الرجل الذي تحول إلى كلب : عمل أدبي وفني كبير أنجزه الكاتب الارجنتيني التقدمي أزوالد دراغون ((Oswald Dragon ترجمت إلى لغات عديدة، وقدمت على مسارح عربية، والمسرحية تطرح حياة الطبقة العاملة والكادحون في البلدان الرأسمالية، حيث يتعين على الإنسان أن يكون كما تهوى الأنظمة وتشاء، وفي هذا تتشابه بتقديري لدرجة التماثل مع الأنظمة الديكتاتورية والطغيانية ومتطلباتها، ومن هنا تأتي مداخلتي.
يعاني أحد العمال وهو (س) ، (أو من لفضتهم الأنظمة السياسية) من البطالة، وعبثاً يحاول إيجاد عمل ليعيل أسرته المتضورة جوعاً ومرضاً وفاقة، وتلك معاناة جسدية وصحية وعاطفية، ويتوسط له صديق عند مدير المعمل ليعينه، ولكن لا توجد شواغر، ثم وتحت إلحاح الصديق يعرض مدير المعمل عرضاً غريباً، أن يعمل س بدل الكلب الذي نفق قبل يومين، وذلك أن يقضي الليل دون أن يشاع الخبر في أرجاء المعمل وساحاته وهو يعوي كالكلب ليوهم السراق أن الكلب ما زال حياً، وقبل س العرض على وضاعته تحت وطأة الحاجة ...!
ويحاول (س) أن يؤدي عمله على أحسن ما يرام، ليحافظ على رزقه، فيحاول تقليد صوت الكلاب (النباح) بأحسن صورة، ثم يتبن له أن الصوت يكون له صدى آخر لو أنه أقعى، أو رفع رأسه إلى الأعلى، أو أثناء العدو، فيجرب هذه جميعاً. وعندما أراد مدير المعمل أن يتأكد من أداء (س) لدور الكلب، دهش أيما دهشة للإجادة التامة المتقنة.
ولكن الدور تقمص (س) بدرجة أنه صار يقلد الكلب في حياته الخاصة أيضاً، وبدأ يجد المبرر لذلك أولاً، ثم معقولية ما يفعله، وأن ما يفعله هو عين الصواب، وما ذنبه إن الآخرون لا يفهمون ....... ؟
ثم أين كان أولئك الآخرون يوم كان يتضور جوعاً، ويكاد طفله يموت بسبب عدم توفر المال للعلاج، ألم ينقذه هذا الدور وعائلته من الهلاك. ثم ماذا يفعل الآخرون ....؟ الكثيرون منهم يسرقون، والآخرون يحتالون، وآخرون يرتشون، هذه إذا نرفع صوتنا ونقول بصوت واطئ يكاد يكون همساً .....وآخرون ي ... ت ... ج ... س ... س...و ...ن ....! وماذا أفعل أنا ... أنبح بضعة ساعات ولا أحد يراني، وماذا في ذلك، المهم عادت الابتسامة لوجه عائلتي وتوردت خدودهم عافية.
وتمادى (س) في أفكاره واأنفعالاته، فصار يقلد الكلب عندما يجلس ليتناول الطعام في البيت، ويقلد الكلب عندما يستلقي في فراشه، وربما أكثر من ذلك في سلوكه العاطفي .......! والأدهى هو لو أخبر القراء أن (س) أكتشف أو هكذا أقنع نفسه، أن النباح هو مفيد للصحة.
ولكنه عندما كان يسير في الشارع، يقفز بخطواته الرشيقة، الناس من حوله لا يدركون أنه... ....عفواً هو كلب، أو إنسان متنكر بدور كلب أو العكس، وعندما تتعقد المسألة فلسفياً، هو يأخذها من جانبها البسيط، ويقول هذه التعقيدات لا معنى لها، هو عمل كأي عمل آخر.
ولكن زوجته ضبطته يوماً، والدموع تسيل من عينيه قبل الذهاب إلى المعمل ليلاً ......!
مسرحية أزوالد دراغون طرحت حياة الطبقة العاملة في الرأسمالية، ولكني أريد أن أضع رتوش على صورة العمل الفني وأقول أن الإنسان مضطهد في إنسانيته في هذا العصر، وهذه المرحلة وهذا اليوم وفي بلداننا هذه ويا للأسف الشديد.
ما زال مطلوب من الإنسان أن يلبس كما يشتهي غيره ويريد أو يضعها في صيغة أجتهاد، ويأكل كما يراد له، ويتكلم كما مطلوب منه، أو يصمت للأبد، وفي أستطراد للطغيان يطلبون منه نمطاً محدداً معيناً في التفكير وإلا ......... الويل والثبور ..
وقائمة التنازلات ليست بسيطة، ولكنها تطرح على جرعات، وبعد أن يتنازل (س) بضعة مرات، يجد نفسه قد أصبح بعيداً عن نقطة بدايته، أما إذا إذا أراد (س) في يومنا هذا أن يحسن وضعه، ويطور قدراته، ويريح عائلته بالسكن، والسفر والمتع، فعليه أن يتملق مدير المعمل في التعين، وسوف يفاجأ إذ تعرض عليه إمكانات كبيرة مقابل ....... نعم مقابل ...
هذه موضوعات مسرحية ولكنها يمكن أن تكون صوراً واقعية بتحوير بسيط للحروف والأسماء والمسميات، فكتشف ياللهول إن المعمل كبير ..... كبيراً جداً، وأن (س) قد تنازل عن أهم ما يميزه كإنسان، وهو التفكير والتضامن مع بني جنسه ..... قلنا مع بني جنسه وليس مع أبناء وطنه وجلدته .....!
ثم يكتشف (س) ونحن نكتشف معه، أن مجموع مآسي الأفراد، هي مأساة بلاد بأسرها، وأن شئت أن تتعرف على صحة ما ندعي، أنهض وقف، وحاول أن تضع تحت قدميك شيئاً لترتفع قليلاً وتشاهد أبعاد المنظر من حولك. أما إذا صعدت على برج عال ........ فأني سأشفق على (س وأصدقائه) لأنه سيرى أي كارثة يرتع فيها.
الرجل الذي تحول إلى كلب
2026-09-10
130 قراءة
مقالات رأي
د. ضرغام عبد الله الدباغ
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال