافه.

وتونس نفسها مطالبة بأن تنظر في المرآة فليست المشكلة كلها في الخارج فاقتصادها يعاني من عجز تجاري كبير والعجز الطاقي يمثل جزءا ضخما منه والبيروقراطية تستهلك وقت الدولة والاستثمار يحتاج إلى إصلاح والمؤسسات العمومية تحتاج إلى معالجة والدبلوماسية الاقتصادية تحتاج إلى أن تتحول من حضور بروتوكولي إلى آلة لفتح الأسواق وجلب الاستثمار.
هذه ملفات تونسية قبل أن تكون جزائرية أو ليبية.

أما الحديث عن «قوة الدينار» فلا ينبغي أن يتحول إلى مسابقة أرقام سخيفة فعدد الوحدات مقابل الدولار لا يقيس قوة العملة و القوة الحقيقية تظهر في قدرة الاقتصاد على تمويل وارداته وجلب العملة الصعبة والسيطرة على التضخم وتنويع الصادرات وجذب الاستثمار وحماية القدرة الشرائية. وتونس لديها مشكلات حقيقية في هذه المجالات لكنها في الوقت نفسه تمتلك قاعدة إنتاجية وبشرية ومؤسساتية تسمح لها بأن تنوع علاقاتها بدل أن تجعل مصيرها الاقتصادي رهينة لمحور واحد.

ولهذا فإن السؤال الأخطر ليس هل تحتاج تونس الجزائر وليبيا؟
نعم في ملفات كثيرة تحتاجهما كما تحتاجانها في ملفات أخرى.
لكن السؤال الأخطر هو هل تعرف تونس كيف تحول حاجتها إلى مصلحة وموقعها إلى نفوذ وموانئها وحدودها ومهارات أبنائها وسوقها وعلاقاتها الأوروبية والأفريقية إلى أوراق تفاوض؟
لأن الدولة الضعيفة ليست الدولة التي تستورد الغاز ولا الدولة التي تشتري القمح ولا الدولة التي تستقبل السائح الدولة الضعيفة هي التي لا تعرف ثمن ما تملك وثمن ما يحتاجه الآخرون منها.

وتونس لا تحتاج إلى قطيعة مع الجزائر ولا إلى خصومة مع ليبيا ولا إلى الارتماء في أحضان أوروبا أو غيرها بل تحتاج إلى سياسة خارجية لا تستجدي ولا تستفز ولا تتبع
سياسة تعرف أن الصداقة بين الدول محترمة لكن المصلحة هي اللغة التي لا تحتاج إلى مترجم.

نحن لا نريد حربا مع أحد ولا نريد قطيعة مع أحد.
نريد فقط أن تنتهي عقلية «نحن نعطيكم وأنتم تعيشون علينا» فالدول لا تقاس بمن يرفع صوته أكثر بل بمن يملك خيارات أكثر.
والرسالة التي ينبغي أن تصل من تونس واضحة
نشتري عندما نحتاج و نبيع عندما نستطيع و نتعاون عندما نربح ونختلف عندما تتعارض المصالح ولا نحول الجغرافيا إلى عبودية ولا الجوار إلى وصاية.

هذه ليست خصومة مع الجزائر ولا عداء لليبيا ولا إنكارا لما بين الشعوب من تاريخ ومصالح وروابط إنما ببساطة محاولة لإعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي بمصالح متبادلة بين دول متجاورة لا دفتر مَنّة بين شعوب.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال