خلال زيارة أحمد باي فرنسا سنة 1846، دعاه الملك لويس-فيليب لحضور مسرحيّة مع أعيان البلاد يرى ابن أبي الضياف أنّ فحواها مقصود، إذ فيها جاء على لسان ممثّلة قول استنكاريّ "بأيّ شرع يتصرّف السلطان في أرواحنا ونحن أحرار؟" فصفّق لها الملك وأثنى عليها، وحظي بهتاف الحضور بحياته. وقد فسّر الملك للباي أنّه ملزم بإظهار استحسان هذه المقولة من باب سياسة الجماهير واستمالتها بما تستحسنه، وأنّه لو لم يفعل لقيل أنّه لا يحبّ الحريّة.
لويس-فيليب هذا حكم فرنسا 18 عامًا، منطلقها عقب ثورة 1830، أظهر هذا الملك في بدايتها تواضعًا وميلًا للعامّة، حتّى إنّه لُقّب بـ 'الملك المواطن' ثم انحرف ميله إلى الجهة الأخرى وتراجعت شعبيّته. وعلى ما شهد عصره من تطوّر علمي وثقافيّ – هو امتداد لمسار ازدهارها في الحقبة الحديثة –، قُيّم أداؤه السياسيّ مخيّبًا، إلى أن أدّت الأزمة الاقتصاديّة الحادّة (46-1848) لاندلاع ثورة 1848 التي أطاحت به وبالملكيّة ورمت به في المنفى، وسُمّي إثرها بـ 'بملك المتاريس، فقد أتى بعد انتفاضة أو ثورة 1830 ورحل بثورة 1848 بما تعرفه تلك الأحداث من نصب للمتاريس.
وجب التنويه هنا – للدائبين على سبّ شعوبهم محلّيًا لـ "لهثها لأجل كروشها" وتمجيد الشعوب الأخرى عن جهالة – أنّ دافع الهبّة الشعبيّة كان بالأساس تردّي وتأزّم الوضع المعيشي والاقتصاديّ سواءٌ في 1830 و1848، كما الحال في منطلق الثورة الفرنسيّة في 1791 التي يمثّل هذان الحدثان امتدادًا لها. وأنّ سقوط الملكيّة في 1848 أعقبه قيام الجمهوريّة الثانية بعد أزيد من أربعة عقود من أفول الأولى التي انبثقت مع جيل الثورة الأوّل، غير إنّ الجمهوريّة الثانية لم تعمّر طويلًا بدورها وسقطت لصالح الامبراطوريّة فالملكيّة كما سابقتها، إلى أن استقرّ الأمر على النظام الجمهوريّ منذ سنة 1870 (ثالثة ورابعة وخامسة) في تدافع طويل الأمد أفرزته الثورة الفرنسيّة، وجاوز حدودها إلى العالم الغربيّ عمومًا.
أجل سقطت الملكيّة الدستوريّة مجدّدًا، وقامت جمهوريّة الثانية لكن بطبقة سياسيّة أخرى غير الأولى ولم تلبث بدورها أن أفلت، ومع كلّ سقطة أو هزيمة كانت التراكمات تسوق مرحليًّا وعلى مدى بعيد إلى تحقيق أهداف الثورة، سياسيًا وفكريًا واجتماعيًّا، فالملكيّة المطلقة أفلت وكانت في تجلّياتها اللاحقة مقيّدة، ومع كلّ مرحلة بعدها كان هناك تطوّر في اشتراك الشعب في صنع القرار، كما تدرّج التخلّص من سلطة الكنيسة وأثرها، إلى أن توّج عندهم بقانون صريح يفصل الكنيسة عن الدولة في 1905 أي بعد أزيد من قرن على اندلاع الثورة الفرنسيّة والصدام مع الكنيسة والحكم المطلق. وإن كانت تبعات هذا التمشيّ والانفصال هي ما سيقود إلى ترهّل وانهيار مجتمعات ودول الحقبة الحديثة لكن ليس هذا موضوعنا.
ما أتيتُ على ذكره حكاية سردتها على مسامع معارف وأصدقاء حجّةً على صيرورة الثورة ومآلها في محاولة لتوسيع زاوية نظرهم خارج الدائرة الضيّقة للفترة الحاليّة التي تمخّضت عنها الثورة التونسيّة والخروج بهم من الانفعاليّة والعاطفيّة المفرطة في تعاملهم مع هذه المرحلة ومحاولة دفعهم ليكونوا بنّائين في محيطهم مهما ضاق بما أنهم يعدّون لفترات لاحقة تستكمل فيها الثورة مسارها وأهدافها التي وإن كانت تلتقي مع الفرنسيّة في تقويض الاستبداد فإنّها على خلافها تسعى استرداد علاقة سويّة بالدين تستعيد التوازن اللازم للمرء المسلم لدفعه نحو الإنجاز والإبداع الحضاري. وكنتُ أعزّز الحجّة لإخراجهم من حالة الإحباط واليأس باستذكار ما ذهبت إليه روزا لكسمبورغ من أنّ الثورة تسير مرحليًّا إلى تحقيق أهدافها عبر تراكمات الهزائم التي تعرفها، في حوصلة لمجمل مسار الثورة الفرنسيّة.
غير إنّ ردودهم وردود أفعالهم اتّسمت غالبًا بالسلبيّة، لكننّي كما العادة أثمّن الإيجابيّ منها وأرجو أن يتغيّر البعض الآخر إلى تمشّي أقرب إلى الإيجابيّة والبناء. وإن يحزّ في النفس أن أرى عقولًا ذات قيمة وأثر، تخرج عن السبيل البنّاء، بما ارتفع في نفوسها من منسوب الكراهية أو الخوف، سيما عند من جاوز العقد الخامس من العمر ويفترض أن يكون أكثر رصانة وأبعد عن الانفعاليّة في تعامله مع الأحداث.
مع كلّ هذا تسمّر عجلة الثورة والتغيير سائرةً نحو هدفها محلّيًا وعربيًا، فالمجال كما مع الفرنسيّة أوسع. هو ربيع عربيّ انطلق من تونس وسوف يفضي بعد زمن إلى تحقّق أهدافه رغم ما عرف وسيعرف من كبوات وأزمات، فذلك من سنن التاريخ الذي لا يخلو فيه منحنى من اهتزازات. وستتكون عبر التراكمات والخبرات أجيال أكثر فهمًا لقوانين حركة التاريخ وقدرةً على الاستجابة لمتطلّبات لحظته، تفضي في الأخير إلى مرحلة استكمال الأهداف المرجوّة.
مسار الثورة والتغيير أطول وأعقد بكثير من انفعالات الزهو واليأس اللحظيّة
2026-09-05
268 قراءة
مقالات رأي
عبد المنعم حواس
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال