بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المعارضة بين إسقاط السلطة و بناء الدولة

2026-09-09 192 قراءة مقالات رأي عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
المعارضة بين إسقاط السلطة و بناء الدولة
هناك سؤال يجب ان يخرج من منطقة المجاملة السياسية وان يوضع في قلب النقاش التونسي بلا خوف ولا تلطيف
اذا كانت المعارضة تريد تغيير السلطة فماذا ستفعل بتونس في اليوم التالي؟

هذا هو السؤال الذي تهرب منه المعارضة منذ سنوات كما تهربت منه قطاعات واسعة من النخبة السياسية والفكرية. فمعارضة السلطة حق سياسي وانتقاد الرئيس حق والمطالبة بتغيير الدستور والقانون الانتخابي وتركيبة المؤسسات القضائية والهيئة الانتخابية حق مشروع ورفض الانغلاق السياسي وغياب الحوار يمكن ان يكون نقدا صحيحا وضروريا لكن كل ذلك لا يصنع وحده بديلا للحكم.

المشكلة ان تونس تكاد تعيش مفارقة سياسية كاملة
لدينا من يملك من الاسباب ما يكفي لمعارضة السلطة لكننا لا نرى بالوضوح نفسه من يملك مشروعا متكاملا لادارة الدولة.

لا يمكن اختزال المعارضة كلها في جماعة تبحث عن العودة الى الحكم والامتيازات والغنائم فهذا تعميم لا يثبت بالارقام ولا بالوقائع ،وفي المعارضة تونسيون شرفاء واصحاب كفاءة واصحاب قناعات حقيقية لكن لا يمكن ايضا تجاهل ان جزءا كبيرا من الخطاب المعارض ما زال اسير سؤال واحد هو
كيف نستعيد السلطة؟
بينما السؤال الذي ينتظره التونسي هو ماذا ستفعلون بها اذا استعدتموها؟
هنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

قل لي كيف ستعيد بناء الاقتصاد لا كيف ستسقط الحكومة. قل لي كيف ستخلق الثروة لا كيف ستعيد توزيع المناصب. قل لي كيف ستصلح المؤسسات العمومية والديوانة والجباية والادارة والقضاء التجاري والتعليم والصحة والطاقة والمياه والنقل والتجارة الخارجية لا كيف ستعيد فتح المعارك القديمة.
قل لي كيف ستجعل الدينار اكثر صلابة والصادرات اكثر قدرة على المنافسة والاستثمار اكثر جاذبية والشباب اكثر املا ثم قل لي بعد ذلك من سيحكم.

تونس ليست مختبرا للشعارات.
نحن نتحدث عن اقتصاد نما بنسبة 2.5 % فقط خلال سنة 2025 وعن بطالة بلغت 14.9 % في الثلاثي الثاني من 2026 وعن بطالة لدى الشباب بين 15 و24 سنة بلغت 35.4 % وعن بطالة لدى حاملي الشهائد العليا بلغت 26.6 %.
وفي الفترة نفسها بلغ التضخم 5.4 % في اوت 2026.
هذه ليست ارقاما في تقرير اداري بل هي المادة الخام للغضب الاجتماعي والسياسي في تونس.
فماذا تقول المعارضة لهذه الارقام؟

لا نريد خطبة عن الديمقراطية بل نريد نموذجا اقتصاديا.

كيف ستخفض البطالة؟ وبأي قطاعات؟ وبأي استثمارات؟ وبأي تمويل؟ وما هي الصناعات التي ستبنيها تونس؟
وما هي الاسواق التي ستدخلها؟ وكيف سترفع القيمة المضافة للتصدير؟ وكيف ستعالج العجز التجاري؟
وكيف ستواجه فاتورة الطاقة؟ وكيف ستصلح المؤسسات العمومية من دون تحويلها الى ملكيات حزبية او نقابية او عائلية؟ وكيف ستمنع الدولة من العودة الى سياسة التوظيف السياسي كلما اقترب موعد انتخابي؟

من يملك الاجابة فليخرج بها الى الناس.
ومن لا يملكها فليتوقف عن تقديم نفسه باعتباره حكومة جاهزة.

الحزب السياسي في القرن 21 ليس لافتة ومقرا ومؤتمرا وتصريحات على شاشات التلفزيون.
الحزب الحقيقي هو مؤسسة لانتاج السياسات العامة
لديه اقتصاديون يدرسون المالية العمومية وقانونيون يصيغون النصوص ومهندسون يدرسون الطاقة والمياه والنقل وخبراء في التجارة الدولية ومتخصصون في الادارة الرقمية وباحثون في التعليم والصحة ومراكز دراسات تنتج سيناريوهات ومدرسة سياسية تخرج جيلا جديدا من رجال الدولة.

اما الحزب الذي لا ينتج الا البيانات ولا يتحرك الا في مواسم الاحتجاج والانتخابات ولا يملك ورقة سياسات متكاملة ولا ميزانية بديلة ولا تصورا لتوزيع الموارد ولا خريطة طريق تشريعية ولا اجابة عن كيفية تنفيذ وعوده فهو ليس بديلا للحكم مهما كان صوته مرتفعا.

الدولة لا تحكم بالصراخ بل تحكم بالمعرفة والقدرة والمؤسسات والارقام.

وهنا نصل الى الكارثة الفكرية الاكبر فجزء معتبر من المشهد السياسي التونسي ما زال يتصرف وكأن العالم توقف عند القرن العشرين.
تيارات تعيد انتاج الماركسية والستالينية بصيغ مختلفة واخرى تستنسخ ليبرالية اقتصادية عمياء لا ترى في المجتمع سوى ارقام للنمو والسوق وبينهما تيارات تعيش على قاموس ايديولوجي انتهى زمنه من دون ان تنتج بديلا معاصرا.

لكن تونس لا تحتاج الى ستالينية جديدة ولا الى رأسمالية متوحشة ولا الى اشتراكية شعاراتية ولا الى ليبرالية بلا مجتمع.

تونس تحتاج الى دولة حديثة ذات اقتصاد منتج وسوق تنافسية وادارة فعالة وعدالة اجتماعية قابلة للتمويل ومؤسسات عمومية تخضع للحوكمة والمحاسبة ونظام ضريبي عادل وقضاء سريع وموثوق وتعليم مرتبط بالاقتصاد وسياسة صناعية واضحة واستراتيجية امن غذائي ومائي وطاقي ودبلوماسية اقتصادية هجومية وحماية اجتماعية موجهة الى مستحقيها لا الى شبكات النفوذ.

نحن لا نحتاج الى استيراد ايديولوجيا بل نحتاج الى صناعة سياسة ولا يمكن بناء هذه السياسة من دون عقل سياسي جديد.

اين مراكز الدراسات التابعة للاحزاب؟
اين فرق البحث التي تشتغل خمس سنوات على ملف المياه والطاقة والامن الغذائي؟
اين الدراسات التي تقارن بين التجارب الاسيوية والاوروبيـة والمتوسطية؟ اين السيناريوهات البديلة للموازنة؟
اين مشروع اصلاح الادارة؟ اين تصورهم لرقمنة الدولة؟
اين مخطط اعادة هيكلة المؤسسات العمومية؟
اين الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي؟
اين سياسة جذب الكفاءات التونسية في الخارج؟
اين مشروع التعامل مع افريقيا؟ اين تصورهم للعلاقة مع اوروبا؟ اين خطة الانتقال الطاقي؟

واين الشباب والطلبة في كل هذا؟
لا يمكن لحزب ان يدعي انه يمثل المستقبل بينما لا يملك حضورا فكريا وتنظيميا حقيقيا داخل الجامعات ولا ينتج نخبا شابة ولا يصنع مفكرين جدد ولا يفتح مختبراته السياسية امام جيل لم يعد يعيش صراعات الحرب الباردة ولا يرى العالم من خلال ثنائية اليمين واليسار القديمة.

الشاب التونسي الذي يدرس اليوم الهندسة او الاقتصاد او الذكاء الاصطناعي لا يريد ان يسمع محاضرة عن صراع ماركس ولينين مع الرأسمالية.
الشاب التونسي يريد ان يعرف اين سيعمل وكيف سيؤسس شركته وكيف سيجد تمويلا وكيف سيشتري مسكنا وكيف سيجد ماء وطاقة ونقلا عموميا محترما وكيف سيبني مستقبله في بلده بدل ان يحجز تذكرة هجرة.

وهنا تصبح المسألة اكبر من السلطة والمعارضة.
نحن امام ازمة انتاج سياسي.

السلطة مطالبة بان تثبت انها قادرة على الاصلاح لا فقط على ادارة الصراع والمعارضة مطالبة بان تثبت انها قادرة على الحكم لا فقط على معارضة الحاكم.
لا الرئيس فوق النقد ولا المعارضة فوق النقد.

واذا كانت المعارضة تعترض على الدستور الحالي فلتقدم مشروع دستور.
واذا كانت تعترض على القانون الانتخابي فلتقدم قانونا بديلا.
واذا كانت تعترض على القضاء فلتقدم تصورا مؤسسيا لاستقلاله ونجاعته.
واذا كانت تعترض على تركيبة هيئة الانتخابات فلتقدم نموذجا اكثر استقلالا وشفافية.
واذا كانت تعترض على غياب المحكمة الدستورية او اختلال الضمانات الدستورية فلتقدم صيغة قانونية قابلة للتطبيق لا مجرد شعار.
هكذا تكون السياسة.

اما ان تقول كل شيء فاسد ثم تطلب منا ان نسلمك الدولة فهذه ليست ثورة فكرية بل قفزة في المجهول.

والسلطة بدورها لا تستطيع الاحتماء بهذا الضعف المعارض لتبرير غياب الحوار فضعف البديل ليس رخصة لاغلاق المجال السياسي وغياب برنامج مقنع لدى المعارضة لا يسقط حقها في النقد والتنظيم والمشاركة.
الدولة القوية لا تخاف من المعارضة الضعيفة بل تفتح المجال حتى تنتج الحياة السياسية معارضة اقوى واكثر مسؤولية.
لكن الحوار نفسه يحتاج الى اعادة تعريف.

لا ينبغي ان يكون الحوار صفقة بين السلطة والنخب التي تريد استعادة مواقعها القديمة ولا تقاس شرعيته بوجود منظمة واحدة مهما كان تاريخها ودورها.
الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة وطنية كبرى وله تاريخ لا يمكن محوه لكن الحق النقابي مقدس اما القيادة النقابية فليست مقدسة مثلها مثل السلطة والاحزاب.
ومن حق المجتمع ان يسأل عن حصيلة الخيارات النقابية وعن كلفة الاتفاقات وعن اضرابات القطاعات وعن المؤسسات العمومية وعن العلاقة بين الدفاع عن حقوق العمال وبين حماية استمرارية الدولة والاقتصاد.

وفي المقابل لا يجوز تحويل نقد القيادة النقابية الى ذريعة لضرب الحق النقابي او الغاء الحوار الاجتماعي فالحل ليس في الغاء الحوار بل في توسيعه.
حوار لا يحتكره طرف واحد ولا تديره غرف مغلقة ولا يتحول الى توزيع امتيازات بل يجمع الدولة والمعارضة والمنظمات الاجتماعية والاقتصادية والخبراء والجامعات وممثلي القطاعات والشباب حول ملفات محددة بجدول زمني واضح ووثائق منشورة ودراسات اثر وكلفة مالية معلومة ومسؤوليات قابلة للمحاسبة.

نحتاج الى حوار اوسع من اتحاد الشغل واعمق من مجرد لقاءات سياسية واضيق من الفوضى.

ثم هناك المسألة التي لا يريد احد ان يضعها على الطاولة
لا يمكن تغيير النظام السياسي من دون معرفة كلفة الانتقال.

كل اضطراب سياسي طويل يرفع درجة المخاطر التي يراها المستثمر والدائن وشريك التجارة.
وكل غموض قانوني يرفع كلفة التمويل والتأمين.
وكل صراع مفتوح على المؤسسات يجعل الاستثمار اكثر حذرا ويضعف قدرة الاقتصاد على خلق وظائف جديدة
لذلك فالسيادة ليست فقط ان تقول نحن مستقلون.

السيادة قدرة ان تملك ماءك وطاقةك وغذاءك و ان تنتج وتصدر وان تمول دولتك و ان تحمي عملتك وان تملك قضاء يستطيع المستثمر والمواطن الوثوق به.

ان تمتلك ادارة تنجز المعاملة بدل ان تستهلك عمر المواطن و ان تستطيع الدولة ان تقول لشعبها لدينا مشروع ولدينا تمويل ولدينا مؤسسات ولدينا خطة تنفيذ.

اما السيادة التي تنتهي عند رفع الشعارات ثم تبدأ الدولة في البحث عن التمويل والقمح والطاقة والسوق الخارجية فليست سيادة مكتملة بل ارادة سياسية بلا قدرة مادية.

ولهذا فان معركة تونس الحقيقية ليست فقط معركة من يحكم.
انها معركة هل نستطيع ان ننتج دولة حديثة؟
اذا كان الجواب نعم فليتقدم من يريد الحكم ويكشف اوراقه و ليقدم برنامجه الاقتصادي كاملا لا في عشر صفحات دعائية بل في وثيقة سياسات عامة فيها الارقام والكلفة ومصادر التمويل والنتائج المنتظرة.
ليقدم برنامجه للتعليم و للصحة و للماء و للطاقة و للمؤسسات العمومية و للجباية و للديوانة و للقضاء و للتشغيل و للدبلوماسية والامن القومي.

وليقل للتونسي بوضوح ماذا سنفعل في اول مائة يوم؟
ماذا سنفعل في السنة الاولى؟
ماذا سننجز في خمس سنوات؟ وما الذي لن نستطيع فعله؟

عندها فقط يبدأ التنافس السياسي الحقيقي لان السياسة ليست ان تقول للتونسي انا ضد فلان.
السياسة ان تقول له انا اعرف ماذا سأفعل عندما اصبح مسؤولا واعرف كم سيكلف ذلك واعرف من سينفذه واعرف من سيحاسبني اذا فشلت.

هذه هي الدولة وهذا هو الفرق بين رجل سياسة ورجل دولة.

رجل السياسة يريد الوصول الى السلطة اما رجل الدولة فيعرف ماذا سيفعل بها بعد الوصول.

ولهذا نقول للسلطة لا احد فوق القانون ولا احد فوق النقد ولا حوار حقيقيا بلا فضاء سياسي قادر على انتاج البدائل.

ونقول للمعارضة لا احد يسقط دولة باسم انقاذها ولا احد يستحق الحكم لمجرد انه يكره الحاكم ولا احد يستعيد الشرعية بالشعارات.
قدموا مشروعكم لا غضبكم.
قدموا دراساتكم لا بياناتكم.
قدموا خريطة الطريق لا خريطة العودة الى الكراسي.

ونقول للجميع تونس ليست غنيمة لمن ينتصر في المعركة السياسية .
تونس دولة ، ومن يريد حكم الدولة عليه اولا ان يثبت انه يفهمها ويعرف كيف يمولها وكيف يصلحها وكيف يحميها وكيف يجعلها تنتج الثروة وكيف يضمن العدالة دون ان يفلسها وكيف يوسع الحريات دون ان يهدم المؤسسات وكيف يغير القواعد دون ان يحطم الملعب.

غيّروا السلطة ان شئتم،غيّروا الدستور ان كان يحتاج الى تغيير،غيّروا القانون الانتخابي،اصلحوا القضاء،اصلحوا هيئة الانتخابات،افتحوا المجال السياسي،حاسبوا الفاسد.
حاكموا من اخطأ و انتقدوا السلطة و عارضوا السلطة.

لكن لا تسألوا الشعب ان يختار بين سلطة لا تقنعه ومعارضة لا تقنعه فهذا ليس اختيارا.
هذا هو المأزق ، وتونس تستحق اكثر من المأزق.

تونس تحتاج الى طبقة سياسية جديدة لا تتغذى على الماضي ولا تعيش على الحنين الى السلطة ولا تختبئ خلف ايديولوجيات ماتت ولا تبيع للناس وهما اقتصاديا باسم العدالة ولا تبيعهم وحشية السوق باسم النمو.

تحتاج الى رجال ونساء يفهمون ان القرن 21 لا يحكم بالشعارات القديمة بل بالمعرفة والانتاج والمؤسسات والتكنولوجيا والقانون والقدرة على التنفيذ.

السؤال الذي يجب ان يلاحق كل معارض وكل حاكم وكل حزب وكل زعيم هو اذا اعطيناك تونس غدا ماذا ستفعل بها في اليوم التالي؟

اذا كانت لديك اجابة موثقة فتعال الى الشعب واذا لم تكن لديك اجابة فلا تطلب منه مفاتيح الدولة.

لان اسقاط الحاكم ليس مشروعا.
المشروع هو ماذا ستفعل بتونس بعد الحاكم.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال