بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

سقوط رواية النخب في تونس حين يتحول المثقف من صانع للتاريخ إلى شاهد عليه

2026-09-10 170 قراءة مقالات فكر حسام سعايدية
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ليست مأساة الشعوب أن يحكمها المستبدون فقط، وإنما أن تفقد القدرة على إنتاج من يواجه الاستبداد بفكرة، وبوعي، وبمشروع، وبإرادة تاريخية. فالمستبد قد يستطيع أن يغلق البرلمان، وأن يضيّق على الأحزاب، وأن يضع السياسي في السجن، وأن يحاصر الصحافة، لكنه لا يستطيع وحده أن يقتل فكرة الحرية. الذي يقتل فكرة الحرية هو أن تتحول النخب التي يفترض أن تحملها من قوة تغيير إلى مجرد شهود على تراجعها.

وهنا تكمن المأساة التونسية.

ليست المشكلة اليوم في أن السلطة أقوى من معارضيها فقط؛ المشكلة أن المعارضة والنخب فقدت، إلى حد كبير، القدرة على أن تكون صاحبة السؤال. لقد أصبحنا أمام مشهد سياسي تتحرك فيه النخب داخل المساحة التي ترسمها السلطة نفسها. السلطة تعتقل، فتطالب النخب بالإفراج. السلطة تحاكم، فتطالب النخب بمحاكمة عادلة. السلطة تضرب استقلال المؤسسات، فتطالب النخب باستقلال القضاء. السلطة تتحدث عن الحوار، فترد النخب بالمطالبة بالحوار.

لكن من يسأل السؤال الذي لا تريد السلطة أن يُطرح؟

من يقول: أي تونس نريد؟

ومن يقول: أي دولة يجب أن تأتي بعد هذه المرحلة؟

ومن يملك الشجاعة ليقول إن المشكلة ليست فقط في الحاكم، وإنما في البنية السياسية التي تسمح للحاكم بأن يصبح أقوى من الدولة؟

هذه هي الأسئلة التي غابت، أو كادت.

ولذلك فإن سقوط رواية النخب لا يعني أنها توقفت عن الكلام، بل يعني أنها فقدت قدرتها على إنتاج المعنى.

النخبة التي لا تنتج معنى جديدًا للمرحلة تتحول إلى مجرد تعليق سياسي على الأحداث.

وهنا يصبح علينا أن نعيد طرح السؤال القديم، ولكن في قلب تونس اليوم: ما وظيفة المثقف والسياسي والحقوقي والنقابي والمحامي حين تدخل البلاد في أزمة تاريخية؟ هل وظيفتهم أن يسجلوا عدد الانتهاكات؟ أن يصدروا البيانات؟ أن يطالبوا بالإفراج عن المعتقلين؟ أن يطالبوا بالحوار؟ أم أن وظيفتهم الأعمق هي أن يمنحوا المجتمع القدرة على رؤية ما وراء الأزمة، وأن يحولوا الألم إلى وعي، والوعي إلى إرادة، والإرادة إلى تنظيم، والتنظيم إلى مشروع؟

إن المثقف الذي يعرف ولا يفعل ليس محايدًا دائمًا؛ قد يكون، من حيث لا يريد، جزءًا من المشكلة.

والسياسي الذي يرفض الاستبداد لكنه لا يقدم بديلًا له، يبقى أسيرًا للاستبداد حتى وهو يعارضه.

والحقوقي الذي يوثق الانتهاك يؤدي وظيفة ضرورية، لكنه لا يستطيع وحده بناء الدولة التي تمنع الانتهاك.

والنقابي الذي يدافع عن الأجر والحق الاجتماعي يؤدي واجبه، لكنه لا يستطيع أن يتجاهل السؤال السياسي حين يصبح المجتمع كله مهددًا في توازنه.

والمحامي الذي يقاتل من أجل محاكمة عادلة يدافع عن جوهر العدالة، لكن المعركة الأكبر هي أن تصبح العدالة نفسها مستقلة عن إرادة السلطة.

هنا تحديدًا يجب أن نتوقف عند قضية المعتقلين السياسيين.

إن الدفاع عنهم ليس ترفًا ولا قضية ثانوية. الحرية للمعتقل السياسي واجب لا يحتاج إلى تبرير. لكن تحويل قضية المعتقلين إلى نهاية الخطاب السياسي هو نوع آخر من الهزيمة. لأننا حين نقول فقط "أطلقوا سراحهم"، نكون قد قبلنا، ولو دون قصد، أن المشكلة هي وجودهم داخل السجن، لا وجود النظام السياسي الذي يجعل سجن السياسي ممكنًا.

المعتقل السياسي لا يحتاج فقط إلى باب يفتح.

تونس تحتاج إلى نظام يجعل أبواب السجون مغلقة أمام الاعتقال السياسي.

ولهذا فإن الغنوشي والشابي والبحيري وغيرهم ليسوا فقط أسماء في ملفات قضائية، وإنما ينبغي أن تكون قضيتهم مدخلًا إلى سؤال أعمق: كيف نبني دولة لا يستطيع فيها رئيس أو حكومة أو جهاز أن يحول الخصومة السياسية إلى جريمة؟

إن اختزال القضية في "الإفراج" يترك النظام قائمًا.

أما تحويل قضية المعتقل إلى مشروع لإعادة بناء دولة القانون، فهو الذي يجعل من التضحية السياسية معنى تاريخيًا.

لا نريد أن يخرج السجين فقط.

نريد أن تخرج تونس من منطق السجن السياسي.

ولا نريد أن يسقط شخص من الحكم فقط.

نريد أن يسقط منطق الشخص الذي يحكم الدولة.

وهذا هو الفارق بين المعارضة التي تنتظر انتصارًا انتخابيًا والمعارضة التي تريد صناعة تاريخ جديد.

إن مأساة النخب التونسية أنها ما تزال أسيرة ثنائية "قبل 25 يوليو" و"بعد 25 يوليو"، وكأن التاريخ توقف في ذلك اليوم، وكأن المهمة هي فقط استعادة ما كان.

لكن ماذا كان؟

هل كانت الجمهورية السابقة قد نجحت في بناء مؤسسات ديمقراطية راسخة؟

هل نجحت في معالجة التفاوت الجهوي؟

هل نجحت في بناء اقتصاد منتج؟

هل نجحت في إعادة الثقة بين المواطن والدولة؟

هل نجحت الأحزاب في إنتاج قيادات جديدة؟

هل نجحت النخب في بناء ثقافة سياسية تجعل التداول الديمقراطي جزءًا من الوعي الاجتماعي؟

إن العودة إلى الماضي دون نقد الماضي ليست مشروعًا.

إنها حنين.

والشعوب لا تبني المستقبل بالحنين.

لذلك يجب أن يكون السؤال: لا كيف نعود إلى ما قبل 25 يوليو، وإنما كيف نتجاوز كل ما قادنا إلى 25 يوليو؟

وهنا تبدأ مسؤولية النخبة الحقيقية.

إن تونس لا تحتاج إلى معارضة تقول للشعب فقط: "نحن ضد هذا الحاكم". فهذه ليست رسالة تاريخية. يمكن لأي شخص أن يعارض الحاكم.

لكن من يستطيع أن يقول: "هذه هي الدولة التي سنبنيها"؟

من يستطيع أن يضع مشروعًا يجعل الرئيس خادمًا للدستور، لا مالكًا له؟ يجعل القضاء مستقلًا، لا تابعًا؟ يجعل البرلمان مؤسسة رقابة حقيقية، لا ساحة صراع؟ يجعل الإدارة في خدمة المواطن، لا في خدمة السلطة؟ يجعل الإعلام سلطة رقابة، لا أداة دعاية؟ يجعل الجيش والأمن مؤسسات جمهورية لا أطرافًا في الصراع السياسي؟

هذه ليست تفاصيل.

هذه هي القضية.

ولهذا فإن البديل الديمقراطي لا يمكن أن يكون مجرد ائتلاف انتخابي جديد. تونس لا تحتاج إلى تحالف يجتمع ليلة الانتخابات ثم يتفرق صباح إعلان النتائج. تحتاج إلى عقد سياسي جديد، تتفق عليه القوى الديمقراطية والاجتماعية والمدنية قبل الوصول إلى السلطة.

عقد يقول بوضوح: لن نعيد إنتاج الحكم الفردي، مهما كان اسم الحاكم. لن نستعمل القضاء ضد خصومنا. لن نحتكر الإعلام. لن نستعمل أجهزة الدولة في المعارك الحزبية. لن نعتبر الأغلبية الانتخابية تفويضًا للاستبداد. لن نجعل الدولة غنيمة.

وإذا كان لا بد من جبهة وطنية، فلا ينبغي أن تكون جبهة لإسقاط شخص، وإنما جبهة لإعادة تأسيس الجمهورية.

تضم الأحزاب، ولكن لا تذوب فيها الأحزاب.

تضم الاتحاد العام التونسي للشغل، ولكن دون أن يتحول إلى سلطة سياسية.

تضم المحامين والحقوقيين والأكاديميين والشباب والجهات، لا باعتبارهم ديكورًا سياسيًا، وإنما باعتبارهم شركاء في صياغة البديل.

ويكون أول عمل لهذه الجبهة ليس توزيع المناصب، بل كتابة مشروع الدولة.

إن الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه أمام امتحان تاريخي. لقد كان في مراحل سابقة أكثر من نقابة، بل أصبح طرفًا وازنًا في صناعة القرار السياسي. لكن المشكلة ليست أن يعود الاتحاد إلى ممارسة الوصاية على السياسة، ولا أن يختبئ داخل مطلب الزيادة في الأجور واستعادة الاقتطاع الآلي من أجور العمال. المطلوب أن يستعيد دوره كقوة اجتماعية مستقلة قادرة على حماية المجتمع من الاستبداد الاقتصادي، دون أن تتحول إلى سلطة فوق السلطة.

إن الشريك الاجتماعي لا يعني أنه بلا شأن سياسي، كما أن الفاعل السياسي لا يعني أنه حزب. وبين الاثنين مساحة واسعة تستطيع فيها المنظمة النقابية أن تدافع عن العدالة الاجتماعية وعن دولة المؤسسات دون أن تتحول إلى حاكم غير منتخب.

والأمر نفسه بالنسبة إلى المحاماة.

لا يكفي أن نقول إن المحاكمة يجب أن تكون عادلة.

يجب أن نسأل: من يضمن عدالتها؟

كيف يعين القضاة؟

كيف يحمى القاضي من السلطة؟

كيف يحمى المحامي من الضغط؟

كيف تمنع الدولة استعمال القضاء في الصراعات السياسية؟

كيف يصبح القانون سقفًا للسلطة لا سلاحًا في يدها؟

إن استقلال القضاء ليس شعارًا مهنيًا، بل هو أحد أعمدة الجمهورية.

والحقوقيون كذلك مدعوون إلى تجاوز دور الشاهد إلى دور الشريك في بناء منظومة الحقوق. ليس المطلوب منهم أن يتحولوا إلى أحزاب، وإنما أن يذهبوا أبعد من توثيق الانتهاك إلى اقتراح المؤسسات والتشريعات التي تمنع تكراره.

أما الأكاديمي، فليس مطلوبًا منه أن يكتب بحثًا جديدًا عن فشل الديمقراطية ثم يضعه على رف الجامعة. مطلوب منه أن ينزل من برج التخصص إلى سؤال المجتمع: كيف نعيد بناء الدولة؟ كيف نعيد إنتاج الثقة؟ كيف نصنع اقتصادًا قادرًا على تشغيل الشباب؟ كيف نعيد للجامعة دورها في إنتاج القيادة لا الشهادة فقط؟

وهنا نصل إلى الشباب.

الشباب الذي تستدعيه الأحزاب في الانتخابات وتنساه في صناعة القرار، والشباب الذي تذكره النخب في البيانات وتنساه عند توزيع المواقع، ليس وقودًا للمعركة السياسية.

إنه صاحب المستقبل.

ولا يمكن أن تكون هناك جمهورية جديدة بقيادات الأمس فقط.

تونس تحتاج إلى مدرسة وطنية للقيادة السياسية، لا بمعنى مدرسة حزبية، وإنما فضاء لتكوين جيل جديد في الاقتصاد والقانون والسياسة والإدارة والعلاقات الدولية والفكر الاستراتيجي. تحتاج إلى مجالس شبابية حقيقية، وإلى فتح المؤسسات أمام جيل جديد، وإلى نقل السياسة من ثقافة الزعيم إلى ثقافة المؤسسة.

لكن لا يمكن أن يكون البديل سياسيًا فقط.

فالجائع لا تقنعه محاضرة عن الديمقراطية.

والعاطل لا يستطيع أن يعيش على خطاب الحقوق.

والمواطن الذي لا يجد الماء أو الدواء أو النقل لا يستطيع أن يرى الدولة من خلال الدستور فقط.

لذلك يجب أن يكون البديل الديمقراطي أيضًا مشروعًا اجتماعيًا واقتصاديًا.

مشروعًا يعيد توزيع الفرص بين الجهات، ويدعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، ويعالج الاقتصاد الموازي بالإدماج لا بالعقاب فقط، ويعيد بناء المؤسسات العمومية على أساس الكفاءة والشفافية، ويستثمر في الماء والطاقة والغذاء، ويعيد للجامعة والتعليم المهني وظيفتهما الاقتصادية، ويجعل من الجهات الداخلية شريكًا في التنمية لا مجرد خزان انتخابي.

الديمقراطية التي لا تحقق العدالة الاجتماعية تصبح ضعيفة.

والعدالة الاجتماعية التي لا تحميها الديمقراطية تصبح قابلة للمصادرة.

ولهذا فإن المعركة ليست بين الخبز والحرية.

المعركة هي من أجل الخبز والحرية والكرامة معًا.

ومن هنا أيضًا يجب أن تنتقل المعارضة من موقع الاحتجاج إلى موقع الاستعداد للحكم.

لماذا لا توجد حكومة ظل وطنية تقدم للمواطن كل أسبوع مشروعًا بديلًا؟ لماذا لا توجد ميزانية بديلة؟ لماذا لا يوجد فريق يقدم تصورًا لإصلاح الصحة والتعليم والنقل والطاقة والفلاحة؟ لماذا لا يرى المواطن أمامه نموذجًا مصغرًا لما ستكون عليه الدولة إذا تغيرت السلطة؟

حينها فقط يمكن أن يتحول السؤال من "من ضد السلطة؟" إلى "من يستطيع أن يحكم أفضل؟"

وهذا هو الامتحان الحقيقي.

فالسلطة تستطيع أن تقول إنها تحقق الاستقرار.

وعلى خصومها أن يقولوا: نحن نستطيع تحقيق الاستقرار والحرية معًا.

السلطة تستطيع أن تقول إنها تحارب الفساد.

وعلى خصومها أن يقدموا نظامًا مؤسساتيًا يمنع الفساد، لا حملة ظرفية ضده.

السلطة تستطيع أن تقول إنها تحمي الدولة.

وعلى خصومها أن يثبتوا أنهم قادرون على بناء دولة أقوى من الأشخاص.

وهنا يتحول الصراع من صراع شعارات إلى صراع مشاريع.

وهذه هي اللحظة التي تحتاج فيها تونس إلى نخبة جديدة، أو إلى ثورة داخل النخبة القديمة نفسها.

نخبة لا تعبد الماضي.

ولا تقدس الأشخاص.

ولا تجعل المعتقلين مجرد رموز للاستثمار السياسي.

ولا تجعل الديمقراطية مجرد شعار انتخابي.

ولا تجعل الاتحاد دولة داخل الدولة.

ولا تجعل المجتمع المدني تابعًا للمعارضة.

ولا تجعل السلطة عدوًا أبديًا لا يمكن التفاوض معه، ولا شريكًا يمكن التنازل له عن كل شيء.

نخبة تعرف أن السياسة ليست أخلاقًا فقط، وليست براعة في الخطاب فقط، وإنما قدرة على تحويل القيم إلى مؤسسات، والمبادئ إلى سياسات، والأفكار إلى قوة اجتماعية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لتونس هو أن يسقط المستبد ويبقى الاستبداد.

أن يتغير اسم الحاكم وتبقى عقلية الحاكم.

أن تتغير الحكومة وتبقى الدولة ملكًا لمن يحكم.

أن ننتصر في الانتخابات ونخسر الجمهورية.

وهذا هو السبب الذي يجعل المعركة الحقيقية اليوم أعمق من الصراع على السلطة.

إنها معركة على تعريف الدولة نفسها.

هل الدولة ملك للحاكم؟

أم أن الحاكم ملك للدولة؟

هل المواطن تابع؟

أم أنه صاحب السيادة؟

هل الحرية منحة؟

أم حق؟

هل القضاء أداة؟

أم سلطة؟

هل المعارضة مجرد قوة تنتظر دورها في الحكم؟

أم قوة مسؤولة عن بناء نظام يمنع كل حاكم من التحول إلى مستبد؟

هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تستيقظ فيها النخب.

لأن التاريخ لا يسأل المثقف فقط: ماذا كنت تعرف؟

بل يسأله: ماذا فعلت بما كنت تعرف؟

ولا يسأل السياسي فقط: ماذا قلت؟

بل يسأله: ماذا بنيت؟

ولا يسأل الحقوقي فقط: كم انتهاكًا وثقت؟

بل يسأله: كم مؤسسة ساهمت في بنائها كي لا يتكرر الانتهاك؟

ولا يسأل النقابي فقط: كم زيادة حصلت عليها؟

بل يسأله: أي مجتمع ساهمت في بنائه؟

ولا يسأل الشباب فقط: لماذا لم تشاركوا؟

بل يسأل النخب: لماذا تركتم السياسة لهم؟

وهنا يجب أن ينتهي زمن النخبة التي تنتظر أن يفتح لها التاريخ الباب.

التاريخ لا يفتح أبوابه للمنتظرين.

إنه يُفتح لمن يطرقونه.

وتونس لا تحتاج اليوم إلى مزيد من البيانات، ولا إلى مزيد من المؤتمرات، ولا إلى مزيد من الندوات التي تتحدث عن الأزمة ثم تعود إلى البيت.

تحتاج إلى مشروع.

مشروع يخرج من رحم المجتمع، لا من غرف الأحزاب وحدها.

مشروع يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن.

مشروع يضمن الحرية دون أن يترك الدولة ضعيفة.

ويضمن الدولة دون أن يحولها إلى سجن.

مشروعًا يحرر السياسة من الشخصنة، والقضاء من التبعية، والاقتصاد من الريع، والمجتمع من الخوف، والشباب من التهميش.

عندها فقط يصبح الدفاع عن المعتقل السياسي جزءًا من مشروع أكبر: مشروع تونس التي لا تنتج معتقلين سياسيين.

وعندها يصبح الدفاع عن القضاء جزءًا من مشروع أكبر: مشروع دولة لا يستطيع الحاكم أن يأمرها بمن يسجن ومن يطلق.

ويصبح الحوار الوطني جزءًا من مشروع أكبر: مشروع عقد اجتماعي وسياسي جديد.

ويصبح دور الاتحاد جزءًا من مشروع أكبر: مشروع عدالة اجتماعية لا وصاية نقابية على الدولة.

ويصبح دور النخبة نفسها جزءًا من مشروع أكبر: إعادة الإنسان التونسي إلى موقع الفاعل في التاريخ.

وهذا هو الاختبار.

فإما أن تتحول النخب من شهود إلى فاعلين، ومن مدافعين عن الماضي إلى صانعي مستقبل، ومن أصحاب بيانات إلى أصحاب مشاريع، وإما أن تبقى واقفة على هامش التاريخ تعدّ خسائرها وتنتظر أن يسقط النظام لكي تبدأ التفكير.

لكن التاريخ لا ينتظر.

والشعوب لا تنتظر طويلًا.

وحين تعجز النخب عن إنتاج البديل، قد يأتي البديل من خارجها، وقد يأتي بصورة أكثر فوضوية، وقد يدفع المجتمع مرة أخرى ثمن عجزها.

لذلك فإن السؤال اليوم ليس: متى يسقط الاستبداد؟

السؤال الأكثر أهمية هو:

ماذا أعددنا لليوم الذي يسقط فيه؟

فإذا لم نملك جوابًا، فإن سقوط المستبد لن يكون نهاية الاستبداد.

أما إذا امتلكنا مشروعًا، وتنظيمًا، ووعيًا، وقوة اجتماعية قادرة على حمايته، فحينها فقط يمكن أن تتحول الأزمة التونسية من مأساة سياسية إلى لحظة تأسيس.

وحينها فقط يمكن أن نقول إننا لم نكن مجرد شهود على التاريخ.

بل كنا، أخيرًا، فاعلين فيه.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال