بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الديوانة التونسية:حان وقت تفكيك البيروقراطية

2026-09-22 90 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الديوانة التونسية:حان وقت تفكيك البيروقراطية
الديوانة التونسية ليست مجرد إدارة تجمع المعاليم على السلع وتراقب الحاويات وتطارد التهريب على الحدود.
ومن يتعامل معها بهذه العقلية لم يفهم بعد حجم المسألة. نحن نتحدث عن واحدة من أهم البوابات الاقتصادية للدولة وعن منظومة تمر عبرها حركة تجارة خارجية ضخمة تمس الصناعة والتوريد والتصدير والنقل والموانئ والمالية والإنتاج.

خلال سنة 2025 بلغت صادرات تونس نحو 63.695 مليار دينار مقابل واردات بقيمة 85.495 مليار دينار أي أن مجموع المبادلات التجارية الخارجية بلغ قرابة 149.19 مليار دينار وسجل الميزان التجاري عجزا قدره 21.8 مليار دينار فيما لم تتجاوز نسبة تغطية الواردات بالصادرات 74.5% وهذه ليست مجرد أرقام في تقرير سنوي إنما حجم اقتصادي هائل يجعل كل دقيقة ضائعة في الميناء وكل وثيقة تتكرر وكل معلومة تدخل مرتين وكل حاوية تنتظر دون مبرر واضح وكل قرار غير قابل للتتبع تكلفة اقتصادية حقيقية تتحملها المؤسسة والمستهلك والدولة والاقتصاد الوطني.

والأهم أن جزءا مهما من الواردات ليس مجرد استهلاك نهائي فقد ارتفعت واردات مواد التجهيز بنسبة 14.4% خلال 2025 وارتفعت واردات المواد الأولية ونصف المصنعة بنسبة 6.8% وهذا يعني أن كفاءة الديوانة مرتبطة مباشرة بقدرة المصنع على الحصول على آلته وبقدرة المؤسسة على الحصول على مادتها الأولية وبقدرة المصدر على احترام آجاله وعقوده وبقدرة الاقتصاد على مواصلة دورته الإنتاجية.

عندما تتأخر آلة إنتاج أو قطعة غيار أو مادة أولية في سلسلة إجراءات غير متناسقة فإن الدولة لا تؤخر شاحنة فقط إنما قد تؤخر دورة إنتاج كاملة وتزيد كلفة التخزين والتمويل والنقل وربما تؤخر التزاما تصديريا في سلسلة دولية لا تنتظر أحدا.
من هنا يجب أن نغير السؤال.
السؤال لم يعد كيف نراقب الحاويات بشكل أسرع؟
بل كيف نبني منظومة جمركية ذكية تجعل التجارة تمر بسرعة عندما يكون الخطر منخفضا وتوجه قوة الدولة نحو الحالات التي تستحق التدقيق فعلا؟

وهذا ليس حلما تكنولوجيا مستوردا من كوكب آخر.
تونس لديها بالفعل منظومة معلومات جمركية ولديها SINDA ولديها Tunisie TradeNet ولديها مشروع SINDA II الذي تقول الديوانة التونسية إنه يستهدف تحديث النظام المعلوماتي وتبسيط الإجراءات وتحسين الكفاءة والشفافية.
كما أن TradeNet تؤدي دورا في تبادل عدد من وثائق التجارة الخارجية إلكترونيا وربط مختلف المتدخلين.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد هل نملك التكنولوجيا؟
بل هل نملك الإرادة الإدارية لإعادة هندسة المنظومة بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة لتحطيم البيروقراطية لا مجرد طريقة جديدة لإعادة إنتاجها على شاشة؟

هذه هي نقطة البداية،لا نرقمن الإجراء قبل أن نسأل لماذا يوجد و لا نحول الورقة إلى ملف PDF ثم نعلن أننا أنجزنا التحول الرقمي و لا نضع عشرين منصة مكان عشرين إدارة ثم نسمي ذلك دولة رقمية ولا نشتري خوادم جديدة لنضع فوقها بيروقراطية قديمة.

المسار الصحيح هو إعادة هندسة الإجراءات ثم تبسيطها ثم توحيدها ثم ربط الأنظمة ثم أتمتة ما يمكن أتمتته ثم التدقيق المستمر.

بمعنى أبسط، نفكك الإجراء و نحذف ما لا ضرورة له و ندمج المراحل المتكررة و نوحد البيانات و نربط الأنظمة ثم نترك للآلة الأعمال المتكررة ونحتفظ بالإنسان حيث تكون الخبرة والحكم القانوني ضروريين.

الدولة الحديثة لا يجب أن تطلب من المؤسسة المعلومة نفسها خمس مرات بل يجب اعتماد مبدأ Once Only
أي أن تقدم المعلومة مرة واحدة ثم يعاد استعمالها من الجهات المخولة قانونا دون إجبار المتعامل على إعادة تقديمها في كل مكتب.

وهنا نحتاج إلى بنية واجهات برمجة موحدة للأنظمة تربط TradeNet وSINDA والموانئ والبنوك والنقل والمخازن وبقية الجهات الرقابية وفق صلاحيات واضحة وقواعد صارمة لحوكمة البيانات وحماية الهوية.
ليس معنى ذلك فتح البيانات للجميع بل جعل الأنظمة الحكومية قادرة على التواصل عندما يسمح القانون بذلك.

نحتاج كذلك إلى الانتقال من عقلية الملف إلى عقلية إدارة القضية الرقمية.
كل عملية تجارية تحصل على رقم رقمي موحد وكل شحنة لها سجل إلكتروني وكل وثيقة لها نسخة معروفة وكل تعديل له تاريخ ووقت وكل تدخل بشري مرتبط بهوية المستخدم وكل قرار يترك أثرا رقميا قابلا للتدقيق.
عندها لن يكون ممكنا أن يقال ببساطة «الملف ضاع».

النظام نفسه يجب أن يقول الملف في مرحلة تقييم المخاطر لدى الوحدة المعنية، منذ الساعة كذا والسبب المسجل هو كذا والمدة المستهدفة لهذه المرحلة هي كذا وهنا تبدأ المعركة الحقيقية ضد التأخير.

لا نريد شعارا فضفاضا اسمه تسريع الإجراءات بل نريد اتفاقيات مستوى خدمة SLA حقيقية.
لكل مرحلة زمن مستهدف ولكل تجاوز تنبيه ولكل تنبيه تصعيد إداري ولكل تجاوز متكرر مؤشر يظهر في لوحة قيادة المسؤول.

إذا بقي ملف دون حركة ست ساعات يعرف النظام ذلك
وإذا تحول التأخير إلى 24 ساعة يصعد التنبيه وإذا تكرر التأخير في الوحدة نفسها يظهر الاتجاه.
عندها يصبح الزمن متغيرا إداريا قابلا للقياس والمساءلة وليس مجرد شكوى يتبادل بشأنها التاجر والإدارة الاتهامات.

ولذلك يجب قياس زمن التخليص الجمركي الكامل لا زمن الديوانة وحدها.
يجب أن نعرف مدة انتظار الشحنة ومدة معالجة الوثائق ومدة التفتيش ومدة الدفع ومدة الإفراج والوقت بين مرحلة وأخرى.
لا يمكن إصلاح ما لا نقيسه ولا يمكن معرفة مصدر الاختناق إذا كان الزمن نفسه غير مرئي.
أما مكافحة الفساد فلا ينبغي أن تبدأ بالخطب بل بالهندسة.

الفساد يزدهر عندما توجد مساحة غامضة للتفاوض بين الموظف والمتعامل وعندما تكون المعلومة غير متكافئة وعندما توجد معاملات نقدية وملفات غير قابلة للتتبع وقرارات شفوية وصلاحيات مركزة في يد شخص واحد.

ولهذا يجب أن تبنى المنظومة وفق مبدأ مكافحة الفساد بالتصميم فلا دفع خارج النظام و لا تعديل بلا أثر رقمي و لا قرار بلا هوية مستخدم و لا صلاحية مطلقة لموظف واحد ولا عملية حساسة يمكن لشخص واحد أن يبدأها وينهيها ويراجعها بنفسه.

وتؤكد منظمة الجمارك العالمية أهمية الأتمتة في تقليل فرص إساءة استعمال السلطة التقديرية والاحتكاك المباشر والتعامل المادي مع الأموال.
كل عملية مالية يجب أن تكون قابلة للتتبع رقميا وكل مبلغ يجب أن يظهر في النظام وكل تعديل يجب أن يسجل وكل دخول إلى ملف يجب أن يترك سجل تدقيق.

عندها يصبح السؤال بسيطا جدا أين توجد العملية؟
إذا لم توجد في النظام فهي ليست جزءا من المسار الرسمي.

لكن الرقمنة وحدها لا تكفي فيمكن للفساد أيضا أن ينتقل إلى داخل النظام إذا كانت حوكمة البيانات ضعيفة لذلك نحتاج إلى سجل تدقيق غير قابل للتلاعب في العمليات الحساسة وإلى فصل الصلاحيات والتحكم في الوصول حسب الدور الوظيفي ومراقبة الحسابات ذات الامتيازات ومبدأ أربع عيون في القرارات عالية المخاطر.

من يطلب التعديل ليس بالضرورة من يوافق عليه ومن يوافق عليه ليس بالضرورة من يستطيع محوه ومن ينفذ القرار لا ينبغي أن يكون هو نفسه من يراجعه.

ثم نصل إلى قلب الديوانة الحديثة و هي إدارة المخاطر.

لا يجوز أن تتعامل الدولة مع كل حاوية باعتبارها جريمة محتملة فهذا استنزاف للموارد وتحويل للرقابة إلى اختناق اقتصادي.
المطلوب أن تتجه الرقابة القوية إلى الشحنات الأعلى خطرا وأن تمر الشحنات منخفضة المخاطر بصورة أسرع وفقا لقواعد قانونية واضحة.
وهذا يتوافق مع مبادئ منظمة التجارة العالمية التي تدعو إلى اعتماد إدارة المخاطر وتركيز الرقابة على الشحنات عالية المخاطر وتسريع الإفراج عن الشحنات منخفضة المخاطر إلى جانب المعالجة المسبقة للوثائق والدفع الإلكتروني والتدقيق اللاحق والتعامل عبر النافذة الواحدة.

وهنا يمكن بناء محرك لتقييم المخاطر يأخذ في الاعتبار وفقا للقانون والبيانات المسموح باستخدامها و طبيعة السلعة و رمز التصنيف الجمركي و بلد المنشأ و القيمة و وسيلة النقل و سجل المتعامل والتصريحات السابقة وغيرها من المؤشرات.
الشحنة منخفضة المخاطر تمر في مسار مبسط والمتوسطة تخضع إلى مراقبة وثائقية والعالية المخاطر توجه إلى التفتيش عندما تقتضي المؤشرات ذلك.
هذه هي النقلة من الرقابة بالحجم إلى الرقابة بالذكاء.

لكن حتى الخوارزمية يجب ألا تصبح صندوقا أسود.
نحتاج إلى حوكمة واضحة لقواعد المخاطر وإلى مراقبة التغييرات التي تطرأ عليها واختبار النتائج الخاطئة ومنع التلاعب بقواعد التصنيف.
كل تغيير في قواعد المخاطر يجب أن يكون موثقا ومعللا ومصادقا عليه وقابلا للتدقيق.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دورا مهما ولكن من دون تحويله إلى شعار استعراضي.

يمكن استخدام تحليل الاحتيال واكتشاف الحالات غير العادية لاكتشاف أنماط مثل فروقات متكررة في القيم أو تغيرات غير مفسرة في التصنيف أو معاملات تختلف بصورة غير عادية عن حالات مماثلة أو موظفين يقومون بتعديلات بمعدلات غير معتادة أو ملفات تتوقف بصورة متكررة في المرحلة نفسها.
لكن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يصبح قاضيا.
دوره أن يقول للدولة هذا النمط يحتاج إلى تدقيق أما القرار القانوني فيبقى للجهة البشرية المختصة.
وبذلك تتحول البيانات من أرشيف ساكن إلى أداة للرقابة والتنبؤ واكتشاف الاختلالات.
وهنا نحتاج إلى مستودع بيانات جمركية متكامل وإلى نظام موحد لإدارة البيانات الأساسية ومحرك لجودة البيانات وطبقة ذكاء أعمال تحول ملايين السجلات إلى مؤشرات يفهمها المسؤول في لحظتها.
والهدف النهائي هو إنشاء مركز قيادة جمركي وطني.

شاشة واحدة تستطيع الدولة من خلالها رؤية عدد الحاويات ومتوسط زمن الانتظار ومدة الإفراج ونسبة التفتيش وعدد الملفات المتأخرة وقيمة البضائع العالقة والمرحلة التي يتوقف عندها الملف ومستوى احترام آجال الخدمة.

إذا كانت الديوانة قد أنهت عملها لكن الحاوية ما زالت متوقفة بسبب إجراء تابع لجهة أخرى يظهر ذلك وإذا كان مكتب معين يصنع اختناقا متكررا يظهر ذلك وإذا ارتفع زمن التخليص فجأة يظهر تنبيه.

هذه هي ذكاء الأعمال الذي تحتاجه الدولة ليس تقريرا يصل بعد شهر ليخبر المسؤول بما حدث بل معلومات تشغيلية في الزمن الحقيقي تخبره بما يحدث الآن.

ومن هنا يجب الانتقال أيضا من الرقابة المفرطة قبل الإفراج إلى التدقيق اللاحق عندما تسمح طبيعة المخاطر بذلك. المؤسسة التي تملك سجلا نظيفا لا ينبغي أن تعامل بالضرورة بالطريقة نفسها التي يعامل بها متعامل جديد عالي المخاطر.

وهنا يصبح نظام المتعامل الاقتصادي المعتمد AEO جزءا حقيقيا من السياسة الجمركية بحيث تستفيد المؤسسات الملتزمة وفق الشروط القانونية من إجراءات مبسطة ومزايا في المعالجة وبذلك يصبح احترام القواعد نفسه رأسمالا اقتصاديا وهذا منسجم مع توجهات منظمة التجارة العالمية ومنظمة الجمارك العالمية في مجال تيسير التجارة والتعامل مع المتعاملين الموثوق بهم.
ولا يمكن بناء هذه المنظومة حول الديوانة وحدها.
نحتاج إلى نافذة موحدة وطنية حقيقية لا مجرد واجهة إلكترونية. المؤسسة تقدم بياناتها مرة واحدة والجهات العمومية المخولة تتعامل معها داخليا.

وهذا هو جوهر الإدارة الحدودية المنسقة الذي تدعو إليه منظمة الجمارك العالمية .
الديوانة والجهات الرقابية الأخرى لا تعمل كجزر منفصلة بل كمنظومة واحدة تتبادل البيانات وتنسق الرقابة وتيسر التجارة مع الحفاظ على متطلبات الامتثال والأمن.

وهنا يمكن أن تتطور TradeNet من مجرد وسيط لتبادل الوثائق إلى طبقة خدمات متكاملة وأن يتطور SINDA II من نظام لمعالجة التصاريح إلى منصة لإدارة دورة التجارة الخارجية بأكملها من المعلومات المسبقة عن الشحنة إلى تقييم المخاطر إلى التصريح والدفع والإفراج ثم التدقيق اللاحق.
وهناك أدوات أخرى يجب استعمالها حيث تكون مجدية كالأتمتة الروبوتية للعمليات RPA في الأعمال المتكررة مثل مطابقة البيانات وإرسال الإشعارات وتحديث الحالات وإعداد التقارير و تحليل مسار الإجراءات Process Mining لكشف الطريقة التي تتحرك بها الملفات فعليا لا الطريقة التي تقول الوثائق إنها تتحرك بها وهذا الأخير مهم جدا.

فبدلا من سؤال الموظفين كيف يسير الملف تستطيع الدولة تحليل السجلات الرقمية لمعرفة عدد المرات التي يعود فيها الملف إلى الوراء وعدد الموافقات المتكررة ومواقع الاختناق وعدد المرات التي تطلب فيها الوثيقة نفسها.
وهنا نكتشف قاعدة خطيرة فإذا كان لدينا إجراء سيئ فإن رقمنته ستجعله سيئا بسرعة أكبر لذلك يجب أن يكون المبدأ نبسط قبل أن نؤتمت.
ونحتاج أيضا إلى هوية رقمية موحدة للمتعاملين وتوقيع إلكتروني حيث يسمح القانون وخزنة إلكترونية للوثائق ونظام إشعارات يعلم المؤسسة بكل تغيير في وضعية ملفها.

ونحتاج إلى اعتراضات رقمية إذا اختلف المتعامل مع قرار يقدم اعتراضه إلكترونيا ويحصل على رقم ويعرف الأجل القانوني والمرحلة والجهة المسؤولة وتاريخ الرد.
لا مزيد من الرحلة الغامضة بين المكاتب فلكل نزاع مسار واضح ولكل مسار أجل واضح.

كما يجب أن تصبح القرارات والاجتهادات الجمركية في الحدود التي تسمح بها حماية المعطيات والسر المهني قابلة للبحث في قاعدة معرفية موحدة.
المؤسسة تحتاج إلى القدرة على توقع كيفية معالجة الحالات المتشابهة لا إلى الاعتماد على ذاكرة شخص بعينه.

أما الموانئ فلا يمكن أن تبقى خارج هذه الثورة.

نحتاج إلى نظام مجتمع الميناء يربط الميناء والديوانة والوكيل والناقل والمخازن وبقية المتدخلين بحيث تصبح لكل حاوية رحلة رقمية واضحة: وصلت السفينة، دخلت الحاوية، قدم التصريح، اكتملت الوثائق، صدر تقييم المخاطر وقع التفتيش عند الحاجة، تم الدفع، وقع الإفراج، خرجت الحاوية.
إذا توقفت العملية نعرف أين توقفت.

ويمكن حيث تبرر المخاطر والاستعمالات ذلك و الاستفادة من تقنيات التعرف الآلي على اللوحات وقراءة الوثائق آليا وأجهزة إنترنت الأشياء والأختام الإلكترونية وتتبع الحاويات.
الهدف ليس تحويل الميناء إلى فضاء مراقبة شامل بل تقليل التدخل اليدوي وزيادة القدرة على التتبع.
لكن هناك سؤالا آخر غالبا ما يغيب عن النقاش كم يكلف التأخير؟

لا يكفي أن نقول إن حاوية تأخرت يوما بل يجب أن نحسب كلفة التأخير: التخزين، وغرامات التأخير، وتكلفة رأس المال العامل، وتوقف الإنتاج، وتأخر التصدير، والفرص الضائعة.

عندها فقط نفهم أن إصلاح الديوانة ليس مجرد إصلاح إداري إنما جزء من السياسة الاقتصادية للدولة.

وفي اقتصاد تمر عبره سنويا مبادلات خارجية تقارب 149 مليار دينار فيصبح تحسين الإجراءات وتقليص الزمن مسألة اقتصادية حقيقية لكن يجب قياس أثر الإصلاح فعليا لا تحويله إلى أرقام دعائية.

نحتاج إلى لوحة مؤشرات للكلفة والزمن وإلى دراسات دورية لزمن الإفراج وإلى مؤشرات واضحة كم تستغرق المعاملة؟ كم وثيقة تحتاج؟ كم مرة يتدخل الموظف؟ كم مرة يعود الملف إلى مرحلة سابقة؟ ما نسبة الملفات التي تعالج آليا؟ ما نسبة الشحنات منخفضة المخاطر التي تمر دون تفتيش مادي؟ ما متوسط زمن الاعتراض؟ وما نسبة احترام آجال الخدمة؟

هذه ليست أرقاما للعرض بل لوحة قيادة الدولة.

أما مكافحة الفساد فلا ينبغي قياسها فقط بعدد القضايا التي اكتشفت بعد وقوعها إنما يجب رسم خريطة لمخاطر الفساد وتحديد نقاط الاحتكاك وإدارة تضارب المصالح وتطبيق سياسات تناوب في المواقع الحساسة وتقوية التدقيق الداخلي المبني على البيانات وإنشاء قناة رقمية محمية للتبليغ ومراقبة مستمرة للضوابط.

والرقمنة هنا يجب أن تحمي الموظف النزيه أيضا فعندما يكون القرار موثقا والصلاحية محددة والأثر الرقمي موجودا يستطيع الموظف أن يقول هذه هي القاعدة التي طبقتها وهذا هو القرار الذي اتخذته.
وهكذا تحمي الدولة موظفها من الاتهام العشوائي وتحمي نفسها من الانحراف.

ثم تأتي مسألة الأمن السيبراني وهي ليست تفصيلا تقنيا.

كلما أصبحت الديوانة أكثر اعتمادا على البيانات والأنظمة المترابطة أصبحت بنيتها الرقمية جزءا من البنية التحتية السيادية للبلاد لذلك نحتاج إلى هندسة أمنية قائمة على عدم الثقة الافتراضية وتشفير وإدارة صارمة للهويات والصلاحيات ومراقبة أمنية مستمرة ونسخ احتياطية وخطط لاستمرارية الأعمال واختبارات دورية وإدارة للثغرات والاستجابة للحوادث.

الدولة الرقمية التي تتوقف عند أول عطب أو هجوم سيبراني ليست دولة رقمية إنما نقطة ضعف استراتيجية.

ثم نصل إلى العنصر الذي ينساه الجميع «الموارد البشرية».

الديوانة المستقبلية لن تحتاج فقط إلى من يعرف تطبيق النص بل إلى محللي بيانات ومختصي مخاطر ومهندسي إجراءات وخبراء تصنيف جمركي ومختصي أمن سيبراني ومختصي تدقيق رقمي ومطوري ذكاء أعمال وخبراء في حوكمة الذكاء الاصطناعي ومختصي إدارة التغيير.

ويجب أن تتغير أيضا طريقة تقييم الأداء فالموظف الناجح ليس بالضرورة من يراكم أكبر عدد من الملفات أو التفتيشات. يجب قياس احترام الآجال وجودة البيانات ودقة المعالجة ونسبة العمليات التي تمر بسلاسة ونتائج التدقيق اللاحق، وجودة إدارة المخاطر.

نريد إدارة أداء حقيقية لا مجرد إدارة حضور.
لكن كل هذا يحتاج إلى سند قانوني وتنظيمي لذا يجب مراجعة الإجراءات والنصوص من زاوية التبسيط والرقمنة والشفافية والتناسب مع المخاطر ويجب أن يعرف المتعامل وضعية ملفه وأن يكون له حق واضح في الاعتراض وأن يحصل على جواب داخل أجل محدد وأن تكون الإجراءات الرقمية معترفا بها قانونا حيث يسمح الإطار التشريعي بذلك.

ويجب اعتماد قاعدة أخرى تقول لا إجراء جديد من دون تقييم رقمي مسبق.

كل نص ينشئ إجراء جديدا يجب أن يجيب عن سؤالين
هل يمكن حذف هذا الإجراء؟ وإذا كان ضروريا، هل يمكن تصميمه رقميا منذ البداية؟
أما التنفيذ فلا ينبغي أن يتحول إلى مشروع إداري يمتد سنوات من الدراسات والاجتماعات.

نبدأ أولا بجرد شامل للإجراءات ورسم مساراتها وقياس الوضع الحالي وتحديد الاختناقات وحصر الوثائق المتكررة وتحديد البيانات التي تطلبها أكثر من جهة.
ثم نختار مسارا محددا كتجربة ونقيس نتائجه قبل التوسع.

وخلال المرحلة التالية يجب أن تتوسع النافذة الموحدة وإدارة المخاطر والدفع الإلكتروني وإدارة الملفات الرقمية والاعتراضات الرقمية وسجلات التدقيق ولوحات الذكاء الاقتصادي والتدقيق اللاحق ونظام المتعامل الاقتصادي المعتمد.
ثم نصل إلى المرحلة التي تنتقل فيها تونس من أنظمة معلومات جمركية إلى منصة رقمية لإدارة التجارة الخارجية ومن الرقابة الشاملة إلى الرقابة القائمة على المخاطر ومن الورق إلى المعالجة الرقمية ومن الإجراءات اليدوية إلى مسارات مؤتمتة ومن البيانات المبعثرة إلى حوكمة موحدة للبيانات ومن التقارير المتأخرة إلى المعلومات التشغيلية في الزمن الحقيقي.

ولا ينبغي قياس النجاح بعدد الحواسيب التي اشتريناها ولا بعدد الموظفين الذين تلقوا تكوينا ولا بعدد الملفات التي دخلت النظام فهذه مخرجات.

أما النتائج الحقيقية فهي انخفاض زمن التخليص وانخفاض زمن انتظار الحاويات وانخفاض عدد الوثائق وارتفاع نسبة المعالجة الآلية وارتفاع نسبة الإفراج عن الشحنات منخفضة المخاطر وانخفاض التدخلات اليدوية غير الضرورية وارتفاع التدقيق اللاحق وانخفاض التأخيرات غير المفسرة وتحسن جودة البيانات والامتثال.
لا نريد أن نستبدل الختم الورقي بالختم الإلكتروني ونعلن أننا دخلنا القرن الحادي والعشرين.
نريد أن نقتل الانتظار المجهول والتكرار والوثيقة الزائدة والقرار غير القابل للتتبع والتفاوض غير الضروري والتعامل النقدي غير القابل للرقابة واحتكار المعلومة.

نريد في المقابل منظومة فيها بيانات موحدة وتكامل بين الأنظمة وإدارة مخاطر وسجلات تدقيق ودفع إلكتروني وهوية رقمية ولوحات قيادة وتدقيق لاحق وأمن سيبراني ومساءلة.
لأن الديوانة الحديثة ليست إدارة تقف أمام الحاوية وتبحث فقط عن الخطأ.

الديوانة الحديثة هي منظومة استخبارات اقتصادية وإدارة حدود ذكية تقرأ البيانات قبل وصول الشحنة وتقيّم المخاطر قبل التفتيش وتعالج ما يمكن معالجته قبل وصول البضاعة وتراقب التدفقات لحظة بلحظة وتترك لكل قرار أثرا رقميا يمكن تدقيقه.
وعندما تصبح كل عملية قابلة للقياس وكل دقيقة قابلة للحساب وكل تعديل قابلا للتتبع وكل دفع قابلا للتحقق وكل ملف قابلا للرؤية وكل خطر قابلا للتحليل عندها لا نكون قد رقمنّا الديوانة فقط بل نكون قد غيرنا علاقة الدولة بالاقتصاد.

تونس لا تحتاج إلى ديوانة أكثر تعقيدا حتى تحمي حدودها بل إلى ديوانة أكثر ذكاء حتى تحمي حدودها واقتصادها في الوقت نفسه.
لا تحتاج إلى مزيد من الأبواب بل إلى بوابة رقمية أكثر تكاملا و لا تحتاج إلى مزيد من التفتيش العشوائي بل إلى إدارة مخاطر دقيقة و لا تحتاج إلى تقارير تصل بعد انتهاء المشكلة بل إلى معلومات في الزمن الحقيقي ولا تحتاج إلى شعارات عن مكافحة الفساد بل إلى هندسة تجعل إساءة استعمال السلطة أصعب وأيسر اكتشافا.

الدولة القوية ليست التي تجعل المستثمر ينتظر أمام عشرين مكتبا بل هي التي تجعل عشرين إدارة تعمل خلف شاشة واحدة.
وهنا يجب أن يكون هدف الديوانة التونسية واضحا
من الورقة إلى البيانات و من الانتظار إلى الآجال المقاسة و من التفتيش الشامل إلى إدارة المخاطر و من الموظف المنفرد إلى القرار القابل للتدقيق و من الأنظمة المنعزلة إلى التكامل الرقمي ومن الرقمنة الشكلية إلى التحول الرقمي الحقيقي ومن إدارة الملفات إلى إدارة الاقتصاد.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال