بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الشباب العربي والهجرة: فرارا من الدولة أم من الفكرة؟

2026-09-13 42 قراءة مقالات رأي محمد عزيز الغنودي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الشباب العربي والهجرة: فرارا من الدولة أم من الفكرة؟
حين تصبح التذكرة إلى الخارج أقل كلفةً من الإقامة في وطن لا يعترف بك
في كل مرة تتصاعد فيها أرقام الهجرة، يسارع المحللون إلى استدعاء التفسير الاقتصادي الجاهز: البطالة، وضيق ذات اليد، والبحث عن فرصة أفضل. وهذا التفسير ليس كاذبا، لكنه لا يمثل السبب الوحيد. فثمة شيء آخر يجري في عمق هذه الظاهرة، شيء لا تستطيع الأرقام وحدها أن تقوله.

حين يترك شاب في العشرين من عمره بلدا درس فيه وتعلم وربما احتج فيه ذات يوم، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه لا يتجسد في سؤال: لماذا الهجرة ؟ بل يتجسد في : ماهي أسباب إتخاذه قرار الهجرة ؟ هل هو الراتب فقط ؟ أم أنه شيء أعمق، كأن يسمع ، أن يكون شريكا في وطنه ؟ يحسب له حساب، أن يرى في الأفق إمكانية ولو بعيدة لأن يكون مواطنا لا رعية ؟

الهجرة في جوهرها ليست هرباً من الفقر، بل هي أحياناً هرب من اليقين المحبط: يقين أن لا شيء سيتغير

ما يميز موجة الهجرة الشبابية العربية في المغرب العربي اليوم عن موجات سابقة هو أنها لم تعد حكرا على من لا يملك شيئا يقتات منه أو يوقر له العيش الكريم. فالمهاجر الجديد غالبا ما يحمل شهادة جامعية، ويتكلم لغتين أو ثلاثا، وربما سبق له أن كتب منشوراً سياسيا أو شارك في احتجاج. ليس جاهلا بالسياسة، هو في الغالب ضحية معرفته بها. يعرف كيف تعمل المحسوبية، ويعرف أن حامل الشهادة يحتاج إلى وساطة ، ويعرف أن الصوت لا يساوي شيئاً في انتخابات نتائجها معروفة سلفا .

هذا ما يجعل الهجرة فعلا سياسياً بامتياز، حتى حين لا يصفها أصحابها بهذا الوصف. فالشاب الذي يصدح بقول «أريد مستقبلاً أفضل" هو في حقيقة الأمر يقول : "أريد دولة تختلف عن هذه الدولة". أحيانا لا يفسر الغياب عن الوطن فقط في فكرة " لامبالاة " ، إنما في حقيقة الأمر بشكل أبلغ أشكال التعبير السياسي في غياب أشكال أخرى.

غير أن الأمر لا يخلو من مفارقة مؤلمة. فهذه الدول التي تنزف شبابها لم تفشل في توفير الاقتصاد فحسب، بل فشلت في إنتاج معنى . المعنى الذي يجعل الإنسان يتحمّل الصعوبة لأنه يشعر أنه ينتمي ، وأن تضحيته لها قيمة، وأن غده في هذه الأرض ممكن. فبغياب المعنى، لا تجدي الأرقام الاقتصادية الوردية، ولا تنفع خطابات الوطنية في حفلات الأعياد الرسمية.

الدولة التي لا تنتج معنىً لمواطنيها لن تجد من يبقى فيها حين يتاح له الرحيل

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية لهذه الظاهرة. ليست في أن البلد يخسر يدا عاملة أو عقلا مدربا، في ما تقوله هذه الهجرة عن طبيعة العقد الاجتماعي القائم. حين يختار أذكى الشباب العربي المغادرة، فهو لا يصوت ضد وطنه بالضرورة، إنما يصوت ضد نظام يجعل الكفاءة عبئا والاستقامة ترفا.

أما القراءة التي ترى في الهجرة مجرد استجابة اقتصادية عقلانية، فهي وإن لم تكن مخطئة كليا، إلا أنها تخدم السلطات التي تفضل تحويل المسألة إلى مشكلة تنموية تحل بالقروض والمشاريع الصغيرة، بدلا من مواجهة سؤالها السياسي الحقيقي: لماذا يهاجر الشباب ؟

في نهاية المطاف، الهجرة ليست مشكلة ديموغرافية تحلها سياسات التوظيف، ولا أزمة اقتصادية تعالجها برامج التنمية. هي في جوهرها سؤال سياسي عميق: هل هذه الدولة تستحق أن نقيم فيها؟ وما دامت الإجابة تصدر بالأقدام نحو البحار أو المطارات ، فإن على الأنظمة أن تسمع ما لا يقال بصوت عال: أن ثمة عقدا اجتماعيا يحتضر ، و أحلام جيل من الشباب قد إنهارت و تبخرت .
خلاصة القول : لا يهرب الشباب من الدولة . بل أيضا من فكرة الدولة ذاتها حين تصبح سجنا بلا قضبان.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال