تونس لا تعاني فقط من نقص في التجهيزات ولا من خلل في بعض المستشفيات بل تعاني من مشكلة أعمق بكثير
الدولة لا تزال لا تمتلك بالصورة التي تحتاجها دولة حديثة الخريطة الكاملة لمنظومتها الصحية.
وهنا يجب أن نكون أكثر جرأة في تشخيص المرض
لا يمكن أن تدير دولة قطاعا صحيا معقدا بعقلية الملفات الورقية والجداول المنفصلة والأنظمة التي لا تتحدث مع بعضها البعض.
لا يمكن أن تعرف الدولة حجم الإنفاق الصحي الحقيقي إذا كانت المعلومة موزعة بين المستشفى والطبيب والصيدلية والصندوق الاجتماعي والصيدلية المركزية والمخبر والمصحة الخاصة.
ولا يمكن أن تحارب الهدر إذا كانت لا تستطيع ربط الوصفة بالفحص والفحص بالعلاج والعلاج بالفاتورة والفاتورة بالتعويض والتعويض بالمسار الكامل للمريض.
المشكلة إذن ليست أن تونس تفتقر إلى البيانات.
المشكلة أن البيانات موجودة لكنها متفرقة ومجزأة ومحاصرة داخل أنظمة ومؤسسات لا تعمل دائما كمنظومة واحدة.
والمفارقة أن وزارة الصحة نفسها لديها مشاريع في الصحة الرقمية والملف الطبي المعلوماتي ورقمنة الدواء والتصوير الطبي والأرشيف والخدمات عن بعد.
إذن لسنا أمام أرض خلاء ولسنا أمام دولة يجب أن تبدأ من الصفر فلدينا مشاريع وأنظمة وبيانات وخبرات لكن ما ينقص هو العقل الذي يجمعها في منظومة واحدة والبرنامج الذي يحولها من مشاريع متفرقة إلى سياسة دولة قابلة للقياس والمحاسبة.
ولهذا فإن المشروع الذي أقترحه لا ينبغي أن يسمى فقط البطاقة الصحية الإلكترونية.
الاسم الأدق هو المشروع الوطني للهوية الصحية والملف الصحي الرقمي والسيادة المعلوماتية الصحية.
البطاقة ليست قلب المشروع.
القلب هو قاعدة البيانات الصحية الوطنية الآمنة والبطاقة أو الهوية الرقمية هي مفتاح الدخول إليها وهذا فرق جوهري.
يمكن أن يحمل المواطن بطاقة أو يستخدم هوية رقمية على الهاتف أو يستعمل وسيلة تعريف أخرى مستقبلا.
المهم ليس البلاستيك،المهم أن يكون لكل مواطن هوية صحية رقمية فريدة مرتبطة بهويته المدنية والاجتماعية وتسمح للنظام الصحي بالتعرف عليه أينما دخل
مستشفى عمومي أو مركز صحة أساسية أو طبيب خاص أو مصحة أو صيدلية أو مخبر أو مركز تصوير أو مؤسسة صحية أخرى.
لكن هذا التعريف لا يعني أن الجميع يستطيع رؤية كل شيء و هنا يجب أن تكون تونس صارمة.
الطبيب يرى ما يحتاجه للعلاج و الصيدلي يرى ما يحتاجه لصرف الدواء و الصندوق الاجتماعي يرى ما يحتاجه للتعويض و المستشفى يرى ما يتعلق بمسار المريض و وزارة الصحة ترى البيانات المجمعة التي تحتاجها للتخطيط. والمواطن نفسه يملك حق الاطلاع على بياناته ومعرفة من دخل إليها ومتى ولماذا.
هذه ليست رفاهية تقنية إنما مسألة سيادة وحقوق في الوقت نفسه.
وتونس لديها إطار قانوني لحماية المعطيات الشخصية والمعطيات الصحية لكن منظومة بهذا الحجم تتطلب تحديثا تشريعيا وتنظيميا يواكب حجم البيانات ومخاطر الأمن السيبراني وحقوق المواطن.
ثم نصل إلى الجزء الذي أراه أكثر أهمية و هو الملف الصحي الرقمي الموحد.
كل مواطن يجب أن يمتلك ملفا صحيا رقميا تراكميا لا يعني أن كل تفاصيل حياته الطبية تكون مكشوفة للجميع بل أن المعلومات الضرورية للعلاج تكون قابلة للاسترجاع الآمن عندما يحتاج إليها.
التحاليل المهمة و الأشعة و الحساسية الدوائية و الأمراض المزمنة و العمليات الجراحية و اللقاحات و الأدوية الموصوفة و الاستشفاءات والتقارير الطبية يمكن أن تدخل تدريجيا في هذا المسار.
تخيلوا مريضا يصل إلى قسم الاستعجالي فاقدا القدرة على الكلام.
اليوم قد يبدأ الفريق من السؤال من هو؟ ما تاريخه المرضي؟ ما الأدوية التي يستعملها؟ هل لديه حساسية؟ أين عولج سابقا؟
أما في منظومة صحيحة وبعد التثبت من هويته وصلاحيات النفاذ يستطيع الطبيب الوصول إلى المعلومات الضرورية في ثوان و هنا لا تكون الرقمنة مجرد تسهيل إداري بل قد تصبح مسألة إنقاذ حياة.
ثم نصل إلى الدواء وهنا يمكن أن تصبح الثورة الرقمية أكثر قسوة على الفوضى.
لا يكفي أن تعرف تونس كم علبة دواء اشترت بل يجب أن تعرف مسارها من المصنع أو المورد إلى الصيدلية المركزية ومن الصيدلية المركزية إلى المؤسسة الصحية أو الصيدلية ومن الصيدلية إلى المريض.
كل مرحلة يجب أن تترك أثرا رقميا قابلا للتتبع.
ثم تأتي الوصفة الإلكترونية.
الطبيب يصف الدواء رقميا و الصيدلي يصرفه و النظام يسجل العملية و الكمية تنقص من المخزون المناس والمريض يعرف ما صرف له.
عندها تستطيع الدولة أن تعرف أين يستهلك الدواء وأي مادة ترتفع فجأة وأين تظهر مناطق النقص وأين يوجد فائض وما كلفة الأمراض المزمنة وأين تظهر أنماط غير طبيعية تستحق التدقيق.
لكن يجب أن نذهب أبعد.
لا نريد فقط رقمنة الدواء بل نريد إنشاء مرآة وطنية للدواء.
الدولة يجب أن تعرف يوميا لا بعد أشهر ما لديها وما ينقصها وما يقترب من النفاد.
إذا انخفض دواء حيوي تحت مستوى معين يصل التنبيه تلقائيا وإذا ارتفع الاستهلاك بصورة غير معتادة في جهة معينة يظهر التنبيه وإذا انخفض مخزون مادة حيوية في أكثر من ولاية في الوقت نفسه ينتقل الأمر من مشكلة مخزون إلى إنذار وطني.
و هكذا تصبح الدولة مستبقة للأزمة بدل أن تصل إليها بعد أن تصبح الأزمة خبرا.
ثم يأتي القطاع الخاص وهنا يجب كسر الجدار القديم بين صحة عمومية و صحة خاصة عندما يتعلق الأمر بالمعلومة الصحية الوطنية.
الطبيب الخاص والمخبر والمصحة والصيدلية ليسوا جزرا منفصلة عن الدولة عندما يتعلق الأمر بالصحة العامة والتعويضات والأدوية والبيانات الإحصائية.
لا يعني ذلك مصادرة القطاع الخاص أو التدخل في استقلال الطبيب بل يعني أن يكون هناك معيار وطني للتبادل الآمن للمعلومات.
وصفة هنا يمكن أن تكون مرئية للصيدلي هناك و تحليل أجري في مخبر يمكن أن يصل بإذن وصلاحيات واضحة إلى الطبيب المعالج و عملية جراحية في مصحة خاصة يمكن أن تصبح جزءا من الملف الصحي للمريض.
المواطن واحد فلماذا يكون ملفه عشرة ملفات؟
ثم نصل إلى CNAM و هنا يمكن أن تتحول الرقمنة من خدمة صحية إلى إصلاح مالي عميق.
لا يكفي أن تدفع CNAM الفاتورة بل يجب أن تستطيع فهم الفاتورة.
من عالج من؟ متى؟ لماذا؟ ما الخدمة؟ ما تكلفتها؟ هل تكررت؟ هل هناك مسار علاجي منطقي؟ هل توجد أنماط غير عادية في المطالبات؟
الذكاء هنا ليس أن تتهم أحدا بل أن تبني نظاما يكتشف الحالات التي تستحق التدقيق فبدلا من أن تبحث الدولة عن المخالفة عشوائيا تبحث الخوارزميات عن الأنماط غير الطبيعية ثم يتدخل الإنسان للتحقق.
الآلة لا تتهم بل تنبه والإنسان يتحقق والقانون يحكم.
لكن إذا كنا جادين في الحديث عن إصلاح استراتيجي فلا يجوز أن نتوقف هنا فالمشروع لا ينبغي أن يكون مجرد مجموعة أجهزة وبرمجيات ومناقصات بل يجب أن يتحول إلى مشروع سياسة عمومية له خط أساس وأهداف ومؤشرات وكلفة ومخاطر ومسؤوليات وآجال معلنة.
وهنا تحديدا يجب أن تتصرف تونس بمنهجية مكتب دراسات استراتيجية لا بمنهجية مشروع إداري عادي.
قبل أن نقول إننا سنرقمن 30% أو 60% أو 90% من المؤسسات يجب أولا أن نعرف أين نحن.
نحتاج إلى تشخيص وطني للصحة الرقمية في تونس يحدد عدد الأنظمة المعلوماتية الموجودة ونسبة المؤسسات المرتبطة ومدى تبادل البيانات بينها وحجم المعاملات الورقية ونسبة الوصفات الرقمية وأوضاع البنية التحتية ومستوى الأمن السيبراني والفوارق بين الجهات والكلفة الفعلية للأنظمة القائمة فلا يمكن قياس التقدم إذا لم نعرف نقطة الانطلاق.
ثم نحتاج إلى بناء خريطة وطنية للمنظومة الصحية والمعلومة الصحية لا كصورة جميلة للاستهلاك بل كخريطة استراتيجية توضح كيف تنتقل المعلومة بين وزارة الصحة والمستشفيات ومراكز الصحة الأساسية والصيدلية المركزية والصيدليات والمصحات والأطباء والمخابر ومراكز التصوير وCNAM والمنظومة الاجتماعية والجامعات ومؤسسات البحث. عندها ستظهر نقاط الانقطاع والازدواجية والفراغات ومواطن الاختناق.
بعد ذلك يأتي التصميم المعماري الوطني
هوية صحية موحدة و سجل وطني للمؤسسات الصحية و سجل للمهنيين و معايير موحدة للبيانات و قواعد لصلاحيات النفاذ و منصة آمنة للتبادل ونظام يضمن أن تتحدث الأنظمة المختلفة مع بعضها البعض بدل أن نبني جزرا رقمية جديدة فوق الجزر القديمة.
ثم يأتي السؤال الذي تهرب منه أغلب المشاريع
كم سيكلف ذلك؟
لا يمكن أن نقول للمواطن الرقمنة ستوفر المال ثم لا نقدم له حسابا بل يجب أن تكون هناك دراسة مالية تحدد تكلفة الهوية الصحية والملف الرقمي وربط المؤسسات ومراكز البيانات والأمن السيبراني والصيانة والتكوين والدعم الفني ثم تقارن هذه الكلفة بما يمكن أن ينتج عن تقليص الورق وتحسين إدارة المخزون وتقليص الأخطاء والتكرار وتحسين التدقيق في المطالبات وتقليص الزمن الإداري.
الاستراتيجية التي لا تحسب كلفتها ليست استراتيجية إنما أمنية مكتوبة بلغة رسمية.
ولا ينبغي كذلك أن نضع حلا واحدا على الطاولة ثم نطلب من الدولة تنفيذه.
المكتب الاستراتيجي الحقيقي يبني البدائل ويقارنها.
يمكن لتونس أن تختار بين استمرار الأنظمة الحالية مع تحسينات محدودة أو تكامل تدريجي للأنظمة الموجودة أو بناء معمارية وطنية متكاملة للهوية والملف والدواء وCNAM.
ولكل سيناريو كلفته ومدته ومخاطره ومتطلباته وآثاره. القرار يصبح عندها قرارا مؤسسيا مبنيا على الأدلة والبدائل لا على الحماس التقني.
ثم يجب أن نضع سجل مخاطر وطني للمشروع منذ اليوم الأول.
ماذا يحدث إذا وقع اختراق للبيانات؟ ماذا يحدث إذا فشل الربط بين الأنظمة؟ ماذا يحدث إذا رفض بعض المهنيين الانتقال؟ ماذا يحدث إذا ارتفعت الكلفة؟ ماذا يحدث إذا أصبح النظام رهينا بمورد تقني واحد؟ ماذا يحدث إذا تحول المواطن غير المتصل بالإنترنت إلى مواطن من الدرجة الثانية؟
كل خطر يجب أن تكون له احتمالية وتأثير ومسؤول وخطة معالجة لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث هو أن تنجح تونس في شراء التكنولوجيا وتفشل في إدارة المشروع.
ولهذا فإن الحوكمة ليست تفصيلا إداريا.
يجب أن يكون واضحا من يقود المشروع ومن يراقبه ومن يضع المعايير ومن يملك البيانات ومن يراقب الموردين ومن يتدخل عند الخلل ومن يقدم تقريرا سنويا عن الإنجاز.
وعندما نصل إلى سنة 2027 لا نريد بلاغا يقول إن المشروع انطلق لا نريد خطا أساسيا ومؤشرات منشورة.
وفي 2028 لا نريد أن نسمع أن الأشغال متقدمة بل نريد أن نعرف كم مؤسسة ارتبطت فعليا وكم وصفة أصبحت إلكترونية وكم نسبة من المواطنين أصبحت لهم هوية صحية وكم دواء أصبح قابلا للتتبع.
وفي 2029 لا نريد صورا للافتتاح بل نريد أن نعرف كم انخفض وقت الانتظار وكم تقلص الورق وكم تحسنت إدارة المخزون وكم تقلص زمن معالجة المطالبات.
وفي 2030 يجب أن يكون المواطن قادرا على النظر إلى لوحة النتائج الوطنية وسؤال الدولة وعدتني بنسبة معينة فكم أنجزت منها؟
ولهذا أقترح أن يمتد البرنامج الوطني للسيادة الصحية الرقمية 2027–2030 على أربع سنوات لكن بمنطق النتائج لا بمنطق السنوات.
تبدأ السنة الأولى ببناء المعمارية الوطنية وخط الأساس وربط المؤسسات الأكثر جاهزية على أن يكون الهدف الأولي ربط نحو 30% من المؤسسات المستهدفة وإطلاق الهوية الصحية الرقمية في نطاق تجريبي مضبوط.
ثم تنتقل السنة الثانية إلى التوسع مع هدف يقارب 70% من المواطنين ضمن الهوية الصحية الرقمية و60% من المؤسسات العمومية المستهدفة ضمن الملف الصحي الرقمي ووصول الوصفة الإلكترونية إلى 60% من الوصفات في المؤسسات المشمولة وتوسيع رقمنة مسار الدواء.
وفي السنة الثالثة يجب أن يصبح النظام وطنيا في جوهره مع استهداف نحو 90% من المواطنين و85% من المؤسسات العمومية المستهدفة و90% من الوصفات القابلة للرقمنة في المؤسسات المشمولة ولوحة قيادة وطنية قادرة على إنتاج مؤشرات تشغيلية منتظمة.
أما السنة الرابعة فيجب أن تتجه إلى التغطية الوطنية شبه الكاملة للمؤسسات المستهدفة واستكمال التكامل بين الملف الصحي والدواء والمنظومات الاجتماعية المعنية وتوسيع التحليلات التنبؤية والذكاء الاصطناعي والطب عن بعد ضمن الضوابط القانونية والطبية.
لكن حتى هذه الأرقام لا تكفي لأن الدولة تستطيع أن تقول لك رقمنا 100% من المؤسسات بينما المواطن ما زال يقف ثلاث ساعات في الطابور.
لذلك يجب أن تكون هناك مؤشرات نتيجة لا مؤشرات رقمنة فقط.
نريد خفض متوسط آجال الانتظار في الخدمات المستهدفة بنسبة لا تقل عن 30% خلال فترة البرنامج وتقليص المعاملات الورقية بنسبة 50% في المرحلة الأولى والوصول إلى المعلومة الطبية الضرورية للمريض في أقل من دقيقة في المؤسسات المرتبطة عندما تكون البيانات موجودة ومسموحا بالوصول إليها وتسجيل 100% من عمليات الدخول إلى الملفات الصحية الحساسة مع تمكين المواطن من معرفة من اطلع على بياناته وتقليص آجال معالجة المطالبات الرقمية وقياس الفوارق بين الولايات في الوصول إلى الطبيب والاستعجالي والأدوية والأسرة والمواعيد والفحوصات.
نحن لا نريد أن نعرف كم شاشة اشترينا بل نريد أن نعرف كم دقيقة وفرنا للمريض وكم دينارا وفرناه على الدولة وكم أزمة اكتشفناها قبل وقوعها.
ومن هنا يجب إنشاء مؤشر وطني للسيادة الصحية الرقمية ينشر سنويا يقيس مستوى الرقمنة وجودة الخدمة والأمن السيبراني وكفاءة الإنفاق والعدالة الجهوية ويضع المواطن أمام صورة قابلة للفهم والمقارنة.
وهذا هو معنى الحوكمة الرشيدة ، ألا يكتفي بتشخيص المشكلة بل يحول التشخيص إلى بدائل والبدائل إلى برنامج والبرنامج إلى مؤشرات والمؤشرات إلى مساءلة.
نحن لا نريد أن نكتب للدولة ماذا تفعل فقط بل نريد أن نضع أمامها ماذا يمكن أن تفعل كم سيكلفها و ما مخاطره و ما الذي ستربحه منه وكيف يمكن أن نعرف بعد سنة أو ثلاث أو خمس سنوات إن كان قد نجح أم فشل.
لا يكفي أن أقول لنقتد بالنمسا أو لنأخذ تجربة إستونيا أو لنطبق نموذج سنغافور إنما يجب أن ندرس التجارب الدولية بمنهج ماذا فعلت؟ كم استغرق؟ ما البنية القانونية التي سبقت المشروع؟ ما الذي نجح؟ ما الذي فشل؟
وما الذي يمكن نقله إلى تونس وما الذي لا يمكن نقله بسبب اختلاف الدولة والمجتمع والقانون والموارد؟
تونس لا تحتاج إلى نسخ تجربة أجنبية بل تحتاج إلى صناعة نموذج تونسي يستفيد من التجارب الأجنبية دون أن يصبح نسخة منها.
وهنا يظهر البعد الذي كثيرا ما يغيب عن مشاريع الرقمنة الصناعة الوطنية.
لا نريد أن تتحول تونس من تبعية للورق إلى تبعية لمنصة أجنبية.
يمكن شراء التكنولوجيا من الخارج والاستفادة من الخبرة الدولية لكن يجب أن تكون الدولة قادرة على تغيير المورد ونقل النظام وحماية بياناتها ومنع الاحتكار التقني وضمان المعايير المفتوحة وقابلية التشغيل البيني.
والأهم من ذلك أن تصبح الصحة الرقمية نفسها مجالا للصناعة التونسية :شركات برمجيات و مؤسسات ناشئة و حلول HealthTech و أمن سيبراني و تحليل بيانات و ذكاء اصطناعي و أجهزة مرتبطة و وخدمات يمكن أن تجد لها تونس مكانا في الأسواق الإفريقية.
هنا تتحول الرقمنة من فاتورة استيراد إلى سياسة صناعية ومعرفية.
ثم تأتي المرحلة الأكثر تقدما و هي التنبؤ.
إذا لاحظ النظام ارتفاعا موسميا في مرض معين تبدأ الاستعدادات قبل الذروة و إذا ارتفع استهلاك دواء تتم مراجعة المخزون قبل النفاد و إذا ظهرت مؤشرات وبائية في أكثر من جهة يبدأ نظام الإنذار.
وهنا يصبح الملف الصحي الرقمي جزءا من الأمن الصحي الوطني.
ثم يأتي الذكاء الاصطناعي ولكن بشروط صارمة.
لا نريد آلة تقرر وحدها من يستحق العلاج ولا نريد نظاما يشخص المريض دون رقابة طبية.
نريد أدوات تساعد الطبيب في قراءة الصور وتحليل البيانات وترتيب الحالات والكشف عن الأنماط والتنبؤ بالطلب وتحسين إدارة الموارد.
الآلة تقترح و الطبيب يقرر والقانون يحمي المواطن أما الأمن السيبراني فهو ليس فصلا تقنيا هامشيا.
إنشاء قاعدة وطنية صحية من دون بناء حصن رقمي حولها سيكون خطأ استراتيجيا.
التشفير والمصادقة متعددة العوامل وإدارة المفاتيح وسجلات التدقيق وتقسيم الشبكات والنسخ الاحتياطية ومراكز البيانات المؤمنة وخطط استمرارية العمل واختبارات الاختراق وآلية وطنية للاستجابة للحوادث يجب أن تكون جزءا من التصميم منذ اليوم الأول.
ولا ينبغي أن يكون السؤال فقط أين نخزن البيانات؟ بل
من يستطيع الوصول إليها؟ لماذا؟ لمدة كم؟ ومن راقب ذلك؟
ويجب أن يعرف المواطن نفسه من دخل إلى ملفه.
إذا دخل طبيب إلى ملفه يظهر ذلك.
إذا دخل موظف إداري يظهر ذلك.
إذا وقع استعمال غير مشروع يجب أن يكون قابلا للتتبع.
الثقة لا تبنى بالوعود؛ بل تبنى بسجل لا يكذب.
ثم هناك قضية السيادة الرقمية فلا يجوز أن تتحول تونس من تبعية ورقية إلى تبعية تقنية.
يمكن أن نتعاون مع الشركات الدولية ونشتري التكنولوجيا ونستفيد من الخبرات لكن يجب أن تملك الدولة معمارية النظام وبياناتها وأن تضمن قابلية نقل النظام وتغيير المورد وعدم الوقوع في احتكار تقني طويل الأمد.
والأهم لا نبني عشرين نظاما لا يتكلم أحدها مع الآخر.
لا نريد رقمنة الفوضى بل نريد إعادة هندسة الفوضى ثم رقمنتها.
قبل أن نحول الورقة إلى شاشة علينا أن نسأل لماذا توجد هذه الورقة أصلا؟
لماذا يطلب هذا التوقيع؟ لماذا يعاد إدخال نفس المعلومة خمس مرات؟ لماذا يحمل المواطن وثيقة من إدارة إلى إدارة بينما تستطيع الأنظمة تبادلها؟
إذا كانت العملية الإدارية سيئة فإن رقمنتها ستجعلها سيئة بسرعة أكبر.
ولهذا فإن كل إجراء يجب أن يمر بثلاثة أسئلة هل هو ضروري؟ هل يمكن حذفه؟ وهل يمكن أن تنتقل المعلومة آليا بدلا من أن يحملها المواطن؟
ومن هنا يصبح الإصلاح أكثر عمقا لا نرقمن الإجراءات كما هي بل نعيد تصميمها أولا ثم نرقمنها.
ولا ينبغي أن يكون المواطن ضحية الانتقال.
من لا يملك هاتفا ذكيا يجب ألا يفقد حقه في العلاج.
من يعيش في منطقة داخلية يجب ألا يصبح مواطنا من الدرجة الثانية رقميا.
ومن لا يجيد التكنولوجيا يجب أن يجد نقطة مساعدة بشرية.
الرقمنة التي تستبعد الضعيف ليست إصلاحا إنما بيروقراطية جديدة بواجهة إلكترونية.
وهناك بعد آخر و هو البحث العلمي.
إذا امتلكت تونس وفق القانون والضوابط بيانات صحية موثوقة ومجهولة الهوية لأغراض البحث يمكن لجامعاتها ومخابرها أن تنتقل من استهلاك المعرفة الطبية إلى إنتاجها.
يمكن دراسة الأمراض المزمنة وأنماط استهلاك الأدوية والتفاوتات الجهوية والأمراض الموسمية وفعالية السياسات الصحية وتطوير أبحاث طبية محلية.
هنا تتحول البيانات من عبء إداري إلى أصل وطني لكن يجب ألا نخلط بين البيانات الصحية الوطنية و ملكية الدولة لحياة المواطن الخاصة.
المعلومة الصحية تخص المواطن أولا، والدولة مؤتمنة على إدارتها لمصلحة الصحة العامة وفق القانون وليست مالكة مطلقة لحياة الناس الطبية.
ولهذا يجب أن يكون هناك إطار قانوني واضح لحقوق المريض والوصول إلى البيانات والتصحيح والمشاركة في البحث ونقل البيانات ومدة الاحتفاظ بها والمسؤولية عند التسريب.
لا أريد من الدولة أن تنظر إلى هذا المشروع كصفقة لشراء بطاقات أو أجهزة أو برامج.
أريدها أن تنظر إليه كإعادة بناء لعقل القطاع الصحي.
البطاقة ليست المشروع و الملف ليس المشروع و التطبيق ليس المشروع وحتى الرقمنة ليست المشروع.
المشروع هو أن تصبح الدولة قادرة على رؤية منظومتها الصحية وفهمها وقياسها والتنبؤ بأزماتها ومحاسبة إنفاقها وحماية بيانات مواطنيها وأن يكون لديها في الوقت نفسه مركز معرفة قادر على تشخيص الخلل وبناء البدائل وحساب الكلفة وقياس النتائج وتصحيح المسار.
عندها فقط يصبح الإصلاح إصلاحا لأن بناء مستشفى جديد مهم وشراء جهاز سكانار مهم وزيادة عدد الأسرة مهم وتوفير الدواء مهم لكن كل هذه الأشياء تصبح أكثر فعالية عندما تمتلك الدولة العقل الذي يعرف أين تضعها ولماذا تضعها ومن يحتاج إليها وكم تكلف وماذا أنتجت.
الدولة التي لا تملك هذه الإجابات لا ينقصها فقط المال بل ينقصها نظام معرفة.
والدولة التي لا تقيس إصلاحها لا تعرف إن كانت أصلحت شيئا والدولة التي لا تملك البدائل لا تملك التخطيط والدولة التي لا تربط المعلومة بالقرار تظل دائما تصل متأخرة.
ولهذا أكررها أن تونس لا تحتاج إلى بطاقة إلكترونية جديدة فوق منظومة قديمة.
تونس تحتاج إلى عقل صحي وطني جديد.
عقل يرى المريض دون أن ينتهك خصوصيته.
يرى الدواء قبل أن ينفد و يرى المال قبل أن يضيع و يرى الخلل قبل أن يصبح فضيحة و ويرى المرض قبل أن يتحول إلى أزمة وطنية ويعرف قبل أن يقرر ويقيس قبل أن يحتفل ويصحح قبل أن يفشل.ويحاسب بعد أن ينفذ.
ذلك هو معنى السيادة الرقمية في الصحة.
أن تعرف الدولة منظومتها قبل أن تطلب من المواطن أن يثق بها ومن هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي لا من لون الجدران ولا من عدد اللافتات ولا من خطاب جديد من المعلومة.
تعليق على مقال