بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

القضاء في فرنسا وفي تونس : أي التزام بمبدأي حياد القاضي ونزاهته ؟

2026-09-23 166 قراءة مقالات بحوث عبدالسلام الككلي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
القضاء  في فرنسا وفي تونس  : أي التزام بمبدأي حياد القاضي ونزاهته ؟
بقلم عبدالسلام الككلي

إن الرأي غير المسبوق الصادر أخيرا عن لجنة أخلاقيات القضاة في النظام العدلي الفرنسي والذي عرضته الصحافة الفرنسية(1) يقدّم، للمرة الأولى، الولاء للمجمع الماسوني (2 )على أنه "يتعارض" مع الالتزامات المرتبطة بمهنة القضاء. ورغم أن هذا القرار غير ملزم قانونياً، إلا أنه يثير جدلاً واسعاً بين المعنيين بالأمر، وقد يضع بعض القضاة أمام معضلات حقيقية .
ويعد هذا الرأي تاريخياً . فللمرة الأولى، أعلنت هيئة تابعة لوزارة العدل، بشكل صريح ، أن الانتماء إلى الماسونية "يتعارض" مع "الالتزامات الأخلاقية التي تقع على عاتق أي قاضٍ". وذلك، على وجه التحديد، عندما "يفرض اليمين المؤدى من قبله حين انتسابه الى المحفل الماسوني ولاءً أو تضامناً لهما الأولوية على أي ولاء اخر ". وقد اتُّخذ القرار الموقع من قِبل الوكيل العام السابق لدى محكمة الاستئناف ببوردو، فنسان ليسكلو Vincent Lesclous ، رداً على طلب تقدم به رئيس محكمة ( لم تكشف هويته )، استشار الهيئة لمعرفة ما إذا كان بإمكانه الانضمام إلى محفل ماسوني في إطار نشاطه الشخصي
وتظل الأسباب التي استندت إليها لجنة أخلاقيات القضاة مرتبطة أساساً باحترام مبدأ الحياد، والذي قد يكون محل شك بسبب الانتماء إلى جمعية "سرية" تفرض واجباً خفياً بالتضامن بين أعضائها. ويعتمد هذا الرأي على المدونة الأخلاقية السابقة للقضاء، والتي كانت تؤكد على أن "الطبيعة السرية لالتزام القاضي في جمعية ما أو منظمة يمكن أن تكون مصدراً للمشاكل"، وأن "واجب التضامن الذي قد يربط بين أعضاء بعض المنظمات، أو نظام العدالة الخاص بها، يمكن أن يفرض واجب ولاء يتعارض مع الحياد المحمول على القاضي". وذلك دون المساس بالحق المعترف به للمواطنين ومنهم القضاة في تكوين الجمعيات او الانضمام اليها
.نريد ان نتوقف في هذا الخبر عند بعض المسائل التي تبدو لنا جوهرية
1) حياد القاضي الفرنسي
رغم بعض الانتقادات الموجهة الى حياد القضاة في فرنسا من قبل الأحزاب السياسية في نطاق صراعاتها المعروفة ( اذا لم يكن الحكم في صالحي فهو مسيس ! ) مثل الاتهامات الموجهة له بمناسبة صدور الاحكام في القضايا المرفوعة ضد مارين لوبان ، زعيمة اليمين المتشدد في فرنسا، اذ ان غاية هذه الاحكام في نظره هو اقصاء لوبان من الترشح الى الانتخابات الرئاسية القادمة في فرنسا في 2027 ، فانه من الصعب التشكيك مطلقا في حياد القاضي واستقلالية القضاء في فرنسا او في البلدان الديمقراطية عموما ونتبين ذلك من خلال تحليل بعض العناصر الواردة في البيان الاستشاري موضوع مقالنا
أ) صدور الرأي عن هيئة بوزارة العدل
قد يتبادر الى الاذهان ان صدور الرأي عن هيئة بوزارة العدل قد يعد تدخلا من السلطة التنفيذية في سلوك القضاة غير أن هذا الرأي رغم طبيعة الجهة التي أصدرته ( وزارة العدل ) لا يمثل توجيها من السلطة السياسية لعمل القاضي وسلوكه ، وذلك بناءً على الطبيعة القانونية والتركيبة الهيكلية للجهة التي أصدرته.فرغم أن "لجنة الأخلاقيات" (Collège de déontologie) تقع إدارياً ضمن منظومة وزارة العدل، إلا أنها هيئة مستقلة تماماً وتتكون من قضاة. وهي لا تمثل وزير العدل (السلطة التنفيذية)، بل هي هيكل استشاري داخلي مخصص للقضاة أنفسهم لإرشادهم في المسائل الأخلاقية والمهنية.
ب) الحياد مبدا أساسي في إقامة العدل
هنا يكمن جوهر الراي فأهميته الكبرى هي في إعادة التذكير بأن الحياد ليس مجرد التزام مهني عادي، بل هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها شرعية القضاء بأكمله.
فليس كافيا أن يكون القاضي محايداً في "ضميره" وهي مسالة وجدانية داخلية و غير قابلة للمعاينة كما لا يكفي اليمين الدستوري الذي يؤديه ، بل يجب أن يبرز محايداً أمام العلن لان الانتماء إلى منظمة يوصف التزامها بـ"السري" أو يفرض تضامناً بين أعضائها، يمس من هذا الحياد الظاهري ، فهو يزرع الشك لدى المتقاضين هذا من جهة اما من جهة الأخرى فان علانية انتماء القاضي لأية جمعية او منظمة تمكّن كل من يهمه الأمر من مراقبة سلوكه تجاه الواجبات المحمولة عليه كقاض ومدى تأثير انتمائه الى المجتمع المدني في سلوكه كقاض
ج )نزاهة القاضي الطالب للراي الاستشاري
يُعتبر طلب القاضي للاستشارة دليلاً على نزاهته وحرصه الأخلاقي من خلال ما يمكن ان نسميه بالشفافية الاستباقية فبدلاً من الانضمام الى المجمع الماسوني بشكل سري بما يعني وضع نفسه في منطقة غامضة مثيرة للشك بل قد تكون محل مساءلة اختار اللجوء إلى القنوات الرسمية والمؤسساتية (لجنة الأخلاقيات) للتأكد من مدى توافق رغبته الخاصة مع واجباته المهنية. كما يعكس هذا السلوك وعي القاضي بأن وظيفته تفرض عليه قيودًا معينة، وأن ضميره المهني يسبق رغباته الشخصية.مع العلم ان مسألة الانتماء للماسونية مثل موضوعًا مثيرا قانونيا للجدل في فرنسا وبالتالي فإن طلب الاستشارة كان خطوة ضرورية لتوضيح الرؤية للجميع.
وبموجب هذا تصرف القاضي كقاضٍ مسؤول يضع ثقة المتقاضين وهيبة العدالة فوق أي اعتبار آخر
.
د ) حق القاضي في الانتماء الى الجمعيات
لا ينكر الراي الاستشاري حق القضاة الأساسي في الانتماء إلى الجمعيات. وهذه تفرقة قانونية هامة جدا .فقد ميّزت لجنة الأخلاقيات بشكل واضح بين أمرين : بين الحياد والحق الدستوري في التجمع. فكأي مواطن، يتمتع القاضي بحرية الضمير وحرية الانضمام الى الجمعيات.وهذا الحق علاوة على دستوريته تكفله المواثيق الدولية
مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 20)
والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 22)
والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (المادة 11): فهي تحمي بوضوح حرية التجمع وتكوين الجمعيات لجميع المواطنين، بما في ذلك موظفو الدولة.والمبادئ الدولية الخاصة باستقلال القضاء ولا ننسى مبادئ بنغالور للسلوك القضائي وهي المرجعية الدولية الأهم لأخلاقيات القضاء، وتصرح علناً بأنه يحق للقاضي، مثل أي مواطن آخر، حرية التعبير والعقيدة والارتباط والتجمع ولجنة البندقية" (أو المفوضية الأوروبية للديمقراطية عن طريق القانون)، وهي الهيئة الاستشارية المرموقة التابعة لمجلس أوروبا والمتخصصة في الشؤون الدستورية والقانونية ودعم سيادة القانون".
________________________________________
هكذا لا يمنع هذا الرأي القاضي من الانخراط في نادٍ رياضي، أو جمعية خيرية، أو ثقافية، أو فكرية. فما ترفضه اللجنة ليس مبدأ الانضمام للجمعيات في حد ذاته، بل الطبيعة الخاصة للالتزام الماسوني. فالإشكالية تكمن في مسائل ثلاث غاية في الأهمية "سرية الانتماء"و "قسم الولاء" و"واجب التضامن الخفي ذو الأولوية". ، فعندما تطالب جمعية ما القاضي بولاء سري قد يتقدم على قَسَمه القضائي بتحقيق العدالة بحياد تام، فإن هذا الانتماء يصبح غير متوافق مع واجباته المهنية. فالقاضي يظل حراً في اختيار روابطه الاجتماعية، بشرط ألا يكون ذلك على حساب ثقة المواطنين في حياد العدالة ونزاهتها
2 القاضي الفرنسي والقاضي التونسي : مبدأ حياد القاضي واستقلالية السلطة القضائية
لم نقدم هذا المثال الفرنسي كترف فكري أو خبر بعيد عن مشاغلنا واهتماماتنا في تونس بل لأنه يضع امام أعيننا صورة ولو جزئية عن واقع القضاء والقضاء في فرنسا وهو ما لم نستطع معه منع أنفسنا من مقارنة هذا الواقع بمنزلة القضاء والقضاة في تونس في صلة بمبدأي الحياد والنزاهة
أولا يجب التذكير هنا انه لا توجد في القضاء التونسي اية مدونة سلوك تحدد واجبات القاضي وحقوقه ولقد جرت محاولات لصياغة هذه المدونة في عهد وزير العدل نورالدين البحيري في السنوات الأولى للثورة غير أنها لم تر النور وليس ذلك صدفة لأنه في نظام الاستبداد وتدخل السلطة السياسية في عمل القاضي من المستحيل ان توجد مدونة اخلاقيات مهنة القاضي أيا كانت الجهة التي تتدخل في صياغتها سواء السلطة السياسية او الجمعيات والنقابات المهنية لأنها بلا شك اذا لم تكن من صنع السلطة نفسها وذات نفس زجري تعلي من شان حياد القاضي ونزاهته فحياده لا يخدم أغراض النظام الاستبدادي القائمة على توظيف القضاء واستعماله لمآربه السياسية وأساسا لمحاربة معارضيها وإلغاء أي راي حر
وبالفعل لقد كان القضاء في تونس طوال تاريخه خاضعا بالكلية لهيمنة السلطة السياسية فلا حياد للقاضي في ممارسته وظيفته.فمنذ الاستقلال برزت هيمنة الإدارة المتمثلة أساسا في وزارة العدل على النظام القضائي وهو ما أنتج انحسار ممارسة القاضي لواجبه بصفة مستقلة وتهميش المجلس الأعلى للقضاء كمؤسسة دستورية وتسخيره لخدمة أغراض النظام السياسي الفاسد ودفع القضاة بشتى الأشكال إلى الخضوع إلى نظام الوصاية طمعا في ترقية أو خشية من نقلة . لقد أدى كل ذلك إلى اهتزاز ثقة المواطن التونسي في العدالة حتى صار القاضي في المخيال الجماعي صورة للموظف الفاسد و المرتشي …
حين جاءت الثورة كنا تتصور ان تساهم في تحرير القضاء من هيمنة السلطة التنفيذية ومصالحة المواطن مع العدالة . تلك بعض شروط الثورة ومرتكزاتها . لم يقع شيء كثير من ذلك على مدى السنوات العشر رغم بعض المكاسب مثل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب .. فوزير العدل لم ينفك عن ممارسة سلطة مطلقة على أعضاء النيابة العمومية وهو ما كنا نرى آثاره واضحة في إثارة الدعوى العامة أحيانا من قبل النيابة وسكوتها عن تجاوزات أخرى كثيرة مما يعطى انطباعا بان سياسة الإملاء والتوجيه كانت لا تزال هي السائدة.
ولعل الأمر زاد سوءا في السنوات الأخيرة وخاصة بعد 25 جويلية 2021 فقد وقع حل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب ومصادرة حق القضاة في التنظّم من خلال الحكم بالسجن عاما على رئيس جمعية القضاة القاضي أنس الحمادي بسبب نشاطه النقابي مما اضطره الى مغادرة البلاد وهو اجراء لم تعرفه البلاد في احلك فترات الاستبداد في عهدي بورقيبة وبن علي بالإضافة الى الإيقاف عن العمل المسلط على عضو المكتب التنفيذي للجمعية القاضي محمد بن مفتاح بسبب مواقفه العلنية من وضعية القضاء ولقد نددت الجمعية بالاجراءين في بيانين منفردين سابقين. ولقد رأينا اعلاه كيف يصون الدستور والمواثيق الدولة هذا الحق.
غير اننا نريد هنا ان نتوقف عند البيان الأخير للجمعية لطابعه الشامل . يكفي ان نقرأ هذا البيان (3) لندرك حجم الكارثة التي يعيشها القضاء في بلادنا . لقد رسمت الجمعية في لوحة شديدة السواد واقع القضاء والقضاة ، اذ سجّلت في بيانها انه لم يبق من استقلالية القاضي وحياده شيئا يذكر من خلال مجموعة من الممارسات المتكررة والمخلة باستقلال القضاء التي رصدتها في مطلع هذه السنة القضائية 2026 - 2027 وأساسًا الطابع السري لمذكّرات العمل التي عوضت الحركة الدورية التي من المفروض ان يضطلع بها المجلس الأعلى للقضاء المنتخب والمستقل المنحل او حتى المجلس المؤقت المجمد و إلغاء إعلان الشغورات عبر المحاكم و غياب مبدأ تقييم القضاة ومبدأ التناظر بينهم على المسؤوليات القضائية كما إلغاء مبدأ تعليل نقل القضاة بدون رضاهم بالإضافة الى الاعتباطية في إلغاء مبدأ التخصص في التسميات القضائيّة وفي توزيع العمل داخل المحاكم، مع المنحى العقابي للنقل، وذلك باستعمال النقل الفجئية والمهينة بالمسؤوليات العليا بالمحاكم الكبرى، وفي ظل ما وصفتها الجمعية ب "الخروقات الجسيمة"، أكدت على أنّ هدم جملة المبادئ والضمانات المؤسسية لاستقلال القضاء ونزاهته وإقصاء ركن أساسي من ركائز القضاء المستقل ألا وهي الحركة القضائية، قد أخرج القضاء من إدارة التصور الشامل والإصلاحي صلب مجلس مستقل وشفاف وأفضى بالنتيجة إلى واقع يحكمه التسيير اليومي من وزارة العدل لكل الشأن القضائي وتهيمن عليه الفوضى والعشوائية والاعتباط والتعسف كما أدى هذا الوضع عمليا إلى إشاعة سلوكات الانتهازية والطمع والولاء للسلطة التنفيذية على نطاق واسع".
ماذا بقي هنا من حياد القاضي الذي رأينا الحرص الشديد عليه في فرنسا في هذه اللوحة شديدة السواد التي عرضتها الجمعية قوامها " سلوكات المحسوبية والانتهازية والطمع والولاء للسلطة " ؟..لا شيء تقريبا
تلك حالهم وهذه حالنا ...من سيء الى أسوأ ...فأين المفر ؟
هوامش
انظر:
(1) Magistrature et franc-maçonnerie : la profession secouée par un bouleversement déontologique
Paul Idczak - acteurs publics 17 septembre 2026
(2) المجمع الماسوني، أو ما يُعرف بـ المحفل الماسوني و هو الوحدة التنظيمية الأساسية التي يجتمع فيها أعضاء الحركة الماسونية . وتُعَد الماسونية منظمة أُخوية عالمية تتسم بالغموض في النشأة والطقوس، بينما يؤكد أعضاؤها أنها تهدف إلى تعزيز الإخاء الإنساني والعمل الخيري ويؤدي المنتسبون الجدد القسم الماسوني أو ما يُعرف تاريخياً بـ "الالتزام" أو العهد -وهو تعهد رسمي بالولاء يؤديه العضو الجديد عند انضمامه للمحفل ، ويتكرر بصيغ مختلفة عند ارتقائه بين الدرجات الماسونية الثلاث الأساسية (تلميذ، زميل، معلم)
3) انظر بيان جمعية القضاة التونسيين " في افتتاح السنة القضائية، غياب الحركة القضائية وانهيار ضمانات حسن سير القضاء واستقلاله" 18 سبتمبر 2026
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال