بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

في تونس: لا تعاقب على الفشل... بل على أن تنجح أكثر مما ينبغي

2026-09-22 95 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
في تونس: لا تعاقب على الفشل... بل على أن تنجح أكثر مما ينبغي
في تونس، هناك قاعدة غير مكتوبة تصلح لأن توضع فوق أبواب بعض المؤسسات: لا تحاول أن تكون أفضل من اللازم ولا أسرع من اللازم ولا أذكى من اللازم والأهم من ذلك كله لا تجعل نجاحك يحرج الذين أمضوا حياتهم في شرح أسباب فشلك.
تستطيع أن تفشل عشرين عاما دون أن يزعج ذلك أحدا و تستطيع أن تعطل مشروعا وتؤجل ملفا وتطلب من المواطن أن يعود غدا ثم بعد غد ثم بعد العيد وستجد دائما من يمنحك تفسيرا بيروقراطيا محترما. لكن حاول أن تأتي بفكرة جديدة أو أن تختصر طريقا أو أن تسأل ببساطة لماذا تفعل الإدارة الشيء نفسه منذ ثلاثين عاما وستكتشف فجأة أن لديك خصوما أكثر مما لديك من أصدقاء.

في المجتمعات التي اعتادت على التسوية نحو الأسفل لا يخافون دائما من الفاشل فالفاشل مريح لأنه لا يهدد أحدا ولا يفضح أحدا ولا يغير ميزان القوى. أما الإنسان الذي يعمل وينجح ويصنع ويعرف ماذا يريد فهو مشكلة سياسية صغيرة تمشي على قدمين. ولهذا فإن العقوبة الاجتماعية لا تقع دائما على من يفشل بل قد تقع على من يجعل فشل الآخرين أكثر وضوحا.
في تونس قد تستطيع أن تصبح خبيرا لأنك ظهرت عشرات المرات في استوديو تلفزيوني وقد تتحول إلى رقما انتخابيا لأنك أتقنت توزيع الوعود على المقاهي لكن أن تأتي بدراسة اقتصادية جادة أو مشروع صناعي قابل للتنفيذ أو تصورا لإصلاح الإدارة فهذه قصة أخرى تماما.
قد يكون السؤال الأول عند البعض ليس ماذا اقترحت؟
بل من وراءك؟ ومن مولك؟ ومن سمح لك؟ ولماذا أنت بالذات؟
كأن الفكرة في تونس لا تصبح صحيحة إلا إذا حصلت على بطاقة عبور من أحد أبواب السلطة أو المعارضة أو الإعلام.

وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات السياسة التونسية سخرية، نحن نتحدث كثيرا عن تغيير الدولة بينما الدولة الحقيقية لا تسكن دائما في القصر ولا في البرلمان ولا في المنصة الانتخابية وإنما في التفاصيل اليومية التي يعيشها المواطن، في الإدارة وفي القانون وفي الإجراء وفي الختم وفي الوثيقة وفي الموظف الذي يستطيع أن يقول لك بكل هدوء ارجع غدوة ثم يجعلك تكتشف أن الغد في الإدارة ليس وحدة زمنية بل فلسفة حكم كاملة.

أما الانتخابات فقد تتحول من منافسة بين مشاريع إلى منافسة على حق استخدام مكبر الصوت.
تتغير الوجوه وتتغير الشعارات وتتغير الملصقات لكن المواطن قد يعود بعد كل ذلك إلى الطابور نفسه والراتب نفسه والمستشفى نفسه والمدرسة نفسها والإدارة نفسها.
وهنا يصبح السؤال الجدي ليس من فاز بالصندوق بل ماذا تغير في قدرة الدولة على العمل بعد انتهاء الصندوق؟
لأن الدولة لا تتغير بمجرد تغيير الوجوه إذا بقيت الآلة نفسها والقواعد نفسها والعقلية نفسها.

وهذا هو الدرس الذي تفهمه الواقعية السياسية قبل أن تفهمه الخطب الانتخابية فالسلطة ليست فقط من يجلس على الكرسي وإنما من يملك القدرة على تحويل القرار إلى نتيجة. والدولة ليست عدد الوزراء ولا عدد البيانات الرسمية وإنما قدرتها على تنفيذ القانون وإدارة الموارد وحماية المواطن وإنتاج الثروة وخلق المعرفة وتحويل موقعها الجغرافي إلى مصلحة ومصلحتها إلى نفوذ.
وفي هذا المعنى فإن أي حديث عن السيادة لا يرافقه إنتاج ومعرفة وإدارة فعالة يبقى أقرب إلى الخطابة منه إلى السياسة.

وهنا تبدو بعض مفارقات النخب التونسية شديدة القسوة. نريد دولة حديثة بعقل إداري قديم واقتصادا رقميا بعقلية الطابع والختم وتنمية بلا إنتاج وسيادة بلا صناعة واستقلالا اقتصاديا فيما ننتظر من الخارج أن يطمئن إلى أرقامنا كل شهر.
نستطيع أن ننتج مئات الخطب عن ضرورة الإنتاج ثم تنتهي الجلسة دون أن ننتج مسمارا واحدا وهذه ليست نكتة سياسية؛د إنما مشكلة دولة.

والأغرب أننا نطلب من الإنسان أن يكون حرا بشرط ألا يكون مستقلا فإذا نجحت اتهموك بأن وراءك جهة وإذا فشلت قالوا إنك لا تصلح و إذا تكلمت قالوا إنك تبحث عن الشهرة وإذا صمت قالوا إنك لا تملك شيئا وإذا بقيت مستقلا جاءك السؤال الذي يكشف عقلية القطيع بأكملها: مع شكون إنت؟

كأن الاستقلال الفكري أصبح في حد ذاته موقفا سياسيا يجب تفسيره.

وهنا تصبح الحكاية أكبر من تونس. الإنسان الذي يعيش في محيط فقير فكريا قد يتعلم أن إظهار قوته له كلفة وأن كشف كل أوراقه أمام الجميع ليس دائما حكمة
. ليس لأن عليه أن يعيش متخفيا أو أن يحكم من وراء الستار كما في الروايات الميكيافيلية وإنما لأن العالم السياسي والاجتماعي لا يعمل دائما بمنطق البراءة.
هناك مصالح وحسابات ومخاوف ومنافسة وحسد ومراكز نفوذ ومن لا يفهم هذه الحقيقة قد يتحول من صاحب مشروع إلى مادة سهلة للاستهلاك السياسي.

لكن الحذر شيء والجبن شيء آخر والصمت التكتيكي شيء والاختباء الدائم شيء آخر.
القوة ليست أن تختفي كما أنها ليست أن تصرخ في كل مناسبة. القوة أن تعرف متى تتكلم ومتى تصمت ومتى تكشف أوراقك ومتى تترك نتائج عملك تتحدث عنك.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله المواطن التونسي اليوم ليس أن يغضب أكثر بل أن يتعلم أكثر كأن يتعلم الاقتصاد حتى لا يخدع بالشعارات الاقتصادية وأن يقرأ القانون حتى لا يخدع بالخطاب السياسي وأن يفهم الإدارة حتى يعرف أين يتعطل القرار وأن يقرأ التاريخ والجغرافيا حتى يفهم لماذا تتحرك الدول وأن يفهم التكنولوجيا حتى لا يبقى مجرد مستهلك لها.

فالمواطن الغاضب يمكن تهدئته بخطاب والمواطن الخائف يمكن إدارته بالتهديد والمواطن الفقير معرفيا يمكن إغراقه بالشعارات أما المواطن الذي يفهم فيسأل والذي يسأل يقارن والذي يقارن يكتشف والذي يكتشف يصعب قياده بالوهم ومن هنا تبدأ السياسة الحقيقية.

أما الوطنية التي تطلب من الإنسان أن يحب الخراب لأنه يحمل اسم الوطن وأن يصمت عن الإهانة لأنه يجب أن يكون وطنيا وأن يقبل ضعف الإدارة لأنه لا يجوز انتقاد الدولة فهذه ليست وطنية ناضجة بل تحويل للوطن إلى أداة لإسكات المواطن.
الوطن الحقيقي ليس علما ونشيدا وخطابا فقط
الوطن مستشفى يحترم المريض ومدرسة تفتح المستقبل وإدارة لا تهين الفقير وقانون يطبق بعدل وعمل يمنح الإنسان كرامته ودولة تجعل المواطن يشعر أن حياته ليست هامشا في دفتر البيروقراطية.

ولذلك فإن الدفاع عن تونس لا يكون بتقديس أخطائها كما أن نقدها لا يعني كراهيتها. أحيانا يكون أقسى نقد للوطن هو أكثر أشكال الوفاء جدية، لأن الذي يرى الخلل ويسكت عنه يترك البلد لمن اعتادوا أن يعيشوا من الخلل نفسه.

تونس لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج ولا إلى المزيد من السياسيين الذين يعرفون كيف يشرحون الأزمة أكثر مما يعرفون كيف يحلونها.
تونس تحتاج إلى من يحول المعرفة إلى صناعة والقانون إلى مؤسسات والإدارة إلى خدمة والتعليم إلى قدرة والجغرافيا إلى نفوذ والسيادة إلى قوة مادية لا إلى شعار.
فالدول لا تنهض لأن مواطنيها أكثر غضبا وإنما لأنها تصبح أكثر قدرة.
ربما يكون أكثر ما تخشاه المنظومات القديمة ليس المعارض الذي يصرخ ولا الناقد الذي يشتم ولا المرشح الذي يوزع الوعود بل المواطن الذي يتعلم كيف تعمل الأشياء.
لأن المواطن الغاضب يمكن احتواؤه والمواطن اليائس يمكن تخديره والمواطن الذي ينتظر يمكن إغراقه بالوعود.
أما المواطن الذي يفهم فهذه قصة أخرى إدفهو لا يطلب منك أن تخبره ماذا يفكر بل يبدأ بالتفكير بنفسه.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال