بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تونس ليست بلدا صغيرا بل دولة تملك الجغرافيا و تخسر الإقتصاد

2026-09-23 104 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تونس ليست بلدا صغيرا بل دولة صغيرة المساحة نسبيا وكبيرة الموقع وهذه نقطة فارقة يفترض ان تكون منطلقا للعقيدة الاقتصادية للدولة لا مجرد جملة للاستهلاك الوطني.

فالدولة التي تمتلك نحو 1320 كيلومترا من السواحل وتقع في قلب المتوسط وتفصلها مسافات قصيرة عن الاسواق الاوروبية وتتصل بريا بعمق مغاربي يفتح على الجزائر وليبيا وتمتلك 9 مطارات دولية وشبكة من الموانئ التجارية
لا يجوز ان تتصرف اقتصاديا كما لو ان قدرها التاريخي هو ادارة السياحة الموسمية وتحويلات المهاجرين وبعض الصناعات الموجهة للتصدير.
الموقع الجغرافي ليس ثروة في حد ذاته لكنه يصبح ثروة عندما تمتلك الدولة مؤسسات تستطيع تحويله الى حركة تجارية واستثمارية ولوجستية ومالية.
تونس تملك الاصل لكنها لم تبن بعد النظام الذي يجعل الاصل ينتج ولذلك فان ازمتها ليست ازمة موارد بقدر ما هي ازمة تحويل الموارد الى قيمة.

هذه الحقيقة تصبح اكثر قسوة عندما ننظر الى الاقتصاد العالمي كما هو اليوم. سلاسل الامداد تتغير والشركات الاوروبية تبحث عن القرب الجغراف والامن اللوجستي اصبح جزءا من الامن الاقتصادي والبحر المتوسط لم يعد مجرد فضاء للسياحة والهجرة والتبادل التجاري التقليدي بل تحول الى مسرح تتقاطع فيه التجارة والطاقة والامن والموانئ والبيانات وسلاسل القيمة.
وفي هذا السياق لا تحتاج تونس الى اختراع موقع جديد بل الى التوقف عن اهدار الموقع الموجود.
اظهرت دراسة للبنك الدولي في 2025 ان تحسين الاتصال بالموانئ وتقليص زمن بقاء البضائع يمكن ان يرفع الناتج المحلي الاجمالي لتونس بنحو 4 الى 5 نقاط مئوية خلال ثلاث الى اربع سنوات وان تحسين البنية التحتية للموانئ يمكن ان يحقق مكاسب اضافية بينما يمكن معالجة الاختناقات المؤسسية في الجمارك واللوجستيات ان تضيف اكثر من نقطة مئوية كما قدر البنك ان تحول تونس على المدى الطويل الى منصة لاعادة الشحن يمكن ان يحمل مكاسب اكبر بكثير تصل الى نحو 11 الى 14 % من الناتج المحلي الاجمالي.
هذه الارقام وحدها كافية لتغيير طريقة التفكير فاصلاح الموانئ ليس سياسة نقل بل سياسة نمو واصلاح الديوانة ليس اجراء اداريا بل سياسة صناعية وربط الموانئ بالسكك ليس مشروعا تقنيا بل سياسة تصدير وتوسعة المطارات ليست اشغال بناء بل اعادة تموضع للدولة داخل الاقتصاد الاقليمي.

المشكلة التونسية ان الدولة قسمت المنظومة الى مؤسسات ووزارات ودواوين ثم نسيت ان الاقتصاد لا يعترف بهذا التقسيم.
المستورد لا يهتم اي وزارة عطلت ملفه والمصدر لا يستطيع ان يقول للعميل الاوروبي ان الجمارك ليست مسؤوليته والسائح لا يعنيه من المسؤول عن الامتعة والمصنع لا يستطيع ان يبيع منتجه للمنافسة العالمية اذا بقيت الحاوية عالقة في الميناء.
الدولة تقيس اداء كل جهاز منفردا بينما يجب ان تقيس الزمن والتكلفة من لحظة دخول البضاعة الى تونس او خروجها منها الى ان تصل الى وجهتها. وهنا تكمن احدى اكثر نقاط الضعف خطورة فيمكن ان تكون كل مؤسسة قد قامت بما تعتبره واجبها ومع ذلك تكون الدولة كلها قد فشلت.

ميناء رادس مثال صارخ على ذلك. ديوان البحرية التجارية والموانئ يصفه بانه الميناء الاول للحاويات في البلاد ويؤمن 76 % من الحاويات المقاسة بعشرين قدما و80 % من المجرورات وهو ما يجعل تركيز هذا الحجم من النشاط في عقدة واحدة نقطة قوة من ناحية التخصص ونقطة ضعف من ناحية المخاطر النظامية.
وفي 2025 سجلت الموانئ التجارية باستثناء الصخيرة ارتفاعا في عدد الحاويات بنسبة 9 بالمائة الى 538,692 وحدة مكافئة لعشرين قدما وارتفاع البضائع العامة بنسبة
7 % كما ارتفعت حركة المسافرين بنسبة 4 % وهي مؤشرات تؤكد ان الطلب موجود وان المنظومة ليست ميتة كما قد يوحي الخطاب التشاؤمي.
لكن المشكلة تكمن في الكفاءة والسرعة وقابلية التوسع. البنك الدولي قدر متوسط زمن بقاء حاويات الواردات في رادس بنحو 19 يوما في 2023 وهي مدة لا يمكن لدولة تريد ان تكون منصة لوجستية ان تعتبرها تفصيلا اداريا.

الحاوية التي تبقى 19 يوما ليست مجرد حاوية متأخرة بل رأس مال مجمد وخط انتاج ينتظر ومخزون يكلف وشاحنة غير مستغلة وفاتورة تمويل تتراكم وعقد تصدير يمكن ان يتضرر وسعر نهائي يمكن ان يرتفع لذلك يجب ان تتغير فلسفة الدولة من قياس نشاط الميناء بعدد السفن والحاويات فقط الى قياسه بقيمة الزمن الذي يستغرقه الاقتصاد لعبور الميناء.
المؤشر السيادي الجديد ليس كم حاوية مرت بل كم ساعة استغرقتها الحاوية من السفينة الى المصنع.

وهنا نصل الى الثغرة القانونية والمؤسساتية التي لا يجوز تجاهلها. تونس ليست بلا قوانين تسمح بالاصلاح بل على العكس لديها ترسانة قانونية تتيح جزءا كبيرا مما يجب فعله. القانون عدد 23 لسنة 2008 المتعلق بنظام الامتيازات وضع اطارا لاستغلال المرافق والاملاك والتجهيزات العمومية بواسطة الامتياز ثم جاء القانون عدد 49 لسنة 2015 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص ليؤسس آلية اخرى لتمويل وانجاز وصيانة البنية التحتية والخدمات المرتبطة بها.
القانون 49 لسنة 2015 يفرض من حيث المبدأ دراسة الجوانب القانونية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والفنية للمشروع قبل اللجوء الى صيغة الشراكة كما ينص على مبادئ الحوكمة والشفافية والمنافسة وتقاسم المخاطر.
تونس تملك الادوات القانونية لكنها لم تحولها الى عقيدة موحدة لادارة الاصول الاستراتيجية بل ان التنظيم الحالي للهيئة العامة للشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص يجعل عقود الامتياز وعقود الشراكة خاضعة لرأي مسبق في حالات محددة ويجعل رأي الهيئة ملزما بالنسبة الى ملفات الوزارات والمؤسسات العمومية بينما يكون استشاريا بالنسبة الى المؤسسات العمومية والشركات العمومية.
هذه الثنائية في الطبيعة القانونية للرأي تكشف مشكلة اعمق فالدولة لا تزال تميز بين المؤسسات في مستوى الرقابة في حين ان الاصل العام يجب ان يكون ان كل عقد طويل الاجل يتعلق باصل سيادي او خدمة احتكارية او مورد عمومي يخضع لقاعدة شفافية ومحاسبة متقاربة بغض النظر عن اسم المؤسسة التي وقعته.

المطلوب لذلك ليس مجرد تعديل فصل او اضافة امر حكومي بل اعادة هندسة قانونية كاملة تحت عنوان قانون السيادة اللوجستية والممرات الاقتصادية.
هذا القانون يجب ان يفصل بصورة صارمة بين اربعة ادوار كثيرا ما تختلط في الدولة التونسية: ملكية الاصل وتنظيم النشاط وتشغيل الخدمة والرقابة على الاداء.
الدولة يمكن ان تحتفظ بملكية الارض والبنية السيادية لكن لا ينبغي ان تكون هي في الوقت نفسه المنظم والمشغل والمراقب والمستفيد من الرسوم نفسها.
التنظيم يجب ان يكون مستقلا وظيفيا والتشغيل يمكن ان يكون عموميا او خاصا بحسب طبيعة النشاط والرقابة يجب ان تكون مبنية على بيانات ومؤشرات قابلة للتدقيق.

وهذا يقود مباشرة الى المطارات فتونس لديها 9 مطارات دولية لكن وجود شبكة مطارات لا يعني وجود شبكة جوية اقتصادية.
تونس قرطاج يتحمل الجزء الاكبر من الحركة بينما توجد طاقات اخرى في النفيضة والمنستير وجربة وصفاقس وغيرها.
هذه ليست مشكلة هندسية بقدر ما هي مشكلة استراتيجية. الدولة لا تحتاج الى مطارات كثيرة بقدر ما تحتاج الى وظائف اقتصادية واضحة لكل مطار.
تونس قرطاج يجب ان يبنى حول وظيفة مركز الاعمال والربط الدولي و النفيضة يجب ان يعاد تعريفه كمنصة للسياحة واللوجستيات والصناعة وخدمات الشحن و جربة جرجيس يمكن ان تصبح بوابة اقتصادية للجنوب والعلاقات مع ليبيا والاسواق الافريقية وصفاقس يمكن ان ترتبط اكثر بالصناعة والخدمات والاقتصاد التجاري اما بقية المطارات فيجب ان تقاس ليس بعدد الرحلات التي تمر بها بل بقيمتها الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية.

والاهم هو تونس قرطاج،المشروع المعلن لتوسعة المطار ورفع طاقته المستقبلية الى نحو 18.5 مليون مسافر في افق 2031 باستثمار يقدر بحوالي 3 مليارات دينار يمكن ان يكون احد اهم مشاريع البنية التحتية في تونس خلال العقد المقبل لكنه يمكن ايضا ان يتحول الى اكبر مثال على سوء فهم الاستثمار اذا اكتفت الدولة بتوسيع المبنى دون اعادة بناء نموذج التشغيل.
المطار الذي يملك 18.5 مليون مسافر من الطاقة لا يصبح Hub بمجرد امتلاك صالات اكبر فالـHub يحتاج الى شبكة رحلات وتوقيتات مترابطة وقدرة على تحويل المسافر من رحلة الى اخرى وشركة طيران قادرة على التغذية ومناولة ارضية سريعة وجمارك ذكية وربط بري وسككي ومناطق شحن جوي وصيانة طائرات وفنادق ومراكز اعمال ومخازن جمركية وخدمات مالية وتأمينية وبيئة قانونية تجعل الشركات تريد ان تتمركز حول المطار.

اذا لم تفعل الدولة ذلك فستكون قد بنت مطارا اكبر لمشكلة اكبر.
المطار الحديث يجب ان يعامل باعتباره منطقة اقتصادية. ويمكن لتونس ان تنشئ حول تونس قرطاج والنفيضة وجربة جرجيس مناطق اقتصادية جوية متخصصة مع اعفاءات او حوافز مرتبطة بنتائج قابلة للقياس مثل الاستثمار والتشغيل والتصدير والشحن والتكوين وليس بمجرد تسجيل الشركات. ويجب ان تكون هذه المناطق مرتبطة مباشرة بشبكات السكك والموانئ والطرق لان مطارا معزولا عن المنظومة اللوجستية لا يمكن ان يتحول الى مركز اقليمي.

لكن اي استراتيجية جوية ستظل ناقصة من دون اصلاح الخطوط التونسية وهنا يجب ان نكون دقيقين لان التهويل يضر بالقضية مثلما يضر بها التبرير.
البيانات الرسمية المنشورة للربع الاول من 2026 تظهر ان تونس للطيران نقلت 540,651 مسافرا مقابل 495,195 في الفترة نفسها من 2025 وبلغ معامل الامتلاء 75.8 % واستخدام الاسطول 9.58 ساعات يوميا للطائرة مقابل 8.43 في الربع الاول من 2025.
كما تظهر البيانات وجود 19 طائرة في الاستغلال منها 7 مملوكة للشركة وثلاث في leasing مالي وتسع في location longue durée مع 2,553 موظفا ومديونية في حدود 710 ملايين دينار في نهاية الربع الاول من 2026. هذه الارقام تقول شيئا بالغ الاهمية أن تونيسير بدأت تحسن بعض مؤشرات الاستغلال لكنها ما زالت تحتاج الى اصلاح هيكلي للميزانية والاسطول والشبكة والحوكمة.

الحل ليس بيع الشركة في سوق سياسية ساخنة وليس ضخ اموال عامة بلا شروط.
المطلوب هو اعادة تعريفها باعتبارها ناقلا تجاريا له وظيفة سيادية محددة فالدولة يجب ان تحدد الخطوط التي تعتبرها خدمة عمومية او ضرورة استراتيجية ثم تدفع مقابل هذه الخدمة بشفافية اما الخطوط التجارية فيجب ان تخضع لحساب الربحية والعائد لكل مقعد وساعات تشغيل الطائرة وتكلفة الرحلة ونسبة الامتلاء والعائد لكل مسافر وكلفة الوقود والصيانة والمناولة والايجار والتأمين.
البيانات المنشورة تظهر مثلا ان نفقات المناولة الارضية بلغت 36 مليون دينار في الربع الاول من 2026 والوقود 77 مليون دينار ورسوم المطارات 112 مليون دينار وتكاليف الموظفين 55 مليون دينار خلال الفترة نفسها.
و هذه ليست ارقاما محاسبية صامتة بل خريطة كاملة لنقاط النزيف التي يجب تحليلها بندا بندا.

الاصلاح الحقيقي للخطوط التونسية يبدأ من مجلس ادارة مهني وعقد اداء واضح لا من قرار سياسي بتغيير الرئيس مدير عام و يجب ان يكون لكل طائرة برنامج استخدام ولكل خط جوي business case ولكل قرار leasing او شراء طائرة اختبار مالي مستقل ولكل خدمة غير تجارية عقد خدمة عمومية منفصل.
الشركة التي تحمل عبئا سياديا يجب ان تحصل على تعويض واضح عنه لا ان يختبئ العبء داخل خسائرها ثم يقال بعد سنوات ان الشركة غير كفؤة. وفي المقابل لا يجوز استخدام عبارة الخدمة العمومية كغطاء دائم للحفاظ على خطوط او عمليات لا يمكن الدفاع عنها اقتصاديا.

والاصلاح الاكثر حساسية هو اصلاح الموارد البشرية فلا معنى لمقارنة عدد الموظفين بالشركات الاجنبية بصورة ميكانيكية لان طبيعة الشبكات والخدمات تختلف لكن يجب ان تصبح الانتاجية مؤشرا مركزيا.
المطلوب ليس تسريحا عشوائيا بل وقف التوظيف غير الضروري و اعادة توزيع الوظائف و التقاعد الاختياري حيث يكون ممكنا و التكوين و اعادة التأهيل والانتقال الى عقود اداء للادارة العليا.
الموظف ليس عدوا للشركة لكن الشركة ليست ملكا للموظف و هذه القاعدة يجب ان تحكم كل المؤسسات العمومية.

في الموانئ يجب الانتقال تدريجيا الى نموذج landlord port.
الدولة تحتفظ بالملكية والسيادة والتنظيم بينما يمكن ان تتنافس شركات متخصصة على التشغيل والمناولة وفق عقود طويلة الاجل ومؤشرات اداء دقيقة وهذا لا يعني بيع الميناء بل يعني ان الدولة تتوقف عن محاولة القيام بكل وظيفة بنفسها.
ويمكن للامتيازات ان تكون وسيلة استثمار اذا صممت العقود بطريقة تمنع نقل الربح الى القطاع الخاص مع ابقاء الخطر على الدولة.
يجب ان يتضمن كل عقد سقفا واضحا للمخاطر التي تتحملها الخزينة وآلية مراجعة التعريفات والتزامات استثمارية ومؤشرات اداء وحقوق تدقيق وشروط فسخ وآلية استرداد الاصل عند انتهاء العقد.

كما يجب تعديل قواعد المحاسبة العامة للمشاريع الكبرى بحيث تظهر الالتزامات المستقبلية للشراكات والامتيازات في صورة شفافة لان اخطر ديون الدولة ليست دائما الديون التي تظهر في جدول القروض.
هناك التزامات مستقبلية وضمانات ومدفوعات مرتبطة بالعقود طويلة الاجل يمكن ان تتحول الى عبء على الميزانيات القادمة اذا لم تخضع لحساب مالي صارم.

الجمارك تحتاج بدورها الى ثورة مؤسساتية.
تونس لديها مجلة للديوانة صادرة بالقانون عدد 34 لسنة 2008 لكنها تحتاج اليوم الى الانتقال من فلسفة الرقابة الشاملة الى ادارة المخاطر القائمة على البيانات.
لا يمكن لدولة تريد ان تصبح منصة لوجستية ان تعامل كل حاوية باعتبارها مشتبها بها و يجب ان يكون هناك single window حقيقي وليس مجرد منصات الكترونية متعددة تتطلب من المواطن والشركة الانتقال بين نظام وآخر.
الملف الرقمي يجب ان يكون واحدا والمعلومة تدخل مرة واحدة ثم تتداول بين الجهات المصرح لها وفقا لصلاحياتها.

الرقمنة هنا ليست مسألة تقنية بل اداة لمحاربة الريع الاداري. كلما احتكر الموظف المعلومة زادت قوة موقعه.
وكلما اصبح الاجراء رقميا قابلا للتتبع تقل مساحة التفاوض غير الرسمي لذلك يجب ان يكون لكل حاوية رقم تعريفي رقمي ولكل مرحلة توقيت ولكل قرار اسم الجهة التي اتخذته ولكل تأخير سبب مسجل ولكل استثناء سند قانوني.
وعندها يمكن للدولة ان تعرف في نهاية كل شهر اين تضيع الساعات والاموال.

كما يجب ربط الميناء بالسكك فلا يمكن الحديث عن منصة لوجستية حقيقية بينما تبقى البضاعة رهينة النقل البري وحده.
مشروع الربط ليس مجرد سكة حديد بل جزء من استراتيجية وطنية لتقليل تكلفة النقل وتحسين القدرة التنافسية.
الميناء الحديث ليس مكانا تدخل اليه الشاحنات فقط بل عقدة تنتقل منها البضائع بالسكك والطرق الى مناطق الانتاج والاستهلاك والتصدير.
وهنا تظهر الحاجة الى مشروع وطني يسمى الممرات الاقتصادية التونسية (تونس قرطاج ـ رادس ـ المناطق الصناعية، النفيضة ـ الساحل ـ القيروان ـ صفاقس، جرجيس ـ الجنوب ـ ليبيا ـ افريقيا ).
و ( بنزرت ـ الشمال الغربي ـ الجزائر).
كل ممر يجب ان تكون له شركة او هيئة تنسيق ومؤشرات زمن وتكلفة وحجم تجارة واستثمار وليس مجرد لجنة وزارية تجتمع وتصدر محاضر.

وهذا يقود الى اعادة النظر في شكل الدولة نفسها.
تونس لا تحتاج الى تضخيم الادارة كي تصلح اللوجستيات بل تحتاج الى ادارة استراتيجية صغيرة وقوية وهيئات تنظيمية مهنية ومؤسسات تشغيلية تخضع لعقود اداء.
وزارة النقل يجب ان تضع السياسات والمعايير لا ان تصبح غرفة عمليات يومية لكل مطار وميناء وشركة.
المؤسسة العمومية يجب ان تدير النشاط لا ان تضع القواعد لنفسها والمنظم يجب ان يكون قادرا على معاقبة المشغل حتى لو كان المشغل مؤسسة عمومية.

وهنا بالضبط تكمن احدى اكبر الثغرات في الحوكمة التونسية و هي الخوف من تطبيق منطق السوق داخل القطاع العام والخوف في الوقت نفسه من تنظيم القطاع الخاص بصرامة. النتيجة هي اسوأ نموذج ممكن بمؤسسات عمومية غير مطالبة دائما بمؤشرات السوق وامتيازات خاصة قد تتحول الى احتكارات ودولة عالقة بينهما.
المطلوب ليس خصخصة الدولة ولا تأميم الاقتصاد بل بناء دولة مالكة ومنظمة ومحايدة وقادرة على فرض قواعد اللعبة.

خلال المئة يوم الاولى يجب ان تعلن الحكومة حالة اعادة هيكلة استراتيجية للنقل واللوجستيات لا بمعنى حالة استثنائية قانونية بل باعتبارها برنامجا وطنيا محدد الاجل. يتم انشاء غرفة قيادة اقتصادية تضم النقل والمالية والديوانة والصناعة والاستثمار والسكك والموانئ والمطارات والخطوط التونسية وتكون مهمتها الوحيدة متابعة مؤشرات محددة يوميا واسبوعيا.
في المطارات يتم اجراء audit تشغيلي ومالي كامل لتونس قرطاج والنفيضة والمنستير وجربة جرجيس وصفاقس مع تحديد تكلفة كل مسافر وكل رحلة وكل ساعة تأخير وكل خدمة ارضية.
ويبدأ فورا برنامج لتقليل الاختناقات التي لا تحتاج الى بنية تحتية جديدة مثل توزيع الرحلات و الاجراءات و الامتعة و المناولة و مواقف الطائرات تدفق المسافرين والربط البري.

في الخطوط التونسية يتم تجميد كل قرار استثماري كبير غير مدعوم بدراسة شبكة وتوضع لوحة قيادة يومية للاسطول تشمل نسبة الاستغلال و الاعطال و التأخير و تكلفة الساعة و معامل الامتلاء والعائد.
ويعاد التفاوض على العقود المكلفة حيث يسمح القانون والعقد بذلك.

في رادس يتم اعتماد مؤشر زمني علني للحاوية مع هدف مرحلي واضح لتقليص dwell time وتشكيل فريق عمليات مشترك بين الديوانة والميناء والناقلين والسكك والنقل البري. لا مزيد من تبادل المراسلات بين المؤسسات فالمشكلة يجب ان تحل في غرفة عمليات واحدة.

خلال ثلاث سنوات يجب ان تنتقل تونس من مشاريع منفصلة الى منظومة لوجستية وطنية.
تبدأ عملية رقمنة كاملة للموانئ والمطارات والديوانة وتصبح النافذة الموحدة حقيقة تشغيلية ويتم تطوير الربط السككي بالموانئ وطرح عقود تشغيل متخصصة وفق نموذج landlord port واعادة هيكلة الخطوط التونسية وانشاء مناطق اقتصادية حول المطارات واطلاق ممرات اقتصادية ذات ادارة موحدة.

وفي هذه المرحلة يجب ان تبدأ تونس في قياس نفسها بمؤشرات دولية: زمن التخليص و زمن بقاء الحاويات و تكلفة الشحن و عدد الرحلات المباشرة و حجم الشحن الجوي و حجم اعادة التصدير و قيمة الاستثمار حول المطارات والموانئ وانتاجية الموظف في المؤسسات العمومية.

الهدف في عشر سنوات يجب ان يكون تحويل تونس من بلد يمر عبره جزء من التجارة الى بلد تمر التجارة من خلاله و الفرق بين العبارتين هو الفرق بين الجغرافيا والاقتصاد.

اذا تحولت تونس الى منصة اعادة شحن ومركز صيانة طائرات ومركز شحن جوي ومركز خدمات بحرية ومنصة للصناعات الموجهة لاوروبا وافريقيا ومركزا للخدمات الرقمية والمالية المرتبطة بالتجارة فستكون قد حولت موقعها الى صناعة.
وهذا ليس حلما مستوردا فالبنك الدولي نفسه يرى ان التحول الى منصة لاعادة الشحن يمكن ان يخلق مكاسب كبيرة جدا للناتج التونسي.
لكن هذا لن يحدث اذا استمرت الدولة في ادارة الاصول الاستراتيجية بعقلية الملفات.

القانون الجديد الذي أقترحه يتضمن في جوهره عشرة مبادئ.

اولا، اعتبار البنية اللوجستية الاستراتيجية اصولا سيادية ذات قيمة اقتصادية قابلة للقياس.
ثانيا، الفصل بين المالك والمنظم والمشغل.
ثالثا، فرض دراسات الجدوى الاقتصادية المستقلة قبل المشاريع الكبرى.
رابعا، اخضاع الامتيازات والشراكات طويلة الاجل لاختبارات القيمة مقابل المال وتقاسم المخاطر.
خامسا، نشر العقود ومؤشرات الاداء والعوائد المالية للدولة بالقدر الذي يسمح به القانون.
سادسا، ربط اي حوافز استثمارية حول المطارات والموانئ بمؤشرات انتاج وتصدير وتشغيل.
سابعا، فرض الرقمنة الكاملة لمسارات البضائع والمسافرين.
ثامنا، انشاء نظام وطني لقياس زمن العبور اللوجستي.
تاسعا، حماية المنافسة ومنع تحول الامتيازات الى احتكارات خاصة.
عاشرا، تحميل مجالس الادارة والادارات التنفيذية مسؤولية مباشرة عن مؤشرات الاداء.

وبذلك تصبح القاعدة بسيطة أن من يدير اصلا عاما يجب ان يعرف ان الاصل ليس ملكه ومن يستثمر فيه يجب ان يعرف ان الربح مشروع لكنه مشروط بالكفاءة ومن ينظم القطاع يجب ان يكون مستقلا عن المشغل ومن يفشل يجب ان يتحمل تكلفة الفشل.

تونس لا تحتاج الى مزيد من الدراسات التي تثبت ان موقعها استراتيجي.
هذا معروف منذ قرطاج ولا تحتاج الى مزيد من الخطابات عن المتوسط فالمتوسط موجود ولا تحتاج الى اكتشاف جديد لاوروبا او افريقيا.
الاسواق موجودة ولا تحتاج الى اقناع العالم بانها قريبة من الجميع و الخريطة تقوم بهذه المهمة منذ ملايين السنين.

ما ينقص تونس هو القدرة المؤسسية على تحويل القرب الى عقد اقتصادي.
الدولة التي تستغرق فيها الحاوية اسابيع لا يمكنها ان تدعي انها منصة لوجستية، والدولة التي توسع مطارا الى 18.5 مليون مسافر من دون استراتيجية Hub لا تكون قد بنت صناعة طيران والدولة التي تملك شركة طيران ولا تستطيع ان تحدد بدقة تكلفة كل خط جوي لا تكون قد ادارت شركة والدولة التي تمنح امتيازا لعقود طويلة من دون نشر مؤشرات اداء لا تكون قد مارست الحوكمة والدولة التي تقيس نجاح المؤسسة العمومية بعدد العاملين فيها بدلا من القيمة التي تنتجها تكون قد خلطت بين الوظيفة والانتاج.

المشكلة التونسية ليست ان الدولة فقيرة بل ان الدولة لا تزال تملك اصولا ضخمة لكنها لا تعرف دائما كيف تسعرها وكيف تديرها وكيف تمولها وكيف تفصل الملكية عن التشغيل وكيف تحاسب من يفشل في استغلالها.
ولهذا فان المعركة الحقيقية ليست مع الميناء ولا مع المطار ولا مع الخطوط التونسية.
المعركة مع نموذج دولة كامل يقوم على التجزئة والبطء وتعدد المتدخلين وضعف قياس النتائج وتحويل المؤسسة العمومية من اداة للانتاج الى مساحة لحماية الوضع القائم.

تونس تستطيع ان تختار طريقا اخر ليس بتقليد سنغافورة ولا دبي ولا هولندا بل ببناء نموذج تونسي يقوم على حقيقة بسيطة: دولة متوسطية ذات عمق مغاربي وافريقي تملك البحر والسماء والموانئ والمطارات والمهارات والقرب من اوروبا، لكنها تحتاج الى منظومة مؤسساتية تجعل هذه العناصر تعمل كآلة واحدة.

وعندما تصبح الحاوية اصلها الاقتصادي هو سرعة عبورها والطائرة اصلها الاقتصادي هو ساعات طيرانها والمطار اصله الاقتصادي هو القيمة التي يولدها حوله والميناء اصله الاقتصادي هو ما يختصره من زمن وتكلفة والمؤسسة العمومية اصلها الاقتصادي هو القيمة التي تنتجها لا عدد الموظفين فيها، عندها فقط يبدأ معنى جديد للدولة.

الدولة الحديثة لا تقاس بعدد الوزارات ولا بعدد الدواوين ولا بعدد الاجتماعات بل تقاس بسرعة قرارها وكلفة معاملتها وزمن مرور تجارتها وقدرة مؤسساتها على انتاج القيمة.
تونس ليست بلدا صغيرا ،الصغير هو النموذج الذي حاولت الدولة ان تحشر به بلدا اكبر من ذلك بكثير.
والخروج من الازمة لن يكون بزيادة حجم الدولة بل برفع قدرتها.
لن يكون ببيع اصولها عشوائيا بل باستخراج القيمة منها.
لن يكون بضخ المال في المؤسسات العمومية بلا شروط بل باعادة بنائها على الاداء.
لن يكون ببناء مطارات وموانئ اكبر فقط بل ببناء اقتصاد اسرع و لن يكون بانتظار التاريخ كي ينصف تونس بل بجعل تونس تستخدم جغرافيتها قبل ان يستخدمها الاخرون.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال