بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الحداثة التونسية: معركة على غيمة لم تتشكّل

2026-09-23 44 قراءة مقالات رأي حسام سعايدية
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
هل منعتنا الحداثة من الوصول إليها، أم أننا لم نصل إليها أصلًا؟
ربما يكون هذا السؤال أكثر إزعاجًا من كل الروايات التي اعتدنا ترديدها عن تونس الحديثة. فقد أمضينا عقودًا ونحن نبحث عن المذنب: مرة نقول إن الإسلاميين أوقفوا قطار الحداثة، ومرة نقول إن المجتمع المحافظ قاومها، ومرة نحمّل الاستعمار مسؤوليته، ومرة نحمّل الدولة، ومرة نحمّل التراث، ومرة نلوم الشعب لأنه لم يكن «حديثًا» بما يكفي.
لكننا نادرًا ما وقفنا أمام المرآة وسألنا:
ماذا لو لم يكن هناك قطار حداثة أصلًا؟
ماذا لو أننا خلطنا بين حركة الأشياء وحركة الإنسان؟
ماذا لو أننا رأينا الشوارع تتغير، والجامعات تتوسع، والتكنولوجيا تدخل البيوت، والقوانين تتبدل، والمؤسسات تتشكل، فسمينا كل ذلك «حداثة»، بينما ظل العقل نفسه مستهلكًا، والعلم منفصلًا عن الإنتاج، والابتكار تابعًا، والنقد انتقائيًا؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
التحديث ليس الحداثة
التحديث يحدث.
أما الحداثة فتُنتج.
التحديث قد يأتي لأن المجتمع يتغير، أو لأن الدولة تضطر إلى اللحاق به، أو لأن الاقتصاد العالمي يفرض شروطه، أو لأن السلطة تخشى أن يتحول الجمود إلى أزمة.
قد تتغير المدينة دون أن يتغير العقل.
وقد تتغير القوانين دون أن تتغير الثقافة.
وقد يدخل الإنترنت إلى البيت ويبقى العقل يعيش في القرن الماضي.
وقد يحمل الإنسان أحدث هاتف في العالم، ثم يستخدمه فقط لكي يستهلك ما أنتجه الآخرون.
لهذا فإن السؤال ليس: كم تغيرت تونس؟
بل: ماذا أنتجت تونس من هذا التغيير؟
هذه هي النقطة التي تهرب منها رواية الحداثة السائدة.
لأن الاعتراف بأننا حدّثنا بعض مؤسسات الحياة أسهل بكثير من الاعتراف بأننا لم نبنِ بعد منظومة حضارية تجعل الإنسان التونسي منتجًا للفكرة والعلم والتكنولوجيا والقيمة.
لقد تغيرت أشياء كثيرة حول الإنسان.
لكن هل تغير الإنسان نفسه بالقدر نفسه؟
هذه هي المسألة.
مأساة العقل الذي يستهلك أفكار الآخرين
الحداثة تبدأ من العقل.
لكن أي عقل؟
العقل الذي يكرر ما قرأه؟
أم العقل الذي يستطيع أن ينتج ما لم يُقرأ بعد؟
إن العقل الذي يحفظ ألف فكرة أجنبية ليس بالضرورة عقلًا حديثًا. قد يكون مجرد مكتبة جيدة التنظيم.
العقل الحديث ليس الذي يعرف ماذا قال الآخرون فقط، بل الذي يستطيع أن يسأل: ماذا أقول أنا؟
وهنا تظهر مأساة النخبة.
لقد تحول جزء من النخبة إلى مترجم ثقافي دائم: يأخذ المفاهيم التي ولدت في بيئات أخرى، ويعيد ترتيبها، ثم يقدمها إلى المجتمع باعتبارها آخر ما وصلت إليه الإنسانية.
لكن أين السؤال التونسي؟
أين المفهوم الذي ولد من مشكلاتنا؟
أين الفكرة التي خرجت من الريف التونسي، ومن الجامعة التونسية، ومن المدينة التونسية، ومن تاريخنا، ومن صراعنا الاجتماعي؟
لماذا يكون علينا دائمًا أن نختار بين أفكار أنتجها الآخرون؟
لماذا لا يكون لنا حق إنتاج الفكرة نفسها؟
إن العقل التونسي الذي نحتاجه هو عقل خالص لله؛ حر من عبودية الأشخاص، وعبودية السلطة، وعبودية النخبة، وعبودية النموذج المستورد.
خالص لله لا يعني عقلًا مغلقًا.
بل يعني عقلًا لا يسجد إلا للحق.
يتعلم من الغرب دون أن يعبد الغرب.
ويقرأ التراث دون أن يعبد التراث.
ويحترم الدولة دون أن يؤلّه الدولة.
ويحترم المثقف دون أن يمنحه عصمة.
ويستفيد من العالم دون أن يتحول إلى نسخة منه.
الحداثة ليست أن تفكر مثل الآخر؛ الحداثة أن تصبح قادرًا على التفكير.
علم كثير... وقوة قليلة
ثم نصل إلى العلم.
وهنا أيضًا نرتكب خطأ قاتلًا: نخلط بين امتلاك المعرفة وامتلاك القدرة.
قد يمتلك المجتمع آلاف الشهادات، لكنه يظل عاجزًا عن إنتاج دوائه.
قد يمتلك مئات الباحثين، لكنه يستورد التقنية التي يحتاجها.
قد تمتلئ الجامعات بالمخابر، لكن الفلاح لا يجد حلًا لمشكلة بسيطة في أرضه.
فما قيمة العلم إذا بقي داخل الورق؟
ما قيمة البحث إذا انتهى عند رف المكتبة؟
ما قيمة المختبر إذا لم يخرج منه شيء إلى المجتمع؟
العلم الحديث ليس تكديسًا للمعلومات.
العلم قوة اجتماعية.
المعرفة التي لا تتحول إلى إنتاج تبقى معرفة ناقصة الأثر.
والبحث الذي لا يجد طريقه إلى الصناعة أو الفلاحة أو الصحة أو الطاقة أو التكنولوجيا أو الاقتصاد يبقى حبيسًا في عالمه الخاص.
ليس المطلوب أن نعرف أكثر فقط.
بل أن ننتج أكثر بما نعرف.
وهنا ينبغي أن تتغير وظيفة الجامعة نفسها.
الجامعة ليست مصنع شهادات.
الجامعة مصنع عقول.
والمختبر ليس غرفة مغلقة للباحث.
إنه نقطة البداية لسلسلة كاملة: معرفة، ثم اختراع، ثم منتج، ثم مؤسسة، ثم ثروة، ثم منفعة اجتماعية.
عندها يصبح العلم أحد أعمدة السيادة.
أما العلم الذي نستعمله فقط لاستهلاك ما ينتجه الآخرون، فهو يزيد قدرتنا على الاستهلاك أكثر مما يزيد قدرتنا على الاستقلال.
الابتكار: لماذا نريد أن نكون سوقًا دائمًا؟
ثم تأتي الكلمة التي نحبها كثيرًا ونمارسها قليلًا: الابتكار.
نريد التكنولوجيا، لكننا لا نريد دائمًا إنتاجها.
نريد الشركات الناشئة، لكننا لا نبني دائمًا البيئة التي تجعل الفكرة قادرة على البقاء.
نريد أن نكون في العصر الرقمي، لكننا لا نسأل: ما الذي سنضيفه إلى هذا العصر؟
المستهلك يسأل:
ماذا أنتج الآخرون؟
أما المبدع فيسأل:
ماذا أستطيع أن أنتج؟
وهذه ليست مسألة اقتصادية فقط.
إنها مسألة حضارية.
الشعب الذي لا ينتج أدواته، يبقى محتاجًا إلى من ينتجها.
والذي لا ينتج معرفته، يبقى محتاجًا إلى من يفسر له العالم.
والذي لا ينتج أفكاره، يبقى يعيش داخل خرائط الآخرين.
لكن الابتكار الذي نحتاجه لا يعني أن ندخل في حرب مع قيم مجتمعنا.
ليس كل جديد خيرًا لمجرد أنه جديد.
وليست كل قطيعة تقدمًا.
الابتكار الحقيقي هو أن نصنع الجديد دون أن نفقد البوصلة الأخلاقية.
أن نكون متقدمين في الوسائل، دون أن نكون فقراء في المعنى.
النقد الذي لا يصل إلى السلطة
ثم تأتي المشكلة الأكثر غرابة:
نحن نحب النقد.
لكننا لا نحب كل النقد.
هناك نقد يصبح علامة على التقدم عندما يوجه إلى الدين أو الثقافة أو الهوية.
وهناك نقد يصبح «تشددًا» أو «رجعية» أو «تهديدًا» عندما يقترب من السلطة أو النخبة أو المؤسسات أو النموذج الاقتصادي.
وهنا يصبح السؤال ضروريًا:
هل نريد عقلًا نقديًا فعلًا، أم نريد نقدًا يخدم اتجاهًا معينًا؟
العقل النقدي لا يختار خصمه مسبقًا.
إنه يسأل الجميع.
يسأل الإسلاميين.
ويسأل العلمانيين.
يسأل اليسار.
ويسأل اليمين.
يسأل الحداثيين.
ويسأل المحافظين.
يسأل الدولة.
ويسأل المعارضة.
يسأل المثقف.
ويسأل المواطن.
بل يسأل نفسه أولًا.
يمكن أن ننتقد الدين، لكن يمكن أيضًا أن ننتقد طريقة فهمنا للدين.
يمكن أن ننتقد التراث، لكن يمكن أيضًا أن ننتقد الاستلاب للنماذج المستوردة.
يمكن أن ننتقد المجتمع، لكن يمكن أيضًا أن ننتقد الدولة.
يمكن أن ننتقد الشعب، لكن يمكن أيضًا أن نسأل النخبة:
ماذا قدمتم لهذا الشعب؟
فالنقد الذي لا يجرؤ على الاقتراب من القوة ليس نقدًا كاملًا.
والنقد الذي لا يستطيع مراجعة نفسه يتحول إلى عقيدة.
الدولة: راعي الحداثة أم حارسها؟
وهنا يجب أن نتوقف أمام وهم آخر: أن الحداثة مشروع تصنعه الدولة.
الدولة تستطيع أن تبني المدارس.
لكنها لا تستطيع أن تفكر بدل التلاميذ.
تستطيع أن تبني الجامعة.
لكنها لا تستطيع أن تنتج المعرفة بدل الباحث.
تستطيع أن تمول المختبر.
لكنها لا تستطيع أن تأمر الإبداع بأن يولد.
تستطيع أن تصدر قانونًا.
لكنها لا تستطيع أن تفرض ثقافة من خلال الجريدة الرسمية.
لهذا فالدولة ليست العقل.
والرئيس ليس الحقيقة.
والمرسوم ليس فكرة.
الدولة تستطيع أن تكون حاضنة للحداثة، لكنها لا تستطيع أن تكون مالكتها.
بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الحداثة إلى مشروع سلطوي، فتغدو «حديثة» كل فكرة توافق السلطة، و«رجعية» كل فكرة تعارضها.
عندها لا يعود الإنسان يتحرر من السلطة باسم الحداثة، بل تصبح الحداثة نفسها أداة لإخضاعه.
وهذا هو التناقض الذي يجب ألا نسكت عنه.
حداثة تبدأ من تونس لا من نسخة عن تونس
إذا كان هذا هو التشخيص، فماذا نفعل؟
هنا ينبغي أن نتوقف عن إنتاج بيانات الحداثة ونبدأ في بناء شروطها.
نبدأ بالمدرسة.
نغير السؤال من: ماذا يجب أن يحفظ الطفل؟
إلى: كيف نجعل الطفل قادرًا على اكتشاف ما لم نعرفه نحن؟
ثم الجامعة.
نريد جامعة تقيس نجاحها بما تنتجه من أفكار واختراعات وحلول، لا بعدد الشهادات فقط.
نريد أن يصبح الأستاذ باحثًا ومفكرًا ومنتجًا للمعرفة، وأن تصبح الجامعة مرتبطة بمشكلات المجتمع الحقيقية.
ثم البحث العلمي.
يجب أن يصبح البحث جزءًا من الاقتصاد الوطني، لا نشاطًا منفصلًا عنه.
مشكلة الماء بحث.
مشكلة الطاقة بحث.
مشكلة الفلاحة بحث.
مشكلة الدواء بحث.
مشكلة الصناعة بحث.
مشكلة البطالة بحث.
ثم يأتي الاقتصاد ليحوّل المعرفة إلى قوة.
الفكرة يجب أن تجد التمويل.
والاختراع يجب أن يجد المصنع.
والباحث يجب أن يجد المستثمر.
والشاب يجب أن يجد طريقًا من المختبر إلى السوق.
والجهة الداخلية يجب أن تجد طريقًا لتحويل مواردها ومشكلاتها إلى مشاريع.
عندها لا يعود الشاب ينتظر الوظيفة فقط؛ بل يصبح قادرًا على إنتاج القيمة.
الحداثة ليست حربًا على الهوية
لكن هناك شرطًا لا يمكن تجاهله:
لا يمكن أن نبني حداثة تونسية إذا بدأنا باعتبار المجتمع التونسي هو المشكلة.
المجتمع ليس مادة خامًا يجب إعادة تشكيلها وفق نموذج أجنبي.
ولا ينبغي أن تكون الحداثة عملية اقتلاع للإنسان من جذوره.
لماذا يجب على التونسي أن يختار بين الإسلام والعقل؟
بين الهوية والعلم؟
بين الأخلاق والابتكار؟
بين الانتماء والمستقبل؟
هذه ثنائيات مصطنعة.
يمكن للإنسان أن يكون متجذرًا ومنفتحًا.
أن يحفظ قيمه ويطور أدواته.
أن يقرأ العالم دون أن يفقد نفسه.
أن يستفيد من الحضارات دون أن يصبح تابعًا لها.
أن يأخذ العلم دون أن يأخذ معه عقدة النقص.
فالحداثة ليست أن تصبح تونس مثل أوروبا.
وليست أن تصبح مثل الشرق.
وليست أن تصبح مثل أي نموذج آخر.
الحداثة أن تصبح تونس قادرة على إنتاج نموذجها من داخل حاجاتها وقيمها وتجربتها، مع الانفتاح على كل ما أنتجته الإنسانية.
المشكلة ليست غياب الغيمة... بل غياب القدرة على صناعتها
وهنا نعود إلى نقطة البداية.
لقد بنينا جزءًا من خطابنا السياسي والثقافي على سؤال: من منع الحداثة من تونس؟
لكن ربما علينا أن نبدل السؤال.
ليس:
من منع الغيمة؟
بل:
من كان يصنع الغيمة؟
هل كانت لدينا منظومة تنتج العقل؟
هل كانت لدينا منظومة تحول العلم إلى قوة؟
هل كانت لدينا منظومة تحول الابتكار إلى إنتاج؟
هل كانت لدينا ثقافة نقد لا تخاف من السلطة ولا تستعبدها الأيديولوجيا؟
إذا كان الجواب ناقصًا، فإن المشكلة ليست أن غيمة الحداثة توقفت على الحدود.
المشكلة أن الغيمة لم تتشكل بما يكفي في سمائنا أصلًا.
لقد أمضينا زمنًا طويلًا في البحث عن عدو للحداثة.
وكان الأجدى أن نبحث عن إنسان الحداثة.
لأن الشعوب لا تصبح حديثة حين تغير ديكورها، ولا حين تستورد قوانينها، ولا حين تكرر شعارات الآخرين.
تصبح حديثة حين يصبح عقلها منتجًا، وعلمها نافعًا، وابتكارها مستقلًا، ونقدها حرًا، ودولتها خادمة للإنسان لا وصية عليه.
وعندها فقط يمكن أن نقول إن تونس لم تعد تنتظر المستقبل.
بل بدأت تصنعه.
لقد انتظرنا طويلًا غيمة الحداثة.
ثم اتهمنا السماء لأنها لم تمطر.
وربما آن الأوان أن نفهم الحقيقة الأكثر قسوة:
ليس المطلوب أن ننتظر غيمة تأتي من الخارج.
المطلوب أن نبني الأرض التي تستطيع أن تُخرج غيمتها من داخلها
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال