بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تونس و سؤال الدولة: من يملك السلطة و من يملك القدرة على الحكم؟؟.

2026-09-10 310 قراءة مقالات رأي عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تونس و سؤال الدولة: من يملك السلطة و من يملك القدرة على الحكم؟؟.
ليست تونس اليوم أمام أزمة برلمان بالمعنى الضيق ولا أمام أزمة حكومة ولا أمام أزمة رئاسة ولا حتى أمام أزمة مالية يمكن اختزالها في أرقام العجز والدين وخدمة الدين.
كل هذه ليست سوى وجوه مختلفة لأزمة أعمق وأشد خطورة هي أزمة الدولة القابلة للحكم.
فالدولة القابلة للحكم ليست الدولة التي تمتلك أكبر عدد من المؤسسات ولا الدولة التي تكثر فيها القوانين والمراسيم والهياكل ولا الدولة التي تستطيع إصدار الأوامر بسرعة وإنما الدولة التي تعرف ماذا تريد ومن يقرر ومن ينفذ ومن يحاسب وكيف تقيس النتائج وكيف تصحح الأخطاء قبل أن تتحول إلى كوارث.
إنها الدولة التي تستطيع تحويل الإرادة السياسية إلى قرار والقرار إلى تنفيذ والتنفيذ إلى إنتاج والإنتاج إلى ثروة والثروة إلى قوة اقتصادية واجتماعية والقوة إلى سيادة حقيقية.

ولفهم حجم المأزق التونسي يكفي أن نضع أمام أعيننا بعض الأرقام التي تبدو في ظاهرها مالية لكنها في حقيقتها سياسية واقتصادية وسيادية.
تبلغ ميزانية الدولة التونسية لسنة 2026 نحو 79 مليار دينار فيما يبلغ الدين العمومي 156 مليار دينار أي ما يعادل 83 % من الناتج الداخلي الخام.
وتبلغ خدمة الدين وحدها 23 مليار دينار في حين لا تتجاوز نفقات التجهيز 12 مليار دينار.
وهذا يعني أن الدولة تنفق في سنة واحدة على خدمة دينها ما يقارب ضعف ما تخصصه للاستثمار والتجهيز.
وفي الوقت نفسه تبلغ نفقات الأجور العمومية نحو 25 مليار دينار.
هذه الأرقام لا تعني أن الموظف العمومي هو المشكلة ولا أن الدولة تنفق أكثر مما ينبغي على أجورها بالضرورة لكنها تكشف اختلالا أعمق في بنية المالية العامة حيث يزداد ثقل المحافظة على الجهاز القائم بينما تضيق الموارد المتاحة لبناء قدرة جديدة على الإنتاج.

حين تصل خدمة الدين إلى 23 مليار دينار في سنة واحدة يصبح الدين أكثر من مسألة محاسبية.
وحين يصل الدين العمومي إلى أكثر من 156 مليار دينار تصبح إدارة المالية العامة جزءا من مفهوم السيادة الوطنية. فالدولة التي تخصص جزءا متزايدا من مواردها لتسديد كلفة الماضي تكون أقل قدرة على تمويل المستقبل وكل دينار يذهب إلى خدمة الاختلالات المتراكمة هو دينار لا يذهب إلى مدرسة أفضل أو مستشفى أكثر كفاءة أو خط سكك حديدية جديد أو شبكة مياه أو ميناء أو مختبر أو منصة رقمية أو مشروع طاقة.
ليست المشكلة في الاقتراض باعتباره أداة اقتصادية وإنما في أن يتحول الاقتراض من وسيلة لتمويل الاستثمار إلى آلية مستمرة لتمويل العجز وتأجيل مواجهة الاختلالات البنيوية.

وتزداد الصورة قسوة عندما ننظر إلى سوق العمل.
فقد بلغ عدد العاطلين في الربع الثاني من سنة 2026 نحو 622 ألف شخص وبلغ معدل البطالة 15 % بينما وصلت بطالة الشباب بين 15 و24 سنة إلى 35 % وبلغت بطالة حاملي الشهادات العليا 26 %.
هذه الأرقام تطرح سؤالا يتجاوز البطالة نفسها.
ماذا تفعل الدولة بالإنسان الذي أنفقت سنوات في تعليمه وتكوينه ثم عجزت عن تحويل معرفته إلى إنتاج؟
ما معنى أن تنتج الجامعة شهادة لا تجد طريقها إلى الاقتصاد؟
وما معنى أن تخرج الدولة مهندسا أو طبيبا أو خبيرا في التكنولوجيا ثم يصبح أفضل خيار متاح أمامه هو البحث عن مستقبله خارج البلاد؟

المشكلة هنا ليست أن تونس تفتقر إلى الإنسان بل إنها لا تزال عاجزة عن تحويل الإنسان إلى قدرة اقتصادية وهذا فرق هائل.
الثروة الحقيقية للدول الحديثة لا تقاس فقط بما تستخرج من الأرض وإنما بما تستطيع أن تنتجه من المعرفة والتكنولوجيا والإنتاجية.
الدولة التي تفشل في تحويل التعليم إلى مهارة والمهارة إلى إنتاج والإنتاج إلى قيمة مضافة تتحمل مسؤولية جزء من بطالتها حتى عندما يكون الاقتصاد العالمي صعبا.

وفي الوقت نفسه بلغ التضخم في أوت 2026 نحو 5.4 % بينما ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 7.5 % على أساس سنوي. لكن المتوسط العام يخفي ضغطا أكبر على بعض المواد الأساسية فقد ارتفعت أسعار الدواجن بنحو 16.5 % واللحوم الضأن بنحو 14.7 % والفواكه بنحو 14.4 % واللحوم الحمراء بنحو 13.6 % والأسماك الطازجة بنحو 10.9%. المواطن لا يعيش داخل معدل التضخم العام وإنما يعيش داخل سلة استهلاكه اليومية ولذلك فإن قراءة القدرة الشرائية من خلال رقم واحد لا تكفي لفهم ما يحدث للأسر.

ثم تأتي التجارة الخارجية لتكشف وجها آخر من الأزمة. خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026 بلغت صادرات تونس نحو 41 مليار دينار في حين بلغت الواردات 56 مليار دينار وهو ما أنتج عجزا تجاريا يقارب 15 مليار دينار خلال سبعة أشهر فقط.
أصبحت الفجوة بين ما تبيعه تونس للعالم وما تشتريه منه جزءا من المعادلة التي تحدد قدرة الاقتصاد على الحركة. والسؤال هنا ليس كيف نمنع الاستيراد بصورة عشوائية وإنما لماذا لا ننتج ما نستطيع إنتاجه ولماذا لا نرفع القيمة المضافة لما نصدره ولماذا لا تتحول الجغرافيا التونسية وموقعها المتوسطي إلى قوة صناعية ولوجستية تربط أوروبا بإفريقيا؟

هذه الأرقام ليست أزمات منفصلة بل أجزاء من نظام واحد. عجز تجاري يولد حاجة إلى العملة الصعبة والحاجة إلى العملة تضغط على التمويل والتمويل يرفع كلفة الدين وارتفاع خدمة الدين يضغط على الاستثمار وضعف الاستثمار يحد من الإنتاجية وضعف الإنتاجية يضعف القدرة التنافسية وضعف القدرة التنافسية يعمق العجز الخارجي.
وهكذا تتحول المشكلة من عجز مالي أو تجاري إلى حلقة اقتصادية مغلقة.

من هنا يصبح اختزال الأزمة التونسية في البرلمان خطأ استراتيجيا.
البرلمان جزء من معادلة الحكم لكنه ليس المعادلة كلها. الحكومة جزء منها والإدارة جزء منها والمؤسسات العمومية جزء منها والنظام الجبائي والتعليم والاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية كلها أجزاء من منظومة واحدة.
لكن ما يجمع هذه العناصر هو هل تستطيع الدولة أن تحول السلطة إلى نتائج؟

أعاد دستور 2022 ترتيب العلاقة بين مؤسسات السلطة ومنح رئاسة الجمهورية موقعا مركزيا في رسم التوجهات العامة للدولة كما أعاد تنظيم الوظيفة التشريعية بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم.
لكن النقاش السياسي التونسي كثيرا ما بقي أسيرا لسؤال توزيع الصلاحيات بينما السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه هو ماذا نفعل بهذه الصلاحيات؟
القوة السياسية لا تصبح قيمة وطنية إلا عندما تتحول إلى قدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه ومحاسبة المسؤول عنه.

السلطة التي لا تقاس نتائجها تتحول إلى امتياز والمسؤولية التي لا تقترن بصلاحية تتحول إلى عبء والصلاحية التي لا تقابلها رقابة تتحول إلى مصدر خطر والإنفاق الذي لا يرتبط بهدف يتحول إلى استنزاف.
هذه هي المعادلة التي يجب أن يعاد بناء الدولة التونسية حولها.

البرلمان الذي تحتاجه تونس ليس برلمانا يكتفي بإنتاج القوانين وإنما برلمان ينتج المعرفة التي تسمح بإنتاج قوانين أفضل.
عندما يصوت النائب على قانون له أثر مالي يجب أن يعرف تكلفته وعندما يناقش مشروع استثماري يجب أن يعرف عدد الوظائف التي سيخلقها وحجم القيمة المضافة التي يمكن أن ينتجها والكلفة الجبائية التي قد يتحملها المجتمع مقابله. وعندما تناقش لجنة برلمانية أزمة مؤسسة عمومية يجب أن تعرف أين ذهبت الأموال وما الذي أنتجته المؤسسة وما سبب خسائرها وما تكلفة إصلاحها وما البدائل الممكنة.

لا يمكن للبرلمان الحديث أن يعمل بعقلية المعلومات الجزئية. الدول الحديثة تحكمها البيانات ومن لا يملك القدرة على تحليل البيانات يصبح تابعا لمن يملكها.

لذلك تحتاج المؤسسة التشريعية إلى قدرة دائمة على تقييم السياسات العمومية وتحليل الميزانية ودراسة الأثر الاقتصادي والاجتماعي للقوانين ومتابعة تنفيذ المشاريع وقياس نتائج البرامج الحكومية.
ليس المطلوب أن يتحول البرلمان إلى حكومة ثانية بل أن يصبح أكثر قدرة على ممارسة وظيفته الأصلية على أساس المعرفة لا الانطباع.

والأمر نفسه ينطبق على الإدارة فتونس لا تحتاج إلى حرب على الموظفين وإنما تحتاج إلى حرب على نظام إداري يمكن أن يسمح للمؤسسة بأن تحافظ على وجودها حتى عندما لا تحقق النتائج المطلوبة.
هناك فرق بين حماية الموظف الذي يعمل وبين حماية البيروقراطية التي تعيش على الإجراء.
وحين تصبح الرخصة والمعلومة والإمضاء والملف والآجال مصادر قوة غير قابلة للتتبع فإن الإدارة تتحول من أداة لخدمة الدولة إلى سلطة قائمة بذاتها.

المؤسسة العمومية ليست ملكا لمن يعمل فيها كما أن الوزارة ليست ملكا لإطاراتها والإدارة ليست ملكا للبيروقراطية.
كل هذه مؤسسات تابعة للدولة والمجتمع وتمويلها من المال العام يجعلها خاضعة لمنطق المصلحة العامة والأداء.

ولهذا يجب أن تصبح المؤسسة العمومية مرتبطة بعقد أداء واضح يحدد أهدافها وكلفتها وجودة خدماتها وإنتاجيتها وآجالها ومسؤوليات إدارتها.
ولا ينبغي أن تكون الخوصصة عقيدة كما لا ينبغي أن تكون الملكية العمومية عقيدة.
السؤال الوحيد هو أي نموذج يحقق أعلى قيمة اقتصادية واجتماعية ويحافظ على المصالح الاستراتيجية للدولة.

إالدولة الذكية لا تبيع أصولها لأنها عاجزة عن إدارتها ولا تحتفظ بها لأنها تخشى الإصلاح بل تختار النموذج الذي يخدم المصلحة الوطنية.

أما الميزانية فيجب أن تتحول من وثيقة لتوزيع الاعتمادات إلى عقد وطني للنتائج.
الرقم الكبير ليس نجاحا في ذاته والإنفاق ليس إنجازا في ذاته فالإنجاز هو ما ينتج عن الإنفاق.
إذا أنفقت الدولة مليار دينار على مشروع فيجب أن يعرف المجتمع ماذا حصل مقابل المليار وإذا خصصت مئات الملايين لمؤسسة عمومية فيجب أن يكون واضحا ما الذي تنتجه هذه المؤسسة للمجتمع وإذا أنفقت الدولة مليارات على التعليم فيجب أن يكون السؤال عن جودة رأس المال البشري الذي أنتجه التعليم لا فقط عن عدد المؤسسات والشهادات.

وهنا ينبغي أن يصبح الزمن نفسه مؤشرا اقتصاديا فالتأخير الإداري ليس مسألة بيروقراطية فقط.
عندما ينتظر مشروع استثماري أشهرا للحصول على ترخيص فإن الاقتصاد يخسر استثمارا ووظائف وإيرادات.
وعندما يتأخر مشروع بنية تحتية سنوات فإن الدولة لا تخسر وقتا فقط بل تخسر قيمة اقتصادية كان يمكن أن ينتجها المشروع.

الدولة التي تهدر وقت مواطنيها تهدر جزءا من ثروتها.

ولهذا يجب أن يكون لكل إجراء إداري أجل واضح ولكل مشروع تاريخ بداية ونهاية ولكل مسؤول أهداف قابلة للقياس ولكل إخفاق تفسير ومساءلة.

ثم تأتي السيادة وهي الكلمة التي يجب أن تتحرر من الاستعمال الخطابي.
السيادة في القرن الحادي والعشرين ليست فقط حماية الحدود.
السيادة هي الماء والغذاء والطاقة والدواء والتكنولوجيا والبيانات والموانئ والسكك الحديدية والاتصالات وسلاسل التوريد.
الدولة التي تعتمد بصورة مفرطة على الخارج في عناصرها الاستراتيجية تكون قابلة للضغط مهما كانت قوة خطابها السياسي.

السيادة ليست القدرة على قول لا فقط بل القدرة على تحمل كلفة قول لا.

والاستقلال ليس الانغلاق وإنما امتلاك البدائل.

من هنا يجب أن تصبح السياسة المائية والطاقة والأمن الغذائي والدوائي والأمن السيبراني والنقل الاستراتيجي جزءا من تصور موحد للأمن الوطني.
فحين ينقطع الماء أو ترتفع كلفة الطاقة أو تضطرب سلاسل الدواء أو تتعطل الموانئ أو تصبح البيانات الحساسة خارج السيطرة الوطنية فإن المسألة لا تعود قطاعية بل تصبح مسألة سيادة.

وتونس تملك فرصة استراتيجية لا تزال أقل من إمكاناتها. موقعها في قلب المتوسط وقربها من السوق الأوروبية وامتدادها الإفريقي ورأس مالها البشري وقدرتها الصناعية وطاقتها الشمسية وقطاعها الفلاحي والسياحي يمكن أن تجعل منها منصة إنتاج ولوجستيك وتكنولوجيا بين أوروبا وإفريقيا لكن الجغرافيا لا تنتج الثروة وحدها.
الموقع يصبح قوة عندما تملك الدولة موانئ فعالة وسككا حديثة وطاقة تنافسيةومناطق صناعية حقيقية وإدارة سريعة وقضاء اقتصاديا فعالا وجامعات مرتبطة بالإنتاج.

وإلا بقي الموقع مجرد وعد جغرافي.

والاقتصاد التونسي يحتاج إلى الانتقال من عقلية الاستهلاك إلى عقلية الإنتاج.
ليس المقصود إغلاق الحدود أو إعلان الحرب على الواردات وإنما بناء قدرة محلية في القطاعات التي تستطيع تونس أن تنافس فيها ورفع القيمة المضافة في القطاعات التي تصدر فيها وربط الاستثمار المحلي والأجنبي بسلاسل إنتاج حقيقية لا بمجرد نشاط تجاري قصير الأجل.

إن كل دينار يتم توفيره عبر رفع الإنتاجية لا يقل أهمية عن دينار يتم جمعه من الضرائب.

وكل مؤسسة تصدر سلعة ذات قيمة مضافة أعلى من المواد الأولية التي تستوردها تمثل جزءا من السيادة.

وكل مهندس يتحول من عاطل إلى منتج يمثل ثروة وطنية.

وكل بحث علمي يتحول إلى تكنولوجيا يمثل استثمارا في المستقبل.

ولهذا يجب أن تتغير فلسفة التعليم نفسها.
إذا بلغت بطالة حاملي الشهادات العليا 26.6 % فإن المشكلة ليست في أن الشباب درس كثيرا بل في أن الاقتصاد لم يستطع استيعاب المعرفة وتحويلها إلى قيمة.
لا يمكن بناء اقتصاد القرن الحادي والعشرين بعقلية تقيس نجاح التعليم بعدد الشهادات فقط.

نحتاج إلى مهندسين وعلماء وأطباء ومبرمجين وخبراء بيانات وأمن سيبراني وطاقة ومياه وصناعة متقدمة بقدر حاجتنا إلى القانونيين والإداريين.
الدولة الحديثة لا يمكن أن يديرها تخصص واحد لأن الاقتصاد والتكنولوجيا والمناخ والطاقة والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد أصبحت جميعها جزءا من السياسة الوطنية.

وتونس التي أنفقت سنوات طويلة في تكوين كفاءاتها يجب ألا تتعامل مع هجرة الكفاءات بوصفها قدرا محتوما.
استعادة الخبرات التونسية في الخارج يجب أن تتحول إلى سياسة اقتصادية واستراتيجية عبر إشراك الكفاءات في مشاريع البحث والإنتاج والتعليم والاستثمار ونقل التكنولوجيا.

إن استعادة العقل التونسي ليست عملا عاطفيا بل استرداد لرأس مال وطني.

وهنا يتضح معنى الإصلاح الحقيقي فتونس لا تحتاج إلى تغيير الأشخاص فقط بل إلى تغيير الطريقة التي تعمل بها الدولة لأن تغيير الوزير مع بقاء طريقة اتخاذ القرار نفسها لا يغير الدولة وتغيير الحكومة مع بقاء الإدارة على القواعد نفسها لا يغير الدولة وتغيير البرلمان دون تغيير أدوات المعرفة والرقابة لا يغير الدولة وتغيير القانون دون تغيير القدرة على تطبيقه لا يغير الدولة.

إن تغيير الأشخاص دون تغيير النظام الذي ينتج القرار هو إعادة تدوير للأزمة.

ولهذا يجب أن يصبح لكل سياسة وطنية هدف رقمي واضح ولكل مشروع مسؤول مباشر ولكل إنفاق مؤشر أداء ولكل مؤسسة عمومية عقد نتائج ولكل قانون تقييم لاحق ولكل استراتيجية أفق زمني يمتد إلى ما بعد الدورة السياسية القصيرة.

تحتاج تونس إلى عقد وطني للأداء يمتد إلى 2035 على الأقل، يحدد أهدافا قابلة للقياس في النمو والتشغيل والصادرات والدين والاستثمار والطاقة والماء والصحة والتعليم والنقل والرقمنة والإنتاجية.
ويجب أن تكون هذه الأهداف موضوع متابعة سنوية علنية حتى يعرف المواطن ما الذي تحقق وما الذي لم يتحقق ولماذا.

الدولة التي لا تقيس نفسها لا تستطيع أن تعرف إن كانت تتقدم أم تدور حول نفسها.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة ،تونس ليست بلدا بلا إمكانات. هي بلد يعاني من ضعف تركيب إمكاناته لديها الإنسان لكنها لا تزال تكافح لتحويله إلى إنتاج و لديها الموقع لكنها لم تحول موقعها بالكامل إلى قوة لوجستية و لديها الجامعة لكنها لم تربطها بما يكفي بالاقتصاد و لديها مؤسسات عمومية لكنها لم تحسم دائما علاقتها بالأداء و لديها إدارة لكنها لم تحررها بالكامل من البيروقراطية و لديها موارد لكنها تعاني من سوء توزيعها واستعمالها و لديها سيادة سياسية لكنها تحتاج إلى تعميق السيادة الاقتصادية والتكنولوجية.

وهنا يلتقي التفكير الحضاري بفكر الدولة الحديثة.
ليست المشكلة دائما في ندرة العناصر بل في غياب المنظومة التي تجعل الإنسان والفكرة والزمن والمادة تعمل معا.
النهضة لا تبدأ عندما نملك أكثر وإنما عندما نحسن تركيب ما نملك.

ولهذا فإن مشروع الدولة التونسية يجب أن يقوم على انتقال تاريخي من دولة الإنفاق إلى دولة الإنتاج ومن دولة الإجراءات إلى دولة النتائج ومن دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات ومن دولة رد الفعل إلى دولة الاستباق ومن السيادة الخطابية إلى السيادة الاقتصادية والتكنولوجية.

عندها فقط يصبح البرلمان أقوى لا لأنه وسع نفوذه وإنما لأنه أصبح أكثر معرفة.

وتصبح الحكومة أكثر فاعلية لا لأنها تملك سلطة أكبر وإنما لأنها أصبحت قابلة للقياس.

وتصبح الإدارة أكثر احتراما لا لأنها تحمي نفسها وإنما لأنها تنتج خدمة عامة ذات قيمة.
وتصبح المؤسسات العمومية أكثر شرعية لا لأنها مملوكة للدولة وإنما لأنها تخدم الدولة والمجتمع.
ويصبح المواطن أكثر ثقة لا لأن أحدا طلب منه أن يثق وإنما لأنه يرى النتيجة.
هذه هي الدولة التي تحتاجها تونس.

دولة لا تقيس نجاحها بعدد القوانين بل بعدد المشكلات التي حلتها.
لا تقيس الإدارة بعدد الموظفين بل بالقيمة التي تنتجها.
لا تقيس الاستثمار بعدد الوعود بل بعدد المشاريع التي دخلت الإنتاج.
لا تقيس التعليم بعدد الشهادات بل بالمهارات التي يصنعها.
لا تقيس السيادة بعدد الخطب بل بعدد الخيارات التي تستطيع الدفاع عنها.

الأرقام التي أمامنا ليست مجرد مؤشرات اقتصادية بل إنذار استراتيجي.
دين عمومي يتجاوز 156 مليار دينار و خدمة دين تتجاوز 23 مليار دينار و كتلة أجور تفوق 25 مليار دينار و نفقات تجهيز لا تتجاوز 12 مليار دينار و بطالة 14.9 %
و بطالة شباب عند 35.4 % و بطالة حاملي شهادات عليا عند 26.6 %و تضخم عند 5.4 % وارتفاع غذائي عند 7.5 %وعجز تجاري يقارب 15 مليار دينار خلال سبعة أشهر.

هذه ليست أرقاما منفصلة بل صورة واحدة لدولة تحتاج إلى إعادة بناء قدرتها على الفعل.

ولذلك فإن السؤال التاريخي الذي يجب أن يخرج من البرلمان والحكومة والجامعة والإدارة والمجتمع ليس من يحكم تونس وإنما كيف تحكم تونس نفسها.

فالدولة القوية ليست التي تخيف مواطنيها بل التي تحميهم بالقانون وليست التي تنفق أكثر بل التي تنتج أكثر مما تنفق.

وليست التي تصدر قوانين أكثر، بل التي تجعل قوانينها تعمل وليست التي تملك مؤسسات أكثر بل التي تجعل مؤسساتها تنتج.

وليست التي ترفع شعار السيادة أكثر بل التي تملك من الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا ما يجعل سيادتها قابلة للدفاع.

المعجزة التونسية إذا كانت ممكنة لن تأتي من اكتشاف ثروة مخفية في باطن الأرض ولا من انتظار رجل استثنائي ينقذ البلاد ولا من إعادة تدوير الصراعات نفسها بين المؤسسات والأحزاب والأشخاص.

قد تبدأ المعجزة من شيء أكثر تواضعا وأكثر عمقا بأن تتعلم الدولة كيف تعمل و أن يصبح القرار أسرع والإنفاق أذكى والتشريع أدق والرقابة أقوى والإدارة أكثر كفاءة والتعليم أكثر اتصالا بالإنتاج والاقتصاد أكثر قدرة على التصدير والسيادة أكثر ارتباطا بالمعرفة والطاقة والغذاء والدواء والتكنولوجيا.

عندها فقط يمكن أن تنتقل تونس من إدارة أزمتها إلى صناعة مستقبلها.
فالمعركة ليست معركة من يجلس على الكرسي.
المعركة هي ما الذي تستطيع الدولة أن تفعله وهي تملك السلطة وليست المعركة من يحكم تونس.

المعركة الحقيقية هي هل تستطيع تونس أن تحكم نفسها.
والإجابة لن يكتبها الخطاب السياسي.
سيكتبها الاقتصاد وتكتبها الإدارة ويكتبها التعليم ويكتبها الاستثمار وتكتبها المؤسسات وفي النهاية ستكتبها الأرقام.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال