بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

السيادة تبدأ من الحدود

2026-09-24 86 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ان جغرافية التخوم حين تدار بعقلية الصدقة والمن تتحول الى عملية اغتصاب جيوسياسي لسيادة الدولة
وما نشهده اليوم ليس علاقات جوار تقام على قواعد الاحترام المتبادل بل هو استباحة منظمة لكيان وطني يراد له ان يظل حديقة خلفية او مقاطعة في اجندات الجوار الاقليمي فكفى تبجحا باسطورة الغاز والكهرباء المجاني التي يلوكها زبانية البروباغندا وادعياء الاخوة الزائفة فالحقيقة الموثقة بالأرقام والاتفاقيات الدولية تقول ان تونس تتقاضى اتاوة عبور انبوب الغاز ترانسميد المعروف بانبوب إنريكو ماتي الواصل من حاسي الرمل الى ايطاليا بموجب اتفاقية 1983 وتعديلاتها التاريخية في 2019 وهي نسبة تصل الى 5.25 % من حجم الغاز العابر وهو حق سيادي خالص مقابل تامين 370 كيلومترا من الانابيب الممتدة فوق ارضنا وليس هبة او مكرمة من سوناطراك كما يروج الغوغاء
اما فواتير سونلغاز فالدولة التونسية تدفع ثمنها كاملا بالعملة الصعبة من عرق دافعي الضرائب التونسيين ولم يسجل التاريخ ان الجزائر شطبت دينا طاقيا واحدا لصالح تونس بل كانت دائما ما تلوح بقطع الامدادات عند كل منعطف سياسي لتطويع القرار الوطني وهو ما يفرض علينا فوريا تفعيل عقيدة استراتيجية تقدم المصلحة القومية الصرفة على العواطف التاريخية المستهلكة والبدء فورا في بناء مفاعلات الطاقة البديلة وربطها بالشبكة الاوروبية عبر انبوب الربط البحري إلميد وتوسيع مشروعات الاستثمار الشمسي في اقصى الجنوب لكسر حلقة الابتزاز الطاقي التي جعلت من القرار التونسي رهينة لمزاج الجنرالات ومصالح الطبقات الحاكمة في الجوار.
اما اسطورة ليبيا باعتبارها العمود الفقري للاقتصاد التونسي فهي اكبر كذبة اقتصادية وسياسية تم تسويقها وتبنيها منذ العام 2011 فالحقيقة العارية تؤكد ان الاقتصاد التونسي دفع ثمن الفوضى والانقسام الليبي اكثر بكثير مما استفاد منه حيث تسبب التهريب المنظم عبر معبري راس جدير وذهيبة في خسارة الدولة التونسية لاكثر من 1.2 مليار دولار سنويا كعائدات جمركية ضائعة وفق تقديرات البنك الدولي والتقارير الرقابية الوطنية فضلا عن تحويل مدن الجنوب التونسي الى مناطق ميتة صناعيا وتنمويا بسبب اغراقها بسلع مدعومة ليبية ورديئة صينية تدخل بلا رقابة مخبرية ولا معايير جودة محملة بمواد مسرطنة ومحظورة عالميا دمرت النسيج الصناعي المحلي واضرت بالصحة العامة وضاعفت كلفة العلاج والإنفاق الحكومي في المستشفيات التونسية التي يزاحمنا فيها الوافدون مستنزفين مخزوننا الاستراتيجي من الدواء والمواد الأساسية المدعمة.
السيادة التونسية تقتضي اليوم اعلان حالة طوارئ جمركية وفرض نظام التأشيرة البيومترية الإلكترونية فوريا ليس كاجراء امني وقائي فحسب بل كاداة اقتصادية وسيادية لفرز الاستثمار الحقيقي من الاستباحة الاستهلاكية
فلا دخول لاي مواطن من دول الجوار دون كفالة بنكية رسمية او تامين صحي دولي يغطي كامل تكاليف اقامته وعلاجه تماما كما تعامل تونس ومواطنوها في كافة المحافل والدول الدولية لإنهاء زمن الزريبة المفتوحة التي حولت مدننا الحدودية الى بؤر لتبييض الأموال وتهريب العملة الصعبة التي بلغت ارقاما فلكية في السوق السوداء
مما تسبب مباشر في انهيار القيمة الشرائية للدينار التونسي امام سلة العملات العالمية.
تونس اليوم تقف امام خيارين تاريخيين لا ثالث لهما اما الاستمرار في دور الرجل المريض الذي يعيش على فتات الجوار ويقبل بالوصاية الدائمة او التحول الى عقيدة دولة القلعة التي تفرض رقمنة شاملة لكل سنتمتر من حدودها باستخدام انظمة الرادار والمسح الضوئي الذكي للحدود وربطها المباشر بقواعد بيانات البنك المركزي التونسي لضمان ان كل مليم يدخل او يخرج مسجل الكترونيا
مع إلغاء كافة الاتفاقيات التجارية البالية التي تسمح بالتبادل التجاري العشوائي وتكرس الفوضى المالية.

نحن بحاجة ماسة الى دبلوماسية خشنة تعيد رسم العلاقات الاقليمية على قاعدة المعاملة بالمثل المطلقة فمن يريد الغذاء والدواء والخدمات التونسية عليه ان يدفع ثمنها كاملا بالاسعار العالمية وبالعملة الصعبة ومن يرى في تونس مجرد ولاية تابعة او حديقة استهلاكية عليه ان يواجه ترسانة القوانين الدولية التي تحمي حدود الدول ذات السيادة فزمن الاحتضان العاطفي والشعارات القومية الفارغة قد انتهى بانتهاء حقبة الحرب الباردة.
نحن اليوم في عصر الواقعية السياسية والاقتصادية الصلبة حيث تبنى القوة بالرقم والرقابة والصرامة الجمركية وفرض الفيزا كاول خط دفاع عن كرامة الدولة وصحة مواطنيها مع فرض استخلاص تامين متبادل والزامي على كافة السيارات والعربات الداخلة عبر بوابات العبور تماما كما يفرض على التونسيين عند عبورهم الحدود المجاورة.
وتفكيك منظومة اقتصاد الظل التي تستحوذ على ما بين 40 الى 45 % من الناتج المحلي الاجمالي عبر صدمة مالية سيادية تتضمن تغيير الفئات النقدية الكبرى من فئة 20 و50 دينار في ظرف 30 يوما وتثبيت نظام الدفع غير النقدي ومنع التعامل النقدي الورقي فيما يتجاوز 3000 دينار مع فرض أجهزة الدفع الإلكتروني ورمز الاستجابة السريع وربطها المباشر بالمنظومة الضريبية والامتثال التام لمعايير مجموعة العمل المالي ومنظمة الجمارك العالمية.

ولا تكتمل هذه العقيدة السيادية الا بتقنين التجارة الحدودية وحصرها حصريا داخل منصات لوجستية مغلقة ومجهزة تقنيا تدعى المنصات اللوجستية الحدودية المغلقة في نقاط أم العرائس و بوشبكة وساقية سيدي يوسف وحزوة
وبن ردان وتجريم اي نشاط تجاري او تبادل مالي خارج اسوار هذه المنصات الحرة مع تشديد القوانين المانعة للصرف الموازي واجراء الختم المالي الإجباري على جواز السفر ومطابقة وصولات الصرف في البنوك الرسمية عند الدخول والخروج والمنع القاطع المطلق لخروج أي مواد مدعمة من قبل الدولة عبر التتبع الرقمي بالرمز الضوئي
وحظر خروج أي دواء دون وصفة طبية رسمية معتمدة تحدد الكمية ومدة العلاج بدقة لا تتجاوز 30 يوما عبر نظام الوصفة الطبية الرقمية والتسريع العاجل في بناء وتجهيز صرح المستشفى الجامعي بمدنين كقطب صحي واستراتيجي تامينيا للجنوب الشرقي ولتصدير الخدمات الطبية بالعملة الصعبة وفق قواعد التأمين الدولي فالدولة التي لا تحكم حدودها ولا تسيطر على اقتصادها لا تحكم مصيرها
وتونس التي نريدها هي تونس المركز السيادي الصلب لا الساحة الخلفية لتجار الحروب وبارونات التهريب العابر للقارات.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال