حين انشغل أبناء الثورة بتمكين الثورة، بينما كان آخرون يبنون شروط تمكينهم الاقتصادي
ليست المأساة أن تفشل الثورة في يوم واحد.
الثورات لا تموت عادةً يوم تُهزم في الشارع، وإنما تبدأ في الموت يوم تتحول من فعل تاريخي إلى ذكرى، ومن مشروع لتحرير الإنسان إلى مادة تتنازعها النخب، ومن حلم جماعي إلى سلعة سياسية يتداولها الذين وصلوا إلى مواقع القرار باسمها.
وهنا، ربما، تكمن المأساة التونسية الأعمق.
لقد سقط الاستبداد القديم، ولكن هل سقطت معه البنية التي جعلت الإنسان التونسي تابعًا؟
سقط رأس النظام، ولكن هل تحرر الإنسان من الخوف؟
انفتحت صناديق الاقتراع، ولكن هل انفتح معها باب الكرامة؟
أصبح المواطن قادرًا على اختيار من يحكمه، ولكن هل أصبح قادرًا على أن يقول لمن يحكمه «لا» دون أن يخاف على خبزه، أو عمله، أو مستقبله؟
هذه هي الأسئلة التي لا تحب السياسة الرسمية أن تُطرح.
لأنها أسئلة تنقلنا من شكل الديمقراطية إلى جوهرها، ومن الانتخابات إلى الإنسان، ومن السلطة إلى المجتمع، ومن لحظة الثورة إلى ما بعد الثورة.
والثورة التونسية، إذا أردنا أن نكون صادقين معها، لم تكن ثورة على شخص فقط.
كانت ثورة على وضع إنساني كامل.
ثورة شاب قال: لا أريد أن أعيش مهانًا.
لا أريد أن تكون الدولة فوقي.
لا أريد أن يكون مستقبلي مرهونًا بولائي.
لا أريد أن يكون العمل منّةً من مسؤول.
لا أريد أن يكون حقي في الحياة مرتبطًا بموقعي الاجتماعي أو الجغرافي أو العائلي.
ولهذا كان شعار «الكرامة» أعمق من مجرد مطلب اقتصادي.
كانت الكرامة تعني أن يتحول الإنسان من موضوع في يد السلطة إلى ذات تصنع مصيرها.
لكن المفارقة أن جزءًا كبيرًا من الطبقة السياسية التي جاءت بعد الثورة فهمت الحرية باعتبارها مسألة سياسية، بينما ظلّت الكرامة معلقة في انتظار الاقتصاد.
وهنا بدأ الانفصال.
لقد أخطأنا عندما تصورنا أن الثورة تنتهي بإسقاط النظام.
إسقاط النظام هو أسهل مراحل الثورة.
أما الأصعب فهو أن تمنع النظام القديم من العودة بأشكال جديدة.
الأصعب أن تبني الإنسان الذي لا يحتاج إلى المستبد.
الأصعب أن تبني المجتمع الذي لا يستطيع المستبد شراءه.
الأصعب أن تجعل المواطن مستقلًا إلى درجة يصبح معها الاستبداد مكلفًا اجتماعيًا، لا مجرد ممنوع قانونيًا.
وهنا تحديدًا كان ينبغي أن تبدأ الثورة الثانية: ثورة بناء الإنسان.
لكن ماذا فعلنا؟
دخلنا في صراع على السلطة قبل أن نبني شروط المجتمع الذي يستطيع مراقبة السلطة.
اختلفنا حول الدستور قبل أن نؤسس ثقافة دستورية.
تنازعنا حول من يمثل الثورة قبل أن نسأل: ماذا أعطينا لأبنائها؟
أقمنا الأحزاب، لكننا لم نبن بالقدر الكافي أجيالًا سياسية جديدة.
خضنا الانتخابات، لكننا لم نخلق اقتصادًا اجتماعيًا يجعل المواطن أقل تبعية للدولة.
تكلمنا كثيرًا عن الشباب، لكننا لم نسأل السؤال الأخطر:
كيف نجعل الشباب قادرًا على الاستغناء عن الذين يتحدثون باسمه؟
فالشاب الذي يحتاج إلى السياسي حتى يجد وظيفة، سيظل تابعًا له.
والشاب الذي يحتاج إلى الحزب حتى يجد موقعًا، سيظل تابعًا له.
والشاب الذي يحتاج إلى الدولة في كل تفاصيل حياته، سيكون استقلاله السياسي ناقصًا مهما ارتفع صوته في المظاهرة.
وهنا تكمن المفارقة التي ربما لم نفهمها إلا بعد فوات الأوان:
جيل الثورة انشغل بتمكين الثورة، بينما كان آخرون منشغلين بتمكين أنفسهم.
أبناء الثورة كانوا يسألون:
كيف نحمي المسار الديمقراطي؟
كيف نحمي الحريات؟
كيف نمنع عودة الاستبداد؟
كيف نبني الحزب؟
كيف نواجه الخصم؟
كيف ننتصر في الانتخابات؟
بينما كان سؤال آخر يتشكل في مكان آخر:
كيف أحصل على وظيفة؟
كيف أتعلم حرفة؟
كيف أهاجر؟
كيف أفتح مشروعًا؟
كيف أستفيد من برنامج تمويل؟
كيف أبني دخلي؟
كيف أخرج من دائرة الحاجة؟
قد يبدو السؤالان متناقضين، لكنهما في الحقيقة مرتبطان.
لأن من لا يستطيع بناء حياته، يجد صعوبة في بناء نظام سياسي يحميها.
ومن لا يملك استقلالًا اقتصاديًا، يصبح استقلاله السياسي هشًا.
ومن هنا فإن أكبر خطأ ارتكبته بعض النخب الديمقراطية لم يكن أنها مارست السياسة، بل أنها فصلت السياسة عن الاقتصاد، وفصلت تحرير الإنسان من السلطة عن تحريره من الحاجة.
وكأن الإنسان يصبح حرًا بمجرد أن يسمح له القانون بالتصويت.
لا.
قد يكون الإنسان قادرًا على التصويت وهو عاجز عن اختيار حياته.
قد يكون قادرًا على انتقاد الحاكم وهو غير قادر على رفض الوظيفة التي يمنحه إياها.
قد يكون قادرًا على رفع شعار الحرية وهو عاجز عن مغادرة دائرة الفقر.
وهنا يصبح السؤال:
أي حرية نريد؟
حرية المواطن الذي ينتظر الدولة؟
أم حرية المواطن الذي يستطيع أن يختلف مع الدولة؟
الفرق بينهما هو الفرق بين المواطن والتابع.
إن أخطر شيء يمكن أن يحدث للثورة هو أن تتحول إلى طبقة من الشعارات فوق طبقة من التبعية.
عندها يصبح لدينا دستور، وانتخابات، وأحزاب، وبرلمان، وخطابات عن الحرية، ولكن تحت هذه البنية يبقى الإنسان محتاجًا.
والإنسان المحتاج هو أفضل تربة لإعادة إنتاج السلطة القديمة.
فالاستبداد لا يحتاج دائمًا إلى السجن.
أحيانًا يكفي أن يجعل الناس ينتظرون.
ينتظرون الوظيفة.
ينتظرون المنحة.
ينتظرون الترخيص.
ينتظرون المسؤول.
ينتظرون الحزب.
ينتظرون الزعيم.
ينتظرون الدولة.
وحين يصبح الانتظار أسلوب حياة، تتحول الحرية إلى امتياز نظري.
ومن هنا يجب أن نعيد قراءة تجربة العشرية الديمقراطية لا بعين الحنين ولا بعين الانتقام، وإنما بعين النقد.
لقد كان من المشروع أن تتصارع القوى السياسية حول البرامج والرؤى.
لكن المشكلة أن الصراع على السلطة ابتلع مشروع بناء المجتمع.
كانت الأحزاب تحتاج إلى الشباب، لكنها احتاجت إليه في الغالب كقوة انتخابية وتنظيمية.
كانت تحتاج إلى صوته أكثر مما تحتاج إلى استقلاله.
إلى حضوره أكثر من حاجتها إلى أفكاره.
إلى حماسه أكثر من حاجتها إلى مشروعه.
وهكذا أصبح الشباب في بعض الأحيان وقودًا للحياة الحزبية بدل أن يصبح صانعًا لها.
والحزب الذي يستعمل شبابه ولا يمكّنه، لا يبني جيلًا سياسيًا؛ يبني جمهورًا.
والفرق هائل.
الجمهور يصفق.
أما الجيل فيسأل.
الجمهور ينتظر التعليمات.
أما الجيل فينتج القرار.
الجمهور يبحث عن الزعيم.
أما الجيل فيبحث عن المؤسسة.
وهنا يظهر السؤال الذي ربما يجب أن تخجل منه كل النخب التي تصدرت المشهد بعد الثورة:
أين ذهب أبناء الثورة؟
ليس أين ذهبوا جغرافيًا.
بل أين ذهبوا اجتماعيًا؟
كم منهم أصبحوا قادة؟
كم منهم امتلكوا مشاريع؟
كم منهم أصبحوا خبراء؟
كم منهم دخلوا مراكز القرار؟
كم منهم تحولوا من ناشطين إلى منتجين للمعرفة؟
كم منهم أصبحوا مستقلين اقتصاديًا؟
وكم منهم بقيوا يعيشون على ذكريات يناير، ينتظرون أن تعترف بهم الثورة التي ساهموا في صنعها؟
هذه الأسئلة أهم من عدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك.
لأن الثورة لا تقاس فقط بعدد القوانين التي تغيرت.
الثورة تقاس بعدد البشر الذين تغير موقعهم في التاريخ.
ولعل جرحى الثورة يمثلون في هذا السياق جرحًا مفتوحًا في جسد الذاكرة التونسية.
ليس لأن ملفهم يختزل الثورة، وإنما لأنه يطرح سؤالًا أخلاقيًا عميقًا:
ماذا تفعل المجتمعات بمن دفعوا ثمن التحول؟
حين يتحول الجريح إلى ملف إداري، والشهيد إلى رقم، والثائر إلى ذكرى موسمية، فثمة شيء انكسر في معنى الثورة.
الثورة ليست فقط أن تقول للضحية: «نحن نذكرك».
بل أن تقول له: «نحن نبني مجتمعًا لا تكون فيه تضحيّتك بلا معنى».
والاعتراف الحقيقي بالثائر لا يكون فقط بتكريمه، وإنما بتحويل التضحيات إلى مؤسسات وعدالة وكرامة وفرص للأجيال القادمة.
ثم جاء 25 جويلية.
وهنا يجب أن نتوقف.
فالانقلاب لم ينزل من السماء.
ولم يولد في فراغ.
لقد جاء في لحظة كان فيها المجتمع قد راكم غضبًا وخيبة وفقدان ثقة.
جاء في لحظة كان فيها جزء من الشعب قد بدأ يرى الديمقراطية من خلال نتائجها اليومية لا من خلال قيمها المجردة.
وكانت تلك لحظة خطيرة.
لأن المواطن الذي لا يرى الحرية في حياته قد لا يدافع عنها عندما تتعرض للخطر.
وهذه ليست مسؤولية المواطن وحده.
إنها مسؤولية الذين جعلوا الديمقراطية تبدو، في أذهان قطاعات واسعة، وكأنها معركة بين النخب.
لقد فشلنا في جعل المواطن يشعر أن الديمقراطية ملكه هو.
أنها ليست ملك الحزب.
ولا ملك البرلمان.
ولا ملك السياسي.
ولا ملك المثقف.
إنها ملك الشاب الذي يريد أن يبني مشروعًا.
وملك العاملة التي تريد أجرًا عادلًا.
وملك الطالب الذي يريد جامعة حرة.
وملك المواطن الذي يريد قضاء مستقلًا.
وملك الفلاح الذي يريد سوقًا عادلة.
عندما تصبح الديمقراطية مصالح يومية للناس، يصبح الدفاع عنها دفاعًا عن الذات.
أما عندما تبقى مجرد نظام سياسي، فإن إسقاطها يصبح أسهل.
وهنا يجب أن نوجه النقد إلى جيل الثورة نفسه أيضًا.
لا يجوز أن نبني رواية مريحة تقول إن كل شيء كان مؤامرة على الثوار.
الثورات لا تُحمى بالنوايا الحسنة.
والحماس لا يكفي.
والشهادة على الماضي لا تعطي صاحبها بالضرورة قدرة على صناعة المستقبل.
لقد أخطأ جزء من أبناء الثورة حين اعتقدوا أن الأسبقية النضالية تمنحهم تلقائيًا حق القيادة.
لا.
الثورة تعطيك شرف المشاركة فيها، لكنها لا تعفيك من ضرورة أن تتعلم.
أن تتخصص.
أن تنتج.
أن تتطور.
أن تفهم الاقتصاد.
أن تفهم الدولة.
أن تفهم التكنولوجيا.
أن تفهم المجتمع.
أن تعرف كيف تبني مؤسسة.
أن تعرف كيف تدير مشروعًا.
أن تعرف كيف تحول الفكرة إلى قوة.
فالاستبداد لا يهزم فقط بالهتاف.
يهزم أيضًا بالجامعة، والمصنع، والشركة، والمزرعة، والإعلام، والكتاب، والتكنولوجيا، والتنظيم، والاقتصاد.
إنها معركة حضارية وليست مجرد معركة انتخابية.
ولهذا فإن الدرس الحقيقي لجيل الثورة ليس:
«عودوا إلى الشارع».
بل:
عودوا إلى الإنسان.
ابنوا الإنسان.
علموه.
مكنوه.
ساعدوه على أن يصبح مستقلًا.
افتحوا أمامه الاقتصاد لا بوصفه مجالًا للربح فقط، وإنما بوصفه مجالًا للتحرر.
فالمشروع الاقتصادي للشاب ليس شأنًا خاصًا منفصلًا عن السياسة.
إنه جزء من المعركة السياسية.
الشاب الذي يؤسس مشروعًا مستقلًا يؤسس مساحة من الحرية.
والشاب الذي ينتج المعرفة يؤسس مساحة من الحرية.
والشاب الذي يمتلك مهنته يؤسس مساحة من الحرية.
والشاب الذي يستطيع تمويل نشاطه المدني والسياسي دون أن يكون رهينة لأي جهة، يؤسس مساحة من الحرية.
كل استقلال اقتصادي هو لبنة في بناء الديمقراطية.
وهذه هي النقطة التي كان ينبغي أن تفهمها الأحزاب مبكرًا.
كان ينبغي أن تكون إلى جانب المدرسة السياسية مدرسة اقتصادية للشباب.
إلى جانب التكوين السياسي، تكوين في إدارة المشاريع.
إلى جانب إعداد القيادات، إعداد رواد الأعمال.
إلى جانب المؤتمرات الحزبية، شبكات للتشبيك الاقتصادي.
إلى جانب الحديث عن المشاركة، برامج فعلية تجعل الشباب قادرين على إنتاج فرص العمل.
ليس حتى يصبحوا «رجال أعمال الحزب»، فهذا سيكون سقوطًا جديدًا في الزبونية.
بل حتى يصبحوا مواطنين لا يحتاجون الحزب كي يعيشوا.
وهنا فقط يصبح الحزب ديمقراطيًا بالفعل.
إن أخطر شيء يمكن أن تفعله النخبة هو أن تخاف من استقلال الشباب.
النخبة الواثقة تقول:
«أريد شبابًا أقوى مني.»
أما النخبة الخائفة فتقول:
«أريد شبابًا يحتاج إليّ.»
الأولى تصنع المستقبل.
والثانية تصنع التبعية.
ولذلك فإن السؤال اليوم ليس فقط: لماذا فشل جيل الثورة؟
بل:
هل نريد أن نعيد إنتاج نفس الجيل السياسي بنفس الأدوات والأخطاء، أم نريد صناعة جيل جديد؟
جيل لا يعيش على شرعية الماضي.
ولا يقول: «أنا كنت في الثورة، إذن أنا أستحق».
بل يقول:
«كنت هناك، ولذلك عليّ اليوم أن أكون أكثر علمًا، وأكثر قدرة، وأكثر استقلالًا، وأكثر استعدادًا لصناعة المستقبل.»
لقد انتقمت الثورة المضادة من جيل الثورة.
ثم جاء الانقلاب ليجد هذا الجيل متعبًا.
لكن هناك انتقامًا ثالثًا أكثر قسوة، وربما أقل وضوحًا:
انتقام الزمن.
فالسنوات التي ضاعت لا تعود.
والشباب الذي دخل الثورة في العشرينات يجد نفسه اليوم أمام سنوات جديدة من عمره.
والذي كان ينتظر التمكين السياسي قد يجد نفسه ينتظر فرصة اقتصادية.
والذي كان يحلم بقيادة المجتمع قد يجد نفسه يبحث عن مكان له في المجتمع.
وهنا يجب أن يتوقف جيل الثورة عن سؤال:
«ماذا أعطتني الثورة؟»
وأن يبدأ بسؤال آخر:
«ماذا سأبني أنا من أجل أن لا تضيع الثورة مرة أخرى؟»
هذه النقلة هي بداية النضج.
من عقلية المطالبة إلى عقلية البناء.
من انتظار التمكين إلى صناعة التمكين.
من انتظار القيادة إلى إنتاج القيادة.
من انتظار الدولة إلى بناء المجتمع.
ومن انتظار الحزب إلى بناء الإنسان.
ربما كانت الثورة التونسية بحاجة منذ البداية إلى ثورة داخل الثورة.
ثورة تحوّل المواطن من متظاهر إلى منتج.
ومن ناخب إلى صاحب قرار.
ومن تابع إلى مستقل.
ومن مستهلك للخطاب إلى منتج للمعرفة.
ومن باحث عن وظيفة إلى صانع لفرصة.
ومن تابع لزعيم إلى قائد قادر على صناعة جيله.
فالثورة التي تغيّر الحكومة ولا تغيّر الإنسان، يمكن أن تُهزم بسهولة.
أما الثورة التي تغيّر الإنسان، فإنها تصبح عصية على الإلغاء.
قد يُغلق البرلمان.
قد تُحل الأحزاب.
قد تتغير الدساتير.
قد تُعتقل القيادات.
لكن إذا كان المجتمع قد تعلم كيف يفكر، وكيف ينتج، وكيف ينظم نفسه، وكيف يبني اقتصاده، وكيف يدافع عن حريته، فإن الثورة تكون قد انتقلت من الشارع إلى الوعي.
وحين تنتقل الثورة إلى الوعي، يصبح من الصعب قتلها.
لهذا لا ينبغي أن تكون معركتنا اليوم مجرد استعادة «عشرية الديمقراطية».
بل استعادة المعنى الذي جعلنا نريد الديمقراطية أصلًا.
نريد دولة لا يخاف فيها المواطن من السلطة.
لكننا نريد أيضًا مواطنًا لا يخاف على خبزه لأنه قال «لا».
نريد حرية سياسية.
لكننا نريد أيضًا استقلالًا اقتصاديًا.
نريد أحزابًا.
لكننا نريد قبلها مواطنين.
نريد انتخابات.
لكننا نريد قبلها وعيًا.
نريد قيادات.
لكننا نريد قبلها أجيالًا.
نريد دولة ديمقراطية.
لكننا نريد أيضًا مجتمعًا ديمقراطيًا قادرًا على حماية دولته من الاستبداد.
وهنا ربما تكمن خلاصة تجربة جيل الثورة كلها:
لم تكن مشكلتنا أننا ثرنا كثيرًا، وإنما أننا بعد الثورة لم نبنِ بما يكفي.
لم نبنِ الإنسان.
لم نبنِ الاقتصاد الاجتماعي الذي يمنحه الاستقلال.
لم نبنِ المؤسسات التي تستوعب طاقته.
لم نبنِ قيادات جديدة بالسرعة المطلوبة.
لم نبنِ ثقافة سياسية تتجاوز الولاء للأشخاص.
لم نبنِ قاعدة اجتماعية عميقة للديمقراطية.
ولهذا وجد الانقلاب أمامه دولة يمكن السيطرة عليها، ومجتمعًا منهكًا، ونخبًا متصارعة، وشبابًا فقد جزءًا من الأمل.
لكن التاريخ لم ينته.
والثورة لم تمت لأن مشروعًا سياسيًا فشل.
الثورة تموت فقط عندما يتوقف الإنسان عن الحلم بالحرية والكرامة.
وإذا كان جيل الثورة قد أخطأ في شيء، فإن أعظم تصحيح لهذا الخطأ هو أن يتعلم من تجربته لا أن يدفنها.
أن يفهم أن الحرية بلا استقلال اقتصادي قابلة للابتزاز، والسياسة بلا معرفة قابلة للتضليل، والثورة بلا تنظيم قابلة للاختطاف، والشباب بلا تمكين قابل للتحول إلى وقود للآخرين.
لذلك فإن المهمة اليوم ليست أن نعيد جيل الثورة إلى الماضي.
بل أن نحرره من الماضي.
أن نأخذ منه الشجاعة، لا الأخطاء.
أن نأخذ منه روح المقاومة، لا عقلية الانتظار.
أن نأخذ منه حلم الكرامة، ونمنحه أدوات تحقيقها.
عندها فقط يصبح السؤال عن الثورة مختلفًا.
لن نسأل:
«من سرق الثورة؟»
بل سنسأل:
«لماذا لم نبنِ قوة تستطيع أن تمنع سرقتها؟»
ولن نسأل:
«لماذا انتصر الانقلاب؟»
بل:
«كيف نبني مجتمعًا لا يستطيع أي انقلاب أن ينتصر عليه؟»
والجواب يبدأ من المكان الذي أهملناه طويلًا:
من الإنسان.
من الشاب.
من استقلاله.
من علمه.
من مهنته.
من مشروعه.
من وعيه.
من قدرته على التنظيم.
ومن قدرته على أن يقول للسلطة، وللحزب، وللزعيم، وللمال السياسي:
لا.
ثم يمضي في حياته.
لا جائعًا.
لا خائفًا.
لا تابعًا.
بل حرًا.
فالثورة التي تحرر الإنسان من خوف السلطة ولا تحرره من الحاجة، لم تكتمل بعد.
وربما تكون الثورة الحقيقية التي ما زلنا نبحث عنها ليست تلك التي حدثت في شتاء 2011، وإنما تلك التي يجب أن تحدث داخل الإنسان التونسي نفسه: ثورة الوعي، وثورة الاستقلال، وثورة البناء.
عندها فقط لن يكون جيل الثورة هو الجيل الذي انتقمت منه الثورة المضادة والانقلاب.
بل سيكون الجيل الذي تعلّم من هزيمته كيف ينتصر التاريخ
عندما تنتقم الثورة والانقلاب من جيل الثورة
2026-09-10
161 قراءة
مقالات رأي
حسام سعايدية
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال