اذا اردنا ان نتحدث عن الفسفاط التونسي بعيدا عن الخطب الجاهزة وعن البيانات النقابية وعن لغة المسؤولين التي تقول لنا كل مرة ان القطاع يمر بظروف استثنائية فعلينا ان نعترف بحقيقة اكثر قسوة.
ما يحدث في شركة فسفاط فصة والمجمع الكيميائي التونسي ليس مجرد تعثر ظرفي ولا مجرد مشكلة اجتماعية ولا مجرد ازمة استثمار. نحن امام منظومة صناعية كاملة اختلت فيها العلاقة بين الانتاج والعمل والاستثمار واللوجستيك والتحويل الكيميائي والتمويل والدور الاجتماعي للدولة.
والارقام حين تترك جانبا لغة التبرير تصبح اكثر فصاحة من كل الخطب.
في 2010 كانت شركة فسفاط فصة تشغل حوالي 4890 عاملا وتنتج قرابة 8.5 ملايين طن من الفسفاط.
وفي 2022 اصبح الانتاج في حدود 3 ملايين طن مقابل حوالي 21000 عامل فيما بلغت كتلة الاجور سنة 2020 حوالي 600 مليون دينار .
في 2010 كان العامل الواحد يرتبط حسابيا بحوالي 1738 طنا من الانتاج السنوي وفي 2022 اصبح الرقم في حدود 143 طنا فقط اي ان الانتاجية المحسوبة بهذه الطريقة تراجعت بحوالي 92%.
وهنا لا يعود السؤال الحقيقي هل عدد العمال كبير ام صغير؟
السؤال الذي ينبغي ان يطرح في مكاتب القرار هو كيف سمحت الدولة لمنظومة صناعية بان تنتقل من 4890 عاملا ينتجون 8.5 ملايين طن الى 21000 عامل ينتجون 3 ملايين طن؟
هذه ليست مجرد مشكلة انتاجية بل مشكلة في تعريف المؤسسة نفسها وفي الوظيفة التي اصبحت تؤديها.
فالمؤسسة الصناعية وجدت لكي تنتج وتستثمر وتخلق القيمة اما عندما تصبح مضطرة الى حمل وظائف اجتماعية لا علاقة مباشرة لها بنشاطها فاننا نكون قد نقلنا عبء السياسة الاجتماعية من ميزانية الدولة الى ميزانية المؤسسة.
وعندما يتكرر ذلك لسنوات تصبح المؤسسة نفسها ضحية لنظام صنعته الدولة وهنا تبدأ قصة شركات البيئة والغراسة والبستنة.
هذه الشركات لم تولد في الاصل باعتبارها نموذجا صناعيا مستقرا فقد ظهرت سنة 2008 كاجراء ظرفي للتخفيف من الاحتقان وتشغيل الشباب وكان يفترض ان تكون مرحلة انتقالية الى حين خلق مناطق صناعية وتنمية اقتصادية حقيقية لكن المرحلة الانتقالية لم تنته والمناطق الصناعية لم تكن بالسرعة المطلوبة فتحول المؤقت الى دائم وتحول الحل الاجتماعي الى بنية مؤسساتية قائمة دون منوال اقتصادي واضح.
في فصة وحدها ارتفع عدد العاملين في هذه الشركات من 2600 سنة 2008 الى 5456 في نهاية 2016 وكانت كتلة الاجور تتجاوز 50 مليون دينار سنويا.
وفي معطيات 2017 بلغ عدد العاملين المرتبطين بشركات البيئة التابعة للمنظومة المنجمية حوالي 11400 عامل بكتلة اجور قدرت بحوالي 110 ملايين دينار سنويا.
ما الذي تحصل عليه المؤسسة فعليا مقابل عشرات الملايين التي تنفق سنويا؟ ما هي الخدمات؟ ما حجمها؟ ما نتائجها؟ وما الذي يمكن قياسه منها؟
المشكلة ليست في العامل الذي وجد نفسه داخل منظومة صنعتها الدولة بل في منظومة صنعت وظيفة بلا اقتصاد ثم طلبت من المؤسسة الصناعية ان تدفع ثمنها الى ما لا نهاية وهنا يظهر المفهوم الذي لا تحب الادارة كثيرا سماعه و هو «تكلفة الفرصة البديلة».
عندما تكون لدينا كتلة اجور في حدود 110 ملايين دينار سنويا فان 10 سنوات بهذا المستوى تعادل حسابيا 1.1 مليار دينار و في خمسة عشرة سنة تعادل 1.65 مليار دينار.
وهذه ليست ارقاما محاسبية فعلية للانفاق التاريخي لان كتلة الاجور تغيرت عبر السنوات ولا تتوفر سلسلة مالية سنوية تسمح بجمع دقيق لكنها تطرح سؤالا اكثر اهمية من الرقم نفسه ماذا كان يمكن ان تفعل هذه الاموال لو وجهت الى الاستثمار المنتج؟
كم مغسلة كان يمكن تطويرها؟ كم آلة كان يمكن اقتناؤها؟
كم كيلومترا من السكة كان يمكن صيانته؟ كم من معدات الانتاج كان يمكن تجديدها؟ كم من مشاريع الماء والطاقة والصيانة والرقمنة كان يمكن تمويلها؟
هذا هو السؤال الذي يجب ان يحكم الدولة ليس فقط كم دفعنا؟
بل ماذا خسرنا لاننا دفعنا بهذه الطريقة؟
والامر يصبح اكثر قسوة عندما نضع كتلة اجور شركة فسفاط قفصة المقدرة بحوالي 600 مليون دينار سنة 2020 في مواجهة انتاج يقارب 3 ملايين طن في 2022.
الحساب هنا تقريبي فقط بسبب اختلاف السنوات لكنه يعطينا مؤشرا يبلغ حوالي 200 دينار من الاجور لكل طن. وهذا لا يعني ان 200 دينار هي الكلفة الفعلية للاجور لكل طن لان المقارنة ليست بين السنتين نفسيهما لكنه يكشف حجم الاختلال الذي اصاب البنية المالية للمؤسسة.
والـ200 دينار الافتراضية هذه لا تشمل المعدات ولا الطاقة ولا الصيانة ولا النقل ولا المياه ولا المغاسل ولا التمويل ولا الادارة ولا الاستثمار اي اننا نتحدث عن جزء واحد فقط من الكلفة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي اكثر قسوة كم يجب ان يكون سعر طن الفسفاط حتى تستطيع المؤسسة تحمل هذه البنية؟
وهل تستطيع المؤسسة منافسة المنتجين الاخرين اذا كانت تحمل داخل كلفة انتاجها اعباء لا ترتبط كلها بالانتاج؟
هذه ليست مسألة ايديولوجية انما مسألة حساب.
والمشكلة ان تونس تأخرت طويلا في الحساب.
اعتدنا النظر الى شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي كأنهما مؤسستان منفصلتان لكن المهندس الذي ينظر الى السلسلة الصناعية لا يراهما كذلك.
المنجم ينتج الخام و المغسلة تعالجه و السكك تنقله و المجمع يحوله و الميناء يصدره والاقتصاد الوطني ينتظر في النهاية القيمة المضافة والعملات الصعبة.
ولهذا عندما ينخفض انتاج المنجم لا تتضرر شركة فسفاط قفصة وحدها بل المجمع الكيميائي يدفع ايضا.
وعندما يتراجع وصول الفسفاط التجاري تنخفض قدرة المصانع على العمل وتتراجع القيمة المضافة وتتراجع الصادرات.
وثائق وزارة المالية تشير الى ان النشاط التحويلي للمجمع الكيميائي تراجع خلال العشرية الاخيرة الى حوالي 40% من طاقته التصميمية بسبب تراجع الكميات المستلمة من الفسفاط التجاري منذ 2011.
كما بلغت صادرات الفسفاط ومشتقاته 2.865 مليار دينار سنة 2022 مع تقدير بلغ 3.596 مليار دينار لسنة 2023.
وهنا يتضح خطأ كل خطة اصلاح تركز على مؤسسة واحدة وتترك السلسلة الصناعية كلها تتآكل.
المشكلة ليست في المنجم وحده بل في السلسلة والحل يجب ان يكون للسلسلة.
لهذا فان اعلان استراتيجية تستهدف رفع انتاج الفسفاط التجاري الى 9.4 ملايين طن في افق 2035 باستثمارات تقدر بحوالي 2.7 مليار دينار يجب ان يكون محل اهتمام جدي لكنه لا ينبغي ان يكون مناسبة جديدة للتصفيق للمبلغ.
2.7 مليار دينار رقم كبير لكن ليس هذا ما يجب ان يخيفنا فالذي ينبغي ان يخيفنا هو انفاق 2.7 مليار دينار بعقلية الماضي لان شراء معدات جديدة لا يعني اصلاح المؤسسة.
يمكن ان تشتري الدولة احدث المعدات في العالم وتضعها داخل منظومة حوكمة عاجزة ثم تكتشف بعد سنوات ان المشكلة لم تكن في الحديد بل في طريقة ادارة الحديد.
كل مشروع يجب ان تكون له مردودية قابلة للقياس و كل دينار يجب ان يجيب عن سؤال كم طن اضافيا سيولد؟
كم سيخفض من كلفة الطن؟ كم ساعة توقف سيمنع؟
كم سيضيف الى التحويل الكيميائي؟ وكم من العملة الصعبة سيعيد الى البلاد؟
هذه ليست بيروقراطية جديدة بل هي ابجديات الادارة الصناعية.
ومشروع ام الخشب يقدم مثالا داخل القطاع نفسه.
فقد بلغت كلفته 329 مليون دينار بطاقة انتاجية تقارب مليوني طن سنويا مع طاقة تشغيلية تقديرية في حدود 600 موطن شغل.
حسابيا تعادل كلفة الاستثمار حوالي 164.5 دينار لكل طن من الطاقة السنوية المستهدفة وهذا الرقم ليس سعر طن الفسفاط بل مؤشر على كثافة الاستثمار المطلوب لبناء طاقة انتاجية جديدة.
وهنا يكمن الفارق بين المال الذي يستهلك والمال الذي يبني.
هناك مال يدفع كل شهر ثم ينتهي وهناك مال يتحول الى مغسلة ومعدات وسكة ومصنع وطاقة انتاجية تستمر لسنوات.
الدولة ليست مطالبة باختيار العامل ضد المؤسسة ولا المؤسسة ضد العامل.
الدولة مطالبة ببناء مؤسسة تستطيع ان تنتج بما يكفي حتى يكون العامل جزءا من القيمة التي تنتجها لا مجرد بند دائم في فاتورة لا علاقة لها بمستوى الانتاج ومن هنا يجب ان تعاد صياغة وظيفة شركات البيئة.
ليس المطلوب اغلاقها وترك الاف العائلات امام المجهول وليس المطلوب ايضا استمرار الوضع الحالي الى الابد.
الحل هو ان تتحول هذه الشركات الى شركات خدمات صناعية وبيئية حقيقية بعقود واضحة ومهام واضحة ومؤشرات اداء واضحة.
اذا كانت شركة ما تتقاضى 20 مليون دينار سنويا فعليها ان تقدم مقابل ذلك خدمات يمكن قياسها من صيانة و استصلاح بيئي و تشجير و معالجة نفايات و تنظيف مواقع صناعية و حماية منشآت او غير ذلك من الخدمات التي تحتاجها المنظومة فعليا.
عندها تتحول المعادلة من اجر الى عقد ومن عقد الى خدمة ومن خدمة الى نتيجة ومن نتيجة الى فاتورة قابلة للتدقيق.
هذه ليست قسوة على العامل بل حماية للمؤسسة وللعامل في الوقت نفسه.
اما ترك المؤسسة تدفع من اجل المحافظة على وضع لا علاقة له بمردودية النشاط فهو في النهاية ليس حماية للعمال بل تأجيل للمشكلة ولا يمكن اصلاح هذه المنظومة عبر عملية تسريح جماعي.
ذلك سيكون تبسيطا غبيا لمشكلة معقدة فالحوض المنجمي ليس رقما في ميزانية بل هو مجتمع كامل نشأ حول المنجم وتشكلت داخله مصالح وعائلات ومهن وخدمات ومدن.
لذلك ينبغي ان يكون الاصلاح انتقاليا.
العامل المرتبط مباشرة بالانتاج يبقى في قلب الانتاج والاختصاص الفني يمكن تحويله الى نشاط صيانة و نشاط حقيقي والعامل في الخدمات البيئية يمكن ادماجه في عقود استصلاح وتشجير ومعالجة نفايات.
والوظائف الادارية الزائدة يمكن معالجتها بالتكوين واعادة التوزيع والتقاعد الطبيعي.
ثلاث الى خمس سنوات من الانتقال المنظم افضل بكثير من قرار صادم ثم انتظار الانفجار الاجتماعي فالهدف ليس تقليص عدد البشر.
الهدف هو تقليص عدد الوظائف التي لا تنتج قيمة.
وهنا نصل الى المسألة التي لا يمكن لاي اصلاح صناعي ان ينجح بدونها «تكلفة الطن».
كل طن فسفاط يجب ان تكون له بطاقة كلفة واضحة.
كلفة الاستخراج و كلفة الغسل و كلفة الماء و كلفة الطاقة و كلفة الصيانة و كلف النقل و كلفة اليد العاملة و كلفة التمويل و كلفة المصاريف العامة.
ثم نعرف اخيرا كلفة الطن الحقيقية.
وعندها فقط يمكن ان نسأل اين نخسر؟
هل نخسر في المنجم؟ام في المغسلة؟ام في الطاقة؟ام في النقل؟ام في الصيانة؟ام في التوقفات؟ام في العمالة؟ام في التمويل؟ام في ضعف التحويل؟
اما ان ندير مؤسسة صناعية من دون ان نعرف كلفة طنها فذلك يشبه قيادة سيارة دون عداد سرعة ثم الغضب عندما ينفد الوقود.
والسكك الحديدية يجب ان تدخل هي الاخرى في هذا الحساب.
السكة المنجمية ليست مجرد خدمة لوجستية بل جزء من كلفة الطن.
يجب معرفة كلفة نقل الطن لكل كيلومتر واستهلاك الطاقة والصيانة والاجور والاهلاك وزمن الرحلة والطاقة الاستيعابية والخسائر الناتجة عن التأخير.
وعندما تتوفر هذه الارقام يصبح القرار هندسيا لا سياسيا.
اذا كانت السكك اكثر كفاءة تستثمر فيها واذا احتاجت المنظومة الى النقل بالشاحنات في مرحلة انتقالية يكون ذلك محددا ومقاسا ومراقبا.
والامر نفسه ينطبق على الماء والطاقة فكل مغسلة يجب ان تعرف كم مترا مكعبا من الماء تحتاج لانتاج طن وكل وحدة صناعية يجب ان تعرف كم كيلوواط ساعة تحتاج لانتاج طن وكل مصنع يجب ان يعرف حجم النفايات التي ينتجها وما الذي يعاد تثمينه منها.
عندها فقط تصبح الرقمنة شيئا مفيدا ليس شاشة عملاقة في قاعة اجتماعات بل نظاما يخبر المدير في الوقت الحقيقي ان استهلاك الماء ارتفع وان استهلاك الطاقة زاد وان آلة معينة بدأت تفقد مردوديتها وان زمن التوقف تجاوز المعدل المقبول.
هذه هي التكنولوجيا التي تحتاجها شركة فسفاط قفصة بلا مزيد من العروض البصرية اللامعة التي تخفي وراءها مؤسسة لا تعرف كلفة طنها.
والعودة الى ارشيف قيس الدالي مفيدة هنا ليس لتقديس رجل ولا لتحويل مدير سابق الى اسطورة بل لان بعض النقاشات التي ظهرت منذ سنوات كانت تضع اصبعها على المشكلة قبل ان تتحول الى ما هي عليه اليوم.
في 2011 كانت شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي يواجهان ازمة حادة وكانت المعطيات المتداولة انذاك تشير الى تراجع الارباح الى حوالي 200 مليون دينار مقابل 825 مليون دينار سنة 2010 مع تشغيل في حدود 30% من الطاقة العادية.
كان يمكن اعتبار ذلك ظرفا استثنائيا لكن تونس اخطأت عندما سمحت للظرف الاستثنائي بان يتحول الى طريقة ادارة دائمة ومن هنا يجب ان تكون الخطة الجديدة مختلفة.
لا نحتاج الى شراء الوقت مرة اخرى بل نحتاج الى شراء القدرة الانتاجية.
وهذا يقود الى فكرة مالية بسيطة مفادها أنه يجب الفصل بين اموال الانتاج واموال التنمية الاجتماعية.
يمكن ان يكون لدينا مسار مالي خاص بالانتاج يمول المعدات والمغاسل والمناجم والسكك والصيانة والرقمنة ومسار خاص بالتحويل الصناعي يمول الماء والطاقة والتحويل الكيميائي والتكنولوجيا وتثمين المنتجات الثانوية ومسار خاص بالتنمية الجهوية يمول المؤسسات الصغرى والتكوين والبنية الاساسية والصحة والماء والمشاريع الفلاحية والطاقات المتجددة.
والقاعدة الاهم هي الا نخلط هذه الحسابات.
صندوق الانتاج لا يجب ان يتحول الى صندوق للتنمية الاجتماعية لان التنمية الاجتماعية مسؤولية دولة بينما الانتاج مسؤولية مؤسسة.
واذا خلطنا الاثنين لن نحصل في النهاية لا على تنمية ولا على مؤسسة قادرة على الانتاج.
اما الوصول الى 9.4 ملايين طن في افق 2035 فاذا تحقق فلا ينبغي ان نعتبره نهاية الطريق.
9.4 ملايين طن وحدها لا تكفي فيمكن ان تنتج 9.4 ملايين طن بكلفة مرتفعة ويمكن ان تنتج 9.4 ملايين طن دون استغلال كامل طاقة التحويل الكيميائي ويمكن ان تنتج 9.4 ملايين طن وتترك جزءا كبيرا من القيمة المضافة خارج البلاد.
المعيار الحقيقي ليس كمية الخام وحدها.
المعيار هو كم ننتج؟ وكم تكلفنا الوحدة؟ وكم نحول منها؟ وكم قيمة مضافة نبني حولها؟ وكم من العملة الصعبة تدخل الى تونس بعد احتساب كلفة الانتاج والطاقة والنقل والتمويل؟
هذا هو الفرق بين اقتصاد يبيع مادة اولية واقتصاد يبني صناعة..
تونس لا تعاني من نقص الفسفاط فلدينا الخام ولدينا المناجم ولدينا المغاسل ولدينا المجمع الكيميائي ولدينا السكك ولدينا الموانئ ولدينا المهندسون والتقنيون والعمال ولدينا خبرة تراكمت لعقود لكننا فقدنا شيئا اكثر اهمية من كل ذلك
فقدنا المعادلة التي تربط عناصر المنظومة ببعضها.
ولهذا فان الحل ليس في شيطنة العامل وليس في تقديس المؤسسة العمومية وليس في اغلاق شركات البيئة بقرار اداري وليس في انتداب مزيد من العمال لشراء الهدوء وليس في ضخ قرض جديد لسداد اجور قديمة.
الحل هو اعادة بناء السلسلة كلها.
منجم ثم مغسلة ثم سكة ثم مصنع ثم تحويل ثم ميناء ثم تصدير ثم عملة صعبة ثم استثمار ثم تنمية جهوية.
عندها فقط تعود شركة فسفاط قفصة الى وظيفتها الطبيعية كمؤسسة اقتصادية ويعود المجمع الكيميائي الى وظيفته كمؤسسة تحويل وتتحول شركات البيئة الى شركات خدمات حقيقية وتتحول التنمية الجهوية من فاتورة مخفية داخل المؤسسات الى سياسة دولة معلنة وممولة ومقاسة.
اما اخطر قرار يمكن ان تتخذه تونس اليوم فهو ان تنفق 2.7 مليار دينار على مستقبل الفسفاط بعقلية الماضي لان المشكلة لم تعد في نقص المال.
المشكلة ان كل دينار جديد يجب ان يعرف مسبقا لماذا انفق وماذا سيضيف وكم سيخفض من الكلفة وكم سيخلق من قيمة وكم سيعيد الى تونس من العملة الصعبة.
هذا هو الحساب الذي تأخر طويلا وهذا هو الحساب الذي يجب ان يبدأ قبل ان يبدأ الاستثمار الجديد لا بعد ان تنتهي المليارات.
عماد عيساوي
الفسفاط التونسي : الحساب الذي له يعد يحتمل التأجيل.
2026-09-24
100 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال