منذ سنوات طويلة ونحن نرتكب الخطأ نفسه فكلما تحدثنا عن ازمة تونس فتحنا دفتر الميزانية وحسبنا العجز وراقبنا الدين وانتظرنا القرض التالي ثم خرجنا الى الناس لنشرح لهم ان البلاد لا تملك المال.
هكذا اختزلنا الدولة في خزينة والاقتصاد في سيولة والسيادة في القدرة على الاقتراض لكن احدا لم يسأل السؤال الذي يسبق كل هذه الحسابات ماذا تملك تونس؟
وهنا تبدأ الحكاية التي لا تحب الدولة كثيرا ان ترويها.
تونس ليست بلدا بلا اصول فالدولة تملك مئات الالاف من الهكتارات من الاراضي الدولية وتملك عقارات ومباني واملاكا فلاحية وغير فلاحية بعضها مستغل وبعضها متنازع عليه وبعضها خارج الدورة الاقتصادية.
وتشير معطيات وزارة املاك الدولة الى نحو 500 ألف هكتار من الاراضي الدولية الفلاحية اي قرابة 5000 كيلومتر مربع. وفي 2026 ما زالت الدولة تنفذ برنامج الخارطة الرقمية للعقارات الدولية ومن بين مراحل المشروع رقمنة 154 ألف هكتار خلال 12 شهرا و هنا لا بد من التوقف.
نحن لا نتحدث عن دولة فقيرة تبحث عن اول قطعة ارض بل عن دولة تملك آلاف الكيلومترات المربعة ثم ما زالت تبني النظام الذي يسمح لها برؤية هذه الثروة رقميا.
وهذا ليس تفصيلا تقنيا فهو يكشف شيئا اعمق
الدولة التونسية عرفت منذ الاستقلال كيف تستعيد الارض لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء جهاز حديث يجعلها تقيس قيمة ما استعادته وتديره كاصل اقتصادي.
بعد الاستقلال كان استرجاع الارض جزءا من استكمال السيادة ثم جاء الجلاء الزراعي سنة 1964 ليضع جزءا مهما من الاراضي التي كانت بيد الاستعمار داخل منظومة الدولة التونسية فكان السؤال في ذلك الزمن سياسيا لمن تعود الارض؟ اما السؤال الذي لم يحسم بالصرامة نفسها فهو ماذا ستفعل الدولة بهذه الارض؟
وهذا هو الفرق بين امتلاك الاصل وامتلاك القدرة على ادارته.
فالارض لا تصبح ثروة لمجرد ان اسم الدولة كتب في خانة المالك و الثروة تبدأ عندما يكون للاصل استعمال واضح وقيمة محددة ومردود محسوب ومسؤول يمكن مساءلته عن نتائج استغلاله و هنا بالضبط اخطأنا.
حولنا املاك الدولة الى موضوع قانوني اكثر مما هي موضوع اقتصادي فاصبح السؤال هل العقد سليم؟ هل الاجراء صحيح؟ هل الوثيقة موجودة؟ بينما السؤال الذي يجب ان يأتي بعد ذلك مباشرة هو ماذا حقق هذا العقد لتونس؟
وزارة املاك الدولة لا ينبغي ان تكون حارسة مفاتيح الجمهورية و وظيفتها التاريخية يجب ان تتطور من مسك الملكية الى ادارة الاصول. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين موظف يحصي الممتلكات ومدير يعرف كيف يحولها الى قيمة.
والارقام تجعل المسألة اكثر قسوة فقد تحدثت الوزارة عن نحو 50 ألف هكتار تعرضت للاعتداءات وعن حوالي 65 ألف هكتار في وضعية تصرف وقتي وهذه ليست مجرد مخالفات عقارية متفرقة انما اشارة الى ان جزءا من الاصل العمومي يعيش خارج السيطرة الاقتصادية الكاملة للدولة.
لكن الخطأ سيكون في اختزال المشكلة في الاعتداءات. الاعتداء واضح ويمكن ملاحقته و الاخطر هو الارض التي لا يعتدي عليها احد ولا ينتج منها احد ولا تستثمر ولا تباع ولا تؤجر بكفاءة ولا تدخل في مشروع ثم تبقى سنوات طويلة في المنطقة الرمادية بين الادارة والانتظار.
تلك الارض لا تصرخ لكنها تخسر كل يوم فتخسر انتاجا لم يحدث وفرص عمل لم تولد ومداخيل لم تدخل ومشروعا لم يقم.وهنا يجب ان تتغير طريقة الحساب.
الدولة لا ينبغي ان تقيس فقط ما تخسره عندما يعتدي شخص على ارضها بل ايضا ما تخسره عندما تعطل هي الارض باسم الاجراءات و هذا هو الاختبار الحقيقي للحوكمة.
اذا كانت قطعة ارض صالحة للاستثمار تحتاج سنوات لكي تصبح جاهزة قانونيا فالادارة نفسها اصبحت جزءا من تكلفة الاستثمار واذا كان عقار عمومي في قلب مدينة يبقى مهجورا لعشرين سنة فان الدولة لا تحافظ على ملكها انما تحافظ على خسارته لذلك لا يكفي ان نرقمن الملفات بل المطلوب هو بناء عقل عقاري جديد للدولة.
كل عقار يجب ان يصبح وحدة معلومات وقرار
موقع و مساحة و حدود و وضعية قانونية و قيمة و استعمال و مستغل و عقد و مدة و عائد و التزامات و نزاعات و وامكانات مستقبلية.
وعندما تجتمع هذه العناصر في نظام جغرافي موحد يصبح بامكان الدولة ان ترى محفظتها العقارية كما ترى مؤسسة محترفة محفظتها المالية.
عندها يمكن طرح الاسئلة التي تهرب منها البيروقراطية عادة لماذا تستغل هذه الارض بهذه الطريقة؟
هل قيمتها الحالية اقل من قيمتها الممكنة؟
هل العقد يحقق المصلحة العامة؟ هل الافضل كراؤها ام تطويرها ام ادخالها في شراكة؟
هل يجب الاحتفاظ بها لاعتبارات استراتيجية؟
هل هناك مشروع عمومي يمكن ان يحتضنها؟
وهل الشخص الذي انتفع بها حقق فعلا ما وعد به؟
لان من يمنح الارض دون متابعة يمنح اكثر من حق الانتفاع فيمنح امكانية تحويل اصل عام الى منفعة خاصة.
ومن هنا يجب ان ينتهي زمن العقود التي تبدأ بالتوقيع وتنتهي في الارشيف.
الانتفاع بالارض يجب ان يصبح مرتبطا بالنتيجة
الاستثمار و التشغيل و الانتاج و المحافظة على الموارد و دفع المستحقات واحترام الاجال ليست تفاصيل جانبية بل هي شروط استمرار الانتفاع.
من ينجز يستمر ومن يحول الارض الى مخزن للقيمة ينتظر ارتفاع سعرها او يتركها معطلة يجب ان يخضع العقد معه للمراجعة والفسخ وفق القانون.
وفي المقابل لا يجوز للدولة ان تطلب من المستثمر الانتاج ثم تمنحه ارضا غارقة في النزاعات والوثائق المتضاربة. المستثمر الجدي يحتاج الى يقين عقاري قبل حاجته الى خطاب تحفيزي.
وهنا تأتي الرقمنة ولكن ليس باعتبارها موضة ادارية.
الرقمنة يجب ان تنهي زمن الارض المجهولة و يجب ان يكون لكل اصل رقم وهوية وخريطة ووضعية قابلة للتحديث وان تتصل منظومة املاك الدولة بالملكية العقارية والمسح والجباية والتعمير والفلاحة والاستثمار والمالية.
لا معنى لعشر قواعد بيانات لا تتحدث مع بعضها فالدولة تحتاج الى حقيقة عقارية واحدة.
ثم تأتي الخطوة التي ستزعج الجميع و هي تقييم الاصول.
كم تساوي املاك الدولة؟
ليس الرقم الذي يمكن انتزاعه من تقرير قديم بل القيمة الاقتصادية الحقيقية لمحفظة الاصول بعد تصنيفها بحسب طبيعتها واستعمالها ووضعيتها القانونية وموقعها ومردوديتها.
هذه القيمة يجب ان تدخل في التفكير المالي للدولة لا لتبرير بيع الاصول بل لمعرفة حجم الثروة التي تمتلكها الجمهورية.
لا يجوز تحويل الاصول الاستراتيجية الى وسيلة لسد عجز استهلاكي مؤقت و بيع اصل منتج لتمويل نفقات جارية ليس اصلاحا ماليا فقد يكون مجرد استهلاك للمستقبل.
الارض التي يمكن ان تولد دخلا لعقود لا ينبغي ان تتحول الى ايراد سريع يختفي في سنة مالية واحدة.
لكن العكس صحيح ايضا فتقديس الملكية العامة حتى تصبح الارض معطلة ليس وطنية و الوطنية ليست ان تمنع استخدام الارض كما انها ليست ان تبيعها .
الوطنية هي ان تختار للدولة افضل استعمال طويل المدى لها.
ولهذا تحتاج تونس الى جهاز محترف لادارة الاصول العقارية السيادية يعمل بمعايير اقتصادية وقانونية صارمة ويكون مسؤولا عن تصنيف المحفظة وتقييمها وتطويرها ومتابعة مردوديتها مع ابقاء الملكية الاستراتيجية للدولة ومنع التصرف فيها خارج المصلحة الوطنية.
وفي نهاية كل سنة يجب ان تقدم هذه المنظومة حسابا بسيطا لا يحتمل البلاغة بكم عقارا تم تسجيله؟ كم نزاعا حسم؟ كم هكتارا اصبح منتجا؟ كم عقدا فسخ بسبب عدم التنفيذ؟ كم استثمارا تحقق؟ كم عائدا عاد الى الدولة؟ وكم اصل بقي معطلا ولماذا ؟ و هنا فقط تصبح المحاسبة حقيقية.
اما ان تتراكم الاجتماعات واللجان والمراسلات ثم يقال لنا ان الملف «بصدد المتابعة» فهذه ليست ادارة للثروة بل طريقة مهذبة لتجميدها.
المشكلة في تونس اذن ليست ان الارض مفقودة بل ان العلاقة بين الدولة والارض ما زالت عالقة في عقلية القرن الماضي بينما الاقتصاد دخل القرن الرقمي.
لقد تغيرت قيمة المعلومة وتغيرت قيمة الموقع وتغيرت طبيعة الاستثمار واصبحت الخرائط الرقمية والبيانات الجغرافية والبنية التحتية واللوجستيك عناصر تحدد قيمة الارض بقدر ما تحددها تربتها ومساحتها.
ومع ذلك ما زلنا في احيان كثيرة نتعامل مع العقار كقطعة جامدة لا كاصل يتغير سعره واستعماله ومردوده بحسب محيطه.
وهنا يمكن ان تصبح املاك الدولة واحدة من اكبر ادوات اعادة بناء الاقتصاد التونسي لا عن طريق بيعها بل عن طريق توظيفها في المكان الصحيح.
ارض قريبة من ميناء يمكن ان تصبح منصة لوجستية و ارض مرتبطة بشبكة كهرباء يمكن ان تدخل في مشروع طاقة و عقار مهجور في مدينة يمكن ان يتحول الى مؤسسة تعليمية او مركز ابتكار او ادارة او فضاء اقتصادي و ارض فلاحية يمكن ان تدخل في مشروع فلاحي حديث قائم على الاقتصاد في الماء والتكنولوجيا و قطعة استراتيجية يمكن ان تكون احتياطا للدولة لعقود قادمة.
هنا تصبح الخريطة الاقتصادية اهم من الخطاب الاقتصادي.
ولذلك فان المعركة الحقيقية ليست مع الارض بل مع الجهل بقيمتها وليست مع الملكية العمومية بل مع تحويلها الى ملكية نائمة وليست مع البيروقراطية كاشخاص بل مع نظام يجعل عدم اتخاذ القرار اكثر امانا من اتخاذ القرار.
تونس تحتاج الى قلب المعادلة فيجب ان يصبح المسؤول خائفا من تعطيل الاصل كما يخاف من التفريط فيه.
لاننا طورنا عبر السنوات ثقافة تحاسب الموظف اذا وقع خطأ لكنها لا تحاسب بما يكفي اذا لم يفعل شيئا وهكذا اصبح القرار خطرا والجمود ملاذا واصبحت الارض تنتظر بينما المسؤول يحتمي بالاجراء.
هذه ليست حكمة ادارية بل وصفة لتجميد الدولة وتونس لا تستطيع ان تواصل بهذه الطريقة.
لا يمكن ان نطلب من الشباب ان يبني مشروعا في ارض الدولة بينما تستغرق الدولة سنوات لتحديد وضعية الارض.
لا يمكن ان نتحدث عن التنمية الجهوية ثم نجهل بدقة الاصول العقارية التي يمكن ان تحملها.
لا يمكن ان نطالب المستثمرين بالمخاطرة بينما لا تقدم لهم الدولة يقينا عقاريا ولا يمكن ان نقول ان البلاد فقيرة قبل ان نعرف قيمة اصولها ومردوديتها وكلفة تعطيلها.
لهذا فان اصلاح املاك الدولة ليس ملفا اداريا صغيرا بل انه احد مفاتيح اعادة بناء الدولة التونسية نفسها وقد يكون اكثر الملفات هدوءا في الظاهر واكثرها انفجارا في العمق.
لانك عندما تفتح الخريطة لا ترى الارض فقط بل ترى تاريخا من القرارات وترى مناطق بقيت خارج التنمية و عقودا انتهت ولم تغلق و اصولا بقيت نائمة و قيمة اقتصادية ضاعت في الزمن و قبل كل شيء مقدار المسافة بين الدولة التي نتصورها في الخطب والدولة التي تعمل فعلا على الارض.
لهذا لا اريد من الدولة ان تقول لنا بعد اليوم ان تونس فقيرة.
اريدها اولا ان تضع دفتر املاكها على الطاولة ثم خريطتها ثم ارقامها ثم عقودها ثم مردودية اصولها وبعد ذلك اذا بقيت فقيرة سنصدقها.
اما قبل ذلك فعبارة «تونس فقيرة» ليست وصفا اقتصاديا كاملا انما اعتراف بفقر اخر اشد خطورة و هو أن فقر الدولة في معرفة قيمة ما تملك.
تونس ليست فقيرة...تونس مضللة
2026-09-24
141 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال