بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الكتابة والصلاة!

2026-09-07 267 قراءة مقالات رأي أحمد بن عبد المحسن العساف
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
لا أقصد أن أقيس الكتابة بالصلاة، ولا أن أجعل بينهما تماثلًا في المنزلة؛ فالصلاة عبادة أساسية، والكتابة عمل بشري تتفاوت مقاصده وآثاره. لكن هل يمكن أن تستفيد عملية الكتابة من عبادة الصلاة؟ الجواب نعم مثلما تستفيد شؤون الحياة الكبرى من الصلاة، ولهذا المنحى مقال آخر إن تيسر له وقت، وكُتب لي عليه إقبال. وقد سبق لي نشر شيء عن الكتابة وتداخلاتها مع الزكاة، ورمضان، والحج، ومواسم أخرى، وهي علائق ليس فيها لوي أعناق فيما أحسب، ولو كان وثبت ذلك فإني راجع عنه ولا محالة. وبناء عليه فهذه بعض الأفكار مما يمكن أن يربط بين الصلاة والكتابة:
1. الصلاة ركن من أركان الإسلام، والكتابة ركن من أركان الثقافة، والفرق أن الصلاة فرض عين على كل مكلّف، والكتابة مسؤولية على جمهرة المثقفين، وقد تغدو فرض كفاية في أحوال معينة.
2. بترك الصلاة ينهدم دين المرء فالصلاة هي عمود الإسلام، وبهجر الكتابة تنقص ثقافة المجتمع، فصوت المجتمع وتأثيره أعلى ما يكون وأسمع حينما يكتب مرادفًا للتوثيق الشفوي!
3. لا بد للصلاة من طهارة سابقة، ولا مناص للكتابة من استعداد مسبق؛ فكما لا تجزئ الصلاة بلا طهارة، فكذلك الكتابة لا تجدي نفعًا بدون توافر قدر من العلم والفهم قبلها.
4. لا صلاة بلا نية خالصة صافية، والكتابة أوقع ما تصبح حينما تسطر بنية سليمة من الشوائب، وبغايات خالية من الأوشاب والأغراض السيئة، وبمقصد قويم مستقيم.
5. استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، ومثله الكتابة لا بدّ أن يكون لها وجهة معينة، فالكتابة التي تدور مع الرياح تفقد الهوية والبوصلة، وتغدو هباء منثور تذروه الأعاصير وتطرحه أهون ما يكون.
6. لا تصح الصلاة قبل دخول الوقت، وإن جازت الصلاة في أحوال معينة كجمع تقديم أو تأخير، وكذلك الكتابة لها سياق زماني، وربما مكاني، وسياق معتبر للحال، وإهمال هذه السياقات قد يبطل مفعول الكتابة، أو يجعل تأثيرها عكس المنشود، وقد يجر الوبال والويلات على صاحبه!
7. تقع الصلاة على هيئات، فمنها صلاة الجماعة وصلاة الفرد، وفيها الجهرية والسرية، وكذلك الكتابة فقد يستقل الكاتب بمشروعه الكتابي أو يشارك غيره فيه، وربما رأى من المصلحة الإعلان عنه أو الاستتار به، وتقدير المصلحة قبل كل خطوة، وتغليب خير الخيرين، والتخلص من شر الشرين، فقه دقيق علمتنا إياه أحكام الشريعة، وحقيق بالكاتب أن يتفطن له.
8. بعض الصلوات فرض، وفيها السنة أو النفل، وللكتابة واجب في عنق أهل العلم والخبرة والاختصاص، ولعامة الكتّاب أن يشاركوا بالرأي والمشورة فيما يحسنونه إن شاءوا ولو لم تكن من موضوعاتهم المرتبطة بهم.
9. تقع بعض الصلوات في النهار، وبعضها في الليل، وساعات اليوم والليلة كلها وقت متاح للصلاة إلّا ما استثناه الشارع فيما يعرف بأوقات النهي، وللكتابة باب مفتوح على مصراعيه ليلًا ونهارًا، وليس من المناسب أن يقيّد الكاتب نفسه بساعات ثابتة للكتابة إلّا إن كانت ضمن جدول عمله اليومي، وكل كاتب أعرف بنفسه، وما هي الأوقات التي يحسن أن ينتهي فيها عن الكتابة أو يمضي فيها.
10. للصلاة بداية ونهاية وأعمال لا بد فيها من الترتيب والموالاة، وليست الكتابة ببعيدة عنها وإن كان المجال فيها للإبداع أفسح، إلّا إن صلب المادة يجب أن يظهر على صفة معروفة الابتداء والختام، والنص لا بدّ من اشتماله على ترتيب منطقي أو زمني أو غير ذلك.
11. لا بدّ في الصلاة من الطمأنينة التي يتميز فيها كل ركن عمّا سواه، والطمأنينة في الكتابة تحول دون التداخل بين أجزاء المادة، وتحصر كل مضمون في موضعه الأليق به، وتحمي المحتوى من الغبش.
12. الصلاة بلا حضور قلب مثل ثوب خلق بالٍ لا منفعة منه في ستر ولا في زينة، والكتابة التي تدوّن على عجل دون تدبر وتفكير قد تجني على تاريخ صاحبها الثقافي لأنها تشبه هذيان المجانين وتناقضات المستعجلين.
13. ستر العورة شرط لصحة الصلاة، وعلى الكاتب أن يستر عوراته حين الكتابة فلا يجاهر بمعصية أو مخالفة، ولا يكتب حينما يغيب عقله بغضب أو هوى أو غيره، ومن فعل كان مثل من خرج عاريًا على الملأ!
14. أخشع صلاة وأتمها ما ذهب إليها المصلي مبكرًا بسكينة، واستبق الفرض بسنن ونوافل وتلاوة، وأداها كما لو كانت آخر صلاة له، وعقب الفراغ لم ينفضّ من مكانه بسرعة، واستغرق في الذكر والاستغفار، والكتابة أيضًا تحتاج إلى الهدوء، وحسن التهيئة، والتروي، والأداء المتقن حتى لكأن القراء كلهم نقّاد، وبعد الفراغ لا ينشر الكاتب عمله قبل مراجعته.
15. في بعض الأزمنة مثل رمضان، والأمكنة مثل الحرمين، والأحوال مثل قلة المطر والكسوف والخسوف، تشرع الصلاة زيادة على الواجب والمسنون، والكتابة قد يزداد مقدارها، أو يتأكد التوجه إليها في أزمنة وأمكنة وأحوال، والله يجعلها كلها سارة غير ضارة.
16. يركع المصلي ويسجد معلنًا خضوعه التام لرب الأرض والسماء، والواجب على الكاتب أن يكون دائم الخضوع لأوامر الله ونواهيه.
17. تستلزم الصلاة المداومة عليها، ويبقى القبول بيد الله، وهكذا الكتابة ليست مرة واحدة أو عملًا يسهل الانقطاع عنه، والقبول من المخاطبين ليس بيد الكاتب.
هذه بعض العلائق بين الصلاة التي هي أجلّ الأعمال الظاهرة، وبين الكتابة، وهي علاقات ليست تجريدية متخيلة، بل واقعية عايشها كل من كتب وصلى. والمأمول أن يتعالى الكتّاب وهم ينهضون لأداء واجبهم الرسالي السامي، ويتعاملون معه على أنه عبادة ومسؤولية، تمامًا كما يصنع المتألهون من العبّاد والنساك والعلماء حينما يصفّون أقدامهم بين يدي مولاهم الرحيم العليم العزيز لأداء صلاة واجبة أو غير واجبة؛ فالصلاة موقف عظيم بين يدي رب عظيم -سبحانه-.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال