بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الدولة التي لا تحمي الحقيقة تحمي الفساد

2026-09-20 31 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الدولة التي لا تحمي الحقيقة تحمي الفساد
في تونس صار الحديث عن الفساد أكثر انتشارا من محاربته وهذه ليست مجرد مفارقة لغوية عابرة بل ظاهرة سياسية واجتماعية تستحق التوقف عندها لأن المجتمعات لا تفسد فقط عندما يسرق الموظف أو ترتشي الإدارة أو تتلاعب الشركات بالصفقات وإنما تفسد أيضا عندما تتحول مكافحة الفساد نفسها إلى سوق وعندما يصبح الحديث عن الفساد أكثر ربحا من الوصول إلى الحقيقة.
نشأ حول الفساد اقتصاد كامل من الكلام من جمعيات ومنظمات وصفحات وبرامج وكرونيكورات وخبراء موسميون وأبطال استوديوهات ووجوه إعلامية تقدم نفسها باعتبارها صاحبة مفاتيح الأسرار حتى أصبح بعض الناس يتعامل مع الفساد كما يتعامل التاجر مع سلعة رائجة يضعها في الواجهة و يرفع حولها الضجيج و يبيع الخوف والفضيحة ثم ينتقل إلى ملف آخر عندما ينتهي الجمهور من استهلاك الملف الأول.

لكن الحقيقة ليست فضيحة وليست مادة للفرجة وليست اتهاما يطلق في الهواء.
الحقيقة ملف والملف دليل والدليل يحتاج إلى تحقق وتحقيق والتحقيق يحتاج إلى مؤسسات والمؤسسات تحتاج إلى قانون وقضاء وقدرة على التنفيذ.
أما تحويل الشبهة إلى إدانة والخصومة السياسية إلى قضية فساد والاتهام إلى بطولة إعلامية فليس مكافحة للفساد بل يمكن أن يتحول هو نفسه إلى اعتداء على الحقيقة وعلى حقوق الأشخاص وعلى ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة.

من هنا يجب أن نعيد المسألة إلى أصلها فالفساد في الدولة الحديثة ليس بطولة فردية ولا اختصاصا حصريا لصفحة أو برنامج أو شخص يدعي امتلاك الحقيقة.
الفساد قضية دولة لأن الدولة تملك القانون وأجهزة الرقابة والتحقيق والنيابة والقضاء وتملك القدرة على حماية المال العام كما تملك عندما تتوفر الإرادة والمؤسسات القدرة على حماية من يقرر أن يقول الحقيقة.

لكن الدولة تستطيع أن تحمي الحقيقة كما تستطيع أن تبتلعها فهي آلة ضخمة للذاكرة والنسيان في الوقت نفسه.
تحفظ الوثيقة لكنها قد تضيعها تنشئ الملف لكنها قد تدفنه و تضع القانون لكنها قد تتركه بلا أدوات وتطلب من الموظف أن يبلغ ثم تتركه وحيدا عندما تبدأ المؤسسة في الانتقام منه.
والفساد لا يحتاج دائما إلى موظف شرير بل أحيانا يكفيه أرشيف ضعيف وملف لا يمكن تتبع مساره وتوقيع لا نعرف من مرره ونظام معلومات لا يتحدث مع نظام آخر وإدارة لا تستطيع بعد سنوات إعادة بناء ما حدث.

في هذه المسافة بين الوثيقة والذاكرة تنمو مناطق الغموض وفي مناطق الغموض يجد الفساد أفضل بيئة للاختباء.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع الفاسد بعد وقوع الفعل وإنما مع البنية الإدارية التي تسمح للقرار والمال والوثيقة بأن تتحرك من دون أثر قابل للتتبع.
وهنا تحديدا تصبح الرقمنة مسألة دولة لا مسألة تكنولوجيا.

لقد أخطأنا طويلا عندما اختزلنا الرقمنة في تحويل الورق إلى PDF أو في إنشاء منصة إلكترونية جميلة أو في وضع شاشة أمام المواطن بدل النافذة. هذه ليست رقمنة للدولة بل رقمنة للواجهة.
الرقمنة الحقيقية هي إعادة هندسة الدولة نفسها
بأن يصبح القرار الإداري قابلا للتتبع والملف قابلا لإعادة البناء ومسار الصفقة واضحا وأن تعرف الدولة من دخل إلى الملف ومتى وما الذي تغير ومن سمح بالتغيير وأن تتحول الإدارة من مؤسسة تعتمد على الذاكرة الشخصية للموظف إلى مؤسسة تمتلك ذاكرة مؤسسية رقمية.
وعندما تصبح لكل معاملة هوية رقمية ولكل قرار أثر ولكل تعديل سجل ولكل صلاحية وصول حدود واضحة يصبح من الصعب محو القصة بعد وقوعها.
هنا تتحول الرقمنة من مشروع لتسريع الإدارة إلى أداة لتقليص مناطق الفساد نفسها.
ولهذا فإن السؤال ليس كم منصة أنشأنا؟ بل كم مساحة غموض ألغينا؟ وكم قرارا أصبح قابلا للتتبع؟ وكم ملفا أصبح بالإمكان إعادة بنائه بعد سنوات؟ وكم عملية أصبح من المستحيل تعديلها دون ترك أثر؟
هذه هي الرقمنة التي تحتاجها الدولة.

في قلب هذه المنظومة يوجد المبلغ عن الفساد وهو غالبا الحلقة الأكثر هشاشة والأكثر أهمية في الوقت نفسه
فالمبلغ ليس مواطنا يرسل بريدا إلكترونيا وينتهي الأمر بل قد يكون موظفا يعرف ما لا يعرفه المواطن ويرى ما لا يراه الصحفي ويمتلك وثيقة لا يستطيع الخارج الوصول إليها ويعرف أين أخفيت المعلومة ثم يقرر أن يخرج من صمت الجماعة.
وحين يفعل ذلك يجد نفسه في مواجهة منظومة أكبر منه فالمؤسسة أمامه والخوف خلفه والحقيقة بين يديه.
ولهذا فإن حماية المبلغ ليست امتيازا شخصيا ولا إجراء إداريا ثانويا بل هي جزء من قدرة الدولة على اكتشاف الخطر من داخلها.
وتونس ليست بلا إطار قانوني في هذا المجال فالقانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 المتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين وضع بالفعل آليات قانونية للتبليغ والحماية والحفاظ على سرية الهوية والحماية من بعض أشكال الانتقام.
لكن وجود القانون ليس نهاية المشكلة بل بدايتها.
فالسؤال الحقيقي هو هل يستطيع موظف أن يستعمل هذه الحماية فعلا؟ هل يعرف إلى أين يتوجه؟ هل توجد قناة آمنة؟ هل تبقى هويته منفصلة عن مضمون البلاغ؟
هل يستطيع متابعة ملفه؟ وهل توجد مؤسسة قادرة على التدخل إذا بدأت ضده إجراءات انتقامية؟
القانون الذي لا يجد مؤسسة تنفذه يبقى نصا والمبلغ الذي لا يجد نظاما يحميه سيعود إلى الصمت.

لذلك لا نحتاج إلى منصة إلكترونية أخرى تضاف إلى مقبرة المنصات بل إلى منظومة وطنية لحماية المبلغين وإدارة مخاطر الفساد تكون فيها التكنولوجيا خادمة للقانون والقانون منظما للمؤسسات والمؤسسات خادمة للمصلحة العامة.
تبدأ المنظومة من المواطن لكنها لا تنتهي عنده و يتلقى النظام البلاغ ويمنحه رقما سريا ويحفظ الوثائق ويفصل هوية المبلغ عن مضمون الملف ويصنف البلاغ حسب طبيعته ودرجة الخطر ثم يوجهه إلى الجهة المختصة وفقا للقانون.

البلاغ الإداري يسلك المسار الرقابي المناسب والبلاغ المالي يحال إلى الجهة المختصة والشبهة الجزائية تسلك مسار النيابة والقضاء والملفات المرتبطة بالصفقات العمومية توجه إلى الجهات المختصة والأدلة الرقمية تخضع للخبرة الفنية أما إذا تعرض المبلغ لخطر حقيقي فتبدأ آلية الحماية.
هكذا يصبح المسار واضحا بلاغ ثم تصنيف ثم تحقق أولي ثم إحالة ثم تحقيق ثم قضاء ثم نتيجة.
لا بلاغ ثم ضجيج إعلامي ثم نسيان.

والمنصة لا ينبغي أن تحل محل الدولة بل أن تجعل أجهزة الدولة تعمل بصورة أكثر انتظاما.
القضاء يحتفظ باختصاصه والنيابة العمومية باختصاصها وأجهزة الرقابة باختصاصاتها والخبراء باختصاصاتهم والجهات الأمنية المختصة بدورها القانوني في الحماية بينما تتولى المنظومة تنظيم تدفق المعلومات وتأمينها وتتبع مسارها.
بهذه الطريقة لا نخلق جهازا فوق أجهزة الدولة وإنما نبني طبقة تنسيق وأمان تجعل الدولة أكثر قدرة على رؤية ما يحدث داخلها.

لا يمكن بناء هذه المنظومة بعقلية ورقية لأن البلاغات الحديثة قد تتضمن وثائق رقمية وملفات وقواعد بيانات وتسجيلات ومراسلات وأدلة تحتاج إلى حماية من التسريب أو العبث.
لذلك يجب أن تكون الحماية الرقمية جزءا من التصميم الأصلي للمنظومة لا إضافة تأتي بعد إطلاقها.
ويشمل ذلك التشفير والفصل بين هوية المبلغ ومضمون البلاغ وتحديد صلاحيات الوصول وتسجيل عمليات الدخول والنسخ الاحتياطية الآمنة والتدقيق المستقل واختبارات الأمن وخطط الاستجابة للحوادث والقدرة على إجراء الخبرة الجنائية الرقمية عند الحاجة.

أما Tor فلا ينبغي تحويله إلى شيطان تكنولوجي ولا إلى عصا سحرية.
هو أداة لتعزيز الخصوصية وتقليل قدرة جهة واحدة على رؤية المسار الكامل للاتصال لكنه لا يضمن وحده إخفاء هوية المستخدم أو سلامة جهازه
. ولذلك يجب ألا تختزل حماية المبلغ في أداة واحدة بل في منظومة متعددة الطبقات والقنوات تجمع بين الحماية التقنية والحماية القانونية والمؤسساتية.
والقاعدة الأهم هنا هي أن الدولة لا تحتاج إلى جمع كل شيء كي تكون قوية.
على العكس، من أفضل مبادئ حماية البيانات ألا تجمع الدولة ما لا تحتاج إليه أصلا.
لكل معلومة سبب قانوني لجمعها ولكل صلاحية وصول مبرر ولكل عملية استخدام أثر قابل للمراجعة ولكل مخالفة جزاء واضح.
فالأمن السيبراني ليس مشروعا منفصلا عن مكافحة الفساد بل إنه جزء من حماية الدليل وحماية المبلغ وحماية ذاكرة الدولة.

ليس كل بلاغ صحيحا وليس كل مبلغ ملاكا ولكن ليس كل بلاغ كاذبا وليس كل مبلغ وشاية لذلك يجب أن تقوم المنظومة على التحقق لا على الإدانة التلقائية.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي وظيفة مهمة بشرط ألا يتحول إلى قاض آلي. دوره هو اكتشاف الأنماط غير الطبيعية ومؤشرات الخطر التي تستحق التدقيق البشري والقانوني لا إصدار الأحكام على الأشخاص.
فإذا تكرر فوز جهة واحدة بصفقات متشابهة أو ظهرت تغييرات غير معتادة في شروط صفقة أو ارتفعت الكلفة بصورة تستحق التفسير أو ظهرت أنماط متكررة في العروض أو التعاقدات فإن النظام يستطيع أن يرفع راية حمراء للجهة المختصة.
لكن الراية الحمراء ليست إدانة والمؤشر ليس جريمة والخوارزمية لا تحل محل المحقق والقاضي.
وهذا يقودنا مباشرة إلى الصفقات العمومية لأنها مجال يمكن فيه للرقمنة أن تغير قواعد اللعبة جذريا.
ينبغي أن تمتلك كل صفقة هوية رقمية ومسارا قابلا للتتبع يبدأ من الإعلان والعروض والتقييم والقرار والعقد والتعديلات والتنفيذ والدفع، بحيث تترك كل مرحلة أثرا قابلا للمراجعة.
عندها تستطيع الدولة حتى بعد سنوات أن تعيد بناء القصة الكاملة للصفقة من اتخذ القرار ومتى ولماذا ومن عدل الملف وما الذي تغير وكيف تم التنفيذ وأين ذهبت الأموال.
هذه هي الشفافية الحقيقية فالفساد لا يخاف الشاشة إنما يخاف الأثر الذي لا يمكن محوه.

هنا تظهر المسألة الأصعب من يراقب من يراقب الفساد؟
إذا وضعت كل الصلاحيات في يد جهاز واحد فإننا قد نبني مؤسسة جديدة تتحول هي نفسها إلى نقطة ضعف لذلك يجب أن تقوم المنظومة على توزيع واضح للصلاحيات بحيث لا تكون الجهة التي تستقبل البلاغ هي نفسها التي تحقق وتحكم وتحمي البيانات وتقرر وحدها مصير الملف.

نحتاج إلى حوكمة متعددة الطبقات عبر جهة تتولى استقبال البلاغات وإدارة المنظومة في إطار قانوني واضح وأجهزة رقابية تحتفظ باختصاصاتها والنيابة والقضاء يحتفظان باستقلالهما واختصاصاتهما والجهة المختصة بالأمن السيبراني تؤمن البنية التقنية والجهة المختصة بحماية المعطيات تراقب احترام قواعد الخصوصية وآلية مستقلة تراقب أداء المنظومة نفسها.

والشفافية هنا لا تعني نشر أسماء المبلغين ولا كشف تفاصيل التحقيقات.
المطلوب هو نشر مؤشرات مجهلة ،عدد البلاغات و آجال المعالجة و عدد الإحالات و حالات الانتقام و الحوادث الأمنية و ونسب الملفات التي وصلت إلى مراحل متقدمة بما يسمح للمجتمع بمعرفة هل تعمل المنظومة أم لا.
لا نريد أن نعرف أسماء المبلغين لا نريد أن نعرف هل الدولة تعمل؟؟؟

لا يمكن أن تنجح كل هذه الهندسة إذا بقي المبلغ خائفا. فالحماية يجب أن تكون قانونية ومهنية ورقمية ويمكن أن تكون شخصية عندما يقتضي الخطر ذلك وفقا للقانون.

المبلغ الذي يعرف أن هويته محمية وأن وظيفته لن تتحول إلى عقوبة وأن لديه مسارا قانونيا واضحا وأن الأدلة التي يقدمها لن تختفي سيكون أكثر استعدادا للحديث من الموظف الذي يعلم أن ملفه قد يعود إلى المؤسسة التي اشتكى منها قبل أن يصل إلى جهة قادرة على النظر فيه.

ولهذا يجب الانتقال من مفهوم حماية المبلغ كشعار إلى هندسة حماية واضحة من يستقبل هويته؟ من يستطيع الوصول إليها؟ متى يمكن كشفها؟ من يقرر ذلك؟ كيف يبلغ عن الانتقام؟ من يتدخل؟ وما المسؤولية إذا تسربت المعلومات؟
هذه ليست أسئلة تقنية فقط ولا قانونية فقط إنما أسئلة تتعلق بقدرة الدولة على حماية نفسها من داخلها.

إذا أردنا تحويل الفكرة إلى سياسة عامة فيمكن أن تبدأ الدولة بمسار متدرج يجمع بين تحديث الإطار القانوني بما يتلاءم مع البيئة الرقمية وإنشاء منظومة وطنية آمنة ومتعددة القنوات للتبليغ وبناء قدرة وطنية لتحليل مخاطر الفساد بالبيانات والذكاء الاصطناعي وربط المنظومة تدريجيا بأنظمة الصفقات العمومية والرقابة والتدقيق وفق قواعد واضحة للصلاحيات والوصول وتطوير قدرات الأدلة الرقمية والتحقيق الجنائي الرقمي وتوفير حماية مهنية وقانونية ورقمية فعلية للمبلغين.

ولا ينبغي إطلاق المشروع دفعة واحدة في كل الدولة.
يمكن البدء بقطاعات ذات مخاطر مرتفعة واختبار المنظومة وقياس سرعة معالجة البلاغات ونسبة الإحالات وعدد حالات الانتقام وجودة التحقيقات ومستوى الأمن السيبراني ثم تعديل النظام قبل توسيعه.
فالسياسة العامة الجادة لا تقول فقط سنحارب الفساد
إنها تجيب عن الأسئلة التي تأتي بعدها مباشرة
من يستقبل البلاغ؟ من يتحقق؟ من يحيل؟ من يحقق؟ من يحكم؟ من يحمي المبلغ؟ من يراقب المنظومة؟ وكيف نقيس نجاحها؟
عندها فقط ننتقل من خطاب مكافحة الفساد إلى دولة تمتلك سياسة متكاملة لمكافحة الفساد.

إذا ظل كل شيء معلقا على شجاعة فرد أو نزاهة موظف أو ضمير صحفي أو بطولة كرونيكور فنحن لم نبن دولة بل بنينا مسرحا ينتظر بطلا جديدا كل ليلة.
والدولة لا تبنى بالأبطال وإنما تبنى بالأنظمة والمؤسسات وقواعد العمل التي تستمر عندما تتغير الوجوه والحكومات والمسؤولون.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الدولة والمبلغ وليست بين السلطة والمعارضة وليست بين جمعية وصفحة تلفزيونية فالمعركة الحقيقية هي بين دولة تريد أن تتذكر ومنظومة مصالح تستفيد من النسيان.
الدولة التي تتذكر تعرف من وقع ومن أمضى ومن دفع ومن قبض ومن عدل ومن استفاد أما الدولة التي تنسى فتترك المجال للظلال.

الرقمنة في هذا المعنى ليست مشروعا لتجميل الإدارة بل مشروعا لإعادة بناء الدولة ومنصة التبليغ ليست مجرد موقع لاستقبال الشكاوى بل جزء من منظومة وطنية للإنذار المبكر. والمبلغ ليس بطلا مطلوبا منه أن يواجه الدولة وحده بل إنسان يجب أن يجد دولة تحميه عندما يقرر أن يقول الحقيقة.

الفساد لا يختفي بتغيير الأشخاص وحدهم وإنما عندما تتغير قواعد اللعبة التي تسمح له بالنمو والاختباء.
والدولة الرقمية ليست دولة تعرف كل شيء عن المواطن بل دولة تستطيع ضمن القانون أن تعرف ماذا يحدث داخل مؤسساتها وأن تتبع المال والقرار والوثيقة وتحمي المعلومة والمبلغ والدليل ثم تترك القضاء يقول كلمته.

هنا فقط تصبح التكنولوجيا أداة لقوة الدولة لا وسيلة للسيطرة على المجتمع، ويصبح المبلغ شريكا في حماية المصلحة العامة، ويصبح القانون حيا لا مجرد نص في الرائد الرسمي.
وفي عالم تضيق فيه المسافة بين الدولة والبيانات لم تعد الحقيقة تحتاج إلى شجاعة صاحبها وحدها بل تحتاج إلى بنية تحميها لأن الحقيقة التي لا تجد مؤسسة تحميها قد تتحول إلى همس والهمس الذي لا يجد نظاما يحفظه يتحول إلى خوف والخوف بيئة خصبة للفساد.

أما الدولة التي تستطيع أن تقول لموظفها تكلم سنحميك فهي لا تحمي موظفا واحدا وإنما تحمي نفسها.

ومن هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي، ليس من مطاردة الفاسد بعد أن يختفي وإنما من بناء دولة تجعل اختفاء الحقيقة أصعب من اكتشافها.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال