بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الجزائر و الإمارات : حين تصبح السيادة ورقة في سوق النفوذ .

2026-09-12 81 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الجزائر و الإمارات : حين تصبح السيادة ورقة في سوق النفوذ .
ليست القطيعة الجزائرية الاماراتية مجرد خصومة بين سفيرين ولا مشادة بين وزارتين للخارجية ولا ذلك النوع من العواصف الدبلوماسية التي تنتهي عادة بصورة جماعية وابتسامة باردة.
نحن امام شيء اكبر، امام شمال افريقيا وقد عاد الى موقعه القديم موقع الارض التي يتصارع فوقها الاخرون والموانئ التي تتحول الى خرائط نفوذ والحدود التي تصبح خطوطا حمراء في بيانات الصباح وممرات مفتوحة في حسابات الليل.

الجزائر قالت كلمتها والامارات تعرف كيف تقرأ الكلمات حين تصدر عن دولة تملك الجغرافيا والطاقة والحدود والذاكرة التاريخية.
لكن السؤال الذي لا يريد احد ان يطرحه بصوت مرتفع هو هل نحن امام دفاع عن السيادة ام امام صراع على من يملك حق توزيع النفوذ في المنطقة؟
وهل اصبحت السيادة مثل العقار قابلة للتقييم والمقايضة بحيث ترفع كل عاصمة شعار الاستقلال بيد وتفاوض على مواقعها باليد الاخرى؟

هنا تبدأ الحكاية وهنا ايضا ينبغي ان نتوقف عن الكذب على انفسنا.

الجزائر ليست دولة عادية في الحسابات الاقليمية.
انها بلد شاسع بحدود صحراوية هائلة وبذاكرة تحررية جعلت من عدم التدخل والسيادة عقيدة سياسية.
لكنها ليست خارج التاريخ ولا خارج لعبة المصالح فهي تمارس نفوذها في الساحل وليبيا والصحراء الغربية وتستخدم الطاقة والحدود والدبلوماسية والروابط التاريخية وهذا ليس عيبا في حد ذاته.
العيب ان تتظاهر الدول بانها لا تمارس النفوذ ثم تغضب حين يمارسه غيرها.

اما الامارات فقد اختارت طريقا مختلفا
لا تحتاج الى مساحة الجزائر ولا الى كثافة سكانية كبيرة كي تتحرك في الاقليم. يكفيها المال والموانئ والطيران والاستثمارات والصناديق السيادية والتكنولوجيا والشراكات الامنية.
انها قوة تتحرك من خارج حدودها وتدخل الى الدول من بوابة الاقتصاد ثم تجد نفسها في قلب السياسة.

وهنا يصبح الخلاف بين الجزائر والامارات صراعا بين جغرافيتين،جغرافية الارض والحدود والعمق الاستراتيجي وجغرافية المال والممرات والموانئ وشبكات النفوذ.
الاولى تقول لا احد يدخل الى حديقتي دون اذن والثانية تقول لست بحاجة الى دخول الحديقة ما دمت املك مفاتيح البوابة.

لكن لا ينبغي ان نرتكب الخطيئة نفسها التي ترتكبها الدعاية. لا يجوز ان نحول كل تسريب الى وثيقة وكل احتمال الى مؤامرة وكل تعاون تقني الى عملية تجسس مثبتة فالكاتب الذي يخلط بين ما يعرفه وما يتخيله لا يصبح اكثر راديكالية بل اقل صدقية والاتهام الذي لا يسنده دليل ليس شجاعة بل كسلا فكريا يرتدي قناع الغضب.

في قلب هذا التوتر تقف الصحراء الغربية ذلك الملف الذي لم يعد مجرد نزاع على الارض بل صار اختبارا لكل علاقة مغاربية وكل تحالف اقليمي.
الجزائر تدعم جبهة البوليساريو وتتمسك بمبدأ تقرير المصير بينما عززت الامارات علاقاتها بالمغرب واتخذت موقفا داعما للمغربية في هذا الملف.
وفي ديسمبر 2020 افتتحت الامارات قنصلية عامة في مدينة العيون في خطوة ذات دلالة سياسية واضحة.

لكن من السذاجة ان نختزل قطيعة بهذا الحجم في قنصلية او تصريح.
الازمات الكبيرة لا تولد من حادثة واحدة بل من تراكم طويل من الشكوك وسوء الحسابات وتضارب المصالح وما يقال عن ملفات اخرى من الطيران الى الاقتصاد الى الامن يحتاج الى ادلة مستقلة قبل ان يتحول الى حقيقة صحفية.

المشكلة ان المغرب العربي لم يعد يحتمل ان يكون كل خلاف فيه مدخلا الى اصطفاف جديد.
كل عاصمة تبحث عن حليف وكل حليف يبحث عن موطئ قدم وكل موطئ قدم يتحول بعد قليل الى نفوذ ثم الى شرط ثم الى حق مكتسب.
وهكذا تصبح المنطقة مثل بيت قديم كلما حاول اهله اصلاح غرفة اكتشفوا ان مفاتيح بقية الغرف في جيوب غرباء.

في الساحل لا تنفع البلاغة وحدها فهناك حدود وجماعات مسلحة وتهريب و هجرة وانقلابات ودول تتآكل من الداخل وقوى خارجية تتنافس على الموارد والممرات والنفوذ. والجزائر بحكم موقعها لا تستطيع ان تنظر الى جنوبها كما ينظر موظف في مكتب مكيف الى خريطة معلقة على الحائط. جنوبها ليس خلفية جغرافية بل جزء من امنها القومي.

لكن الامن لا يدار بالحنين الى الماضي.
اتفاق الجزائر للسلام في مالي سنة 2015 كان اطارا مهما غير ان انهيار التفاهمات وتصاعد التوتر مع باماكو اظهرا ان البيئة الاقليمية تغيرت.
النفوذ القديم لم يعد يعمل بالادوات نفسها والساحل لم يعد ينتظر عاصمة واحدة كي تحدد له اتجاه الريح.

اما الحديث عن حزام امني معاد للجزائر فيجب ان يبقى فرضية ما لم تسنده ادلة فالساحل ليس مسرحا تتحرك فيه الامارات وحدها.
هناك روسيا وتركيا وفرنسا والولايات المتحدة وهناك حكومات محلية ومجالس عسكرية ومصالح اقتصادية وشبكات تهريب وهناك ايضا اخطاء دول المنطقة نفسها.

وهذه هي الحقيقة التي لا يحب احد سماعها
الخارج لا يدخل دائما بقوة عضلاته فكثيرا ما يدخل من الابواب التي تركها الداخل مفتوحة.

الميناء ليس مجرد رافعات وحاويات وصور افتتاح.
الميناء هو بوابة الاقتصاد ومفتاح سلاسل الامداد وموقع تفاوض مع شركات الشحن واداة نفوذ تتجاوز حدود الدولة. ولذلك فان الحديث عن موانئ الجزائر وجن جن ليس تفصيلا تقنيا بل حديث عن مستقبل موقع الجزائر في التجارة الاقليمية.
لكن اذا كان هناك من يدعي ان امتيازات معينة استعملت لمنع تطوير الموانئ الوطنية فليقدم العقد ولتنشر الارقام ولتفتح الملفات.
كم حاوية؟ كم ساعة انتظار؟ كم كلفة مناولة؟ كم خطا بحريا؟ كم كيلومترا من السكك والطرق؟ عندها فقط نعرف هل نحن امام استثمار حقيقي ام امام صفقة تبيع للدولة صورة عن المستقبل وتتركها تدفع فاتورة الماضي.

الميناء لا يقاس بعدد الخوذ البيضاء في حفل الافتتاح بل بما يدخل ويخرج وبما يربطه بالعالم وبما يضيفه الى اقتصاد الدولة.
اما مشروع ميناء الداخلة الاطلسي فلا ينبغي ان يتحول الى اسطورة اعلامية تلغي كل المشاريع الجزائرية.
هو مشروع مغربي ذو اهداف اقتصادية وجيوسياسية وقد ينافس بعض الممرات الجزائرية على اسواق واستثمارات لكنه لا يلغي تلقائيا موانئ المتوسط.
التجارة الافريقية ليست سوقا مغلقة والممر الناجح ليس الذي يرفع صوته اكثر بل الذي ينقل البضاعة باسرع وقت واقل كلفة وامن اكثر.

اما تونس فليست جزيرة معلقة خارج الجغرافيا لكنها ايضا ليست ملزمة بان تكون وقودا في حريق الآخرين.
تحتاج الى الجزائر في الطاقة والامن والتجارة وتحتاج الى اوروبا في الاقتصاد وتحتاج الى تنويع علاقاتها مع الخليج وافريقيا واسيا.
هذه ليست خيانة للسيادة بل هي السياسة حين تتحول من الشعارات الى مصالح.
لكن المصيبة ان تتحول الاستثمارات الاجنبية الى طقوس احتفالية ،مؤتمر، صور، تصريحات، ارقام بالمليارات، ثم يعود المواطن الى طوابير البطالة والاسعار المرتفعة.
قيمة الاستثمار ليست في الرقم الذي يعلن بل في المصنع الذي ينجز والوظيفة التي تخلق والطريق الذي يبنى والانتاج الذي يبقى بعد انطفاء الكاميرات.
مشاريع مثل مرفأ تونس المالي وتونس المدينة الرياضية وغيرها من المشاريع المرتبطة بسما دبي يجب ان تقاس بما نفذ فعلا لا بما ورد في البيانات.
الفرق بين قيمة مشروع معلنة وقيمة استثمار منفذة هو الفرق بين الاقتصاد الحقيقي واقتصاد العلاقات العامة.

تونس لا ينبغي ان تقايض سيادتها بالسيولة لكنها لا ينبغي ايضا ان ترفض الاستثمار لمجرد مصدره السياسي.
المعيار هو القانون والشفافية والمردودية والمصلحة الوطنية. ومن يطلب من تونس ان تختار معسكرا فليعلم ان تونس ليست قطعة شطرنج في رقعة احد.
ليبيا ليست مجرد ملف اخر في صراع الجزائر والامارات.
انها مأساة دولة لم تستعد مؤسساتها بعد وتحولت الى مساحة تتقاطع فيها المصالح المحلية والاقليمية والدولية. الشرق والغرب و تعدد مراكز القرار و مشاريع الاعمار والنفط و الحدود و السلاح والتمويل ،كل ذلك يجعل ليبيا شديدة الحساسية تجاه اي تحول في موازين القوى.

لكن من السهل جدا ان نرتكب خطأ اختزال الانقسام الليبي في مشروع اماراتي واحد.
ليبيا لم تنقسم لان عاصمتين اختلفتا بل لان الدولة نفسها لم تستطع ان تستعيد احتكار القوة وان تبني مؤسسات موحدة وان تضع حدا لتعدد السلطات.

اما الارقام المتداولة حول ميزانية صندوق تنمية واعمار ليبيا فلا يجوز تقديمها بوصفها تمويلا اماراتيا خالصا من دون وثائق تحدد مصدر الاموال وطبيعة الميزانية والجهة التي اقرتها.
ميزانية مؤسسة ليبية ليست بالضرورة محفظة استثمار اماراتية ومن يخلط بينهما لا يقرأ الاقتصاد بل يكتب رواية سياسية على دفتر شيكات.
من يربح؟ ومن يدفع الثمن؟
قد تحاول الامارات تعزيز شراكاتها مع المغرب او توسيع حضورها في افريقيا وقد تحاول الجزائر تثبيت حدودها السياسية والامنية والاقتصادية وقد يستفيد المغرب من بعض التحولات وقد تجد الشركات نفسها امام مراجعات للعقود او نزاعات قانونية.

لكن لا احد يربح تلقائيا من القطيعة فالدبلوماسية ليست مجرد باب يغلق بل شبكة مصالح يعاد تشكيلها.
والرد الاقتصادي قد يضر بالشركات قبل ان يضر بالدولة. والتحكيم الدولي ليس عصا سحرية تخرج مليارات الدولارات من الهواء فهو يتوقف على العقود والمعاهدات والاختصاص وشروط النزاع.
القوة ليست ان تقطع العلاقات فحسب، القوة ان تعرف كيف تدير نتائج القطع.
والجزائر اذا ارادت ان تجعل قرارها السيادي ذا اثر حقيقي فعليها ان تنقل المعركة من مستوى الانفعال الى مستوى المؤسسات بنشر العقود و تقييم الاداء و حماية الموانئ و تطوير الاقتصاد و بناء نفوذ افريقي منتج وتعزيز الامن الحدودي وفق القانون.
اما الامارات، فعليها ان تدرك ان المال يفتح الابواب لكنه لا يضمن احتراما دائما.
النفوذ الذي لا يحظى بثقة محلية قد يتحول الى عبء على صاحبه.
والمغرب مطالب بان يحول شراكاته الى انتاج وفرص عمل لا الى مجرد بيانات تضامن وتونس مطالبة بان ترفض الاصطفاف وان تجعل مصلحتها الوطنية معيار علاقاتها. وليبيا مطالبة باستعادة مؤسساتها قبل ان تصبح ارضها ساحة دائمة لتنافس الخارج.
الخطر الحقيقي ليس القطيعة
الخطر الحقيقي ليس ان تتخاصم الجزائر والامارات.
الدول تتخاصم وتتصالح وتراجع حساباتها.
الخطر ان تتحول شمال افريقيا والساحل الى فضاء لتصفية الحسابات بين قوى متعددة بينما تبقى دول المنطقة منشغلة بالدفاع عن مواقعها بدل بناء اقتصادها.

الموانئ لا تصنع القوة وحدها و الصفقات لا تصنع السيادة وحدها و التحالفات الامنية لا تعوض غياب التنمية والدولة التي لا تنتج غذاءها وطاقتها ومعرفتها ولا تحمي مؤسساتها من الفساد ستظل معرضة للضغط مهما كان خطابها صلبا.

السيادة التي لا تنتج خبزا ولا تحمي حدودا ولا تخلق عملا ولا تمنع نهب المال العام تتحول في النهاية الى لافتة معلقة على باب دولة منهكة.
آن الاوان ان تتوقف المنطقة عن لعب دور المسرح في صراعات الاخرين.
آن الاوان ان تفهم ان الجغرافيا ليست قدرا مكتوبا وان الطاقة ليست مجرد مورد وان الميناء ليس مجرد رصيف وان الدبلوماسية ليست حفلات استقبال وان الاستقلال لا يقاس بعدد البيانات الغاضبة.

الاستقلال الحقيقي هو ان تمتلك الدولة اقتصادا يمول قرارها ومؤسسات تحميه ودبلوماسية توسع خياراتها وشعبا لا يطلب منه كل مرة ان يدفع فاتورة اخطاء النخب.

لا يكفي ان نسأل من ربح الجولة الدبلوماسية ومن خسرها. السؤال الذي يحدد مستقبل المنطقة هو من يستطيع ان يبني نظاما اقليميا لا يعتمد على ردود الفعل ولا يسمح للقوى الخارجية بتحويل الخلافات المغاربية الى ادوات نفوذ؟

فالقوة ليست ان تملك القدرة على اغلاق الابواب فحسب بل ان تمتلك اقتصادا ومؤسسات وتحالفات تجعل الاخرين مضطرين الى احترامك حتى عندما تختلف معهم.

وما لم تتحول الجغرافيا الى اقتصاد والطاقة الى صناعة والدبلوماسية الى نفوذ منتج، فان شمال افريقيا سيظل مسرحا للصراع لا مركزا لصناعة القرار.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال