بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أردوغان يعلن المرحلة الثالثة: من صناعة السيف التركي إلى صناعة المجال الإسلامي

2026-08-29 18 قراءة مقالات رأي صدقي الزهدي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أردوغان يعلن المرحلة الثالثة: من صناعة السيف التركي إلى صناعة المجال الإسلامي
أردوغان يعلن المرحلة الثالثة: من صناعة السيف التركي إلى صناعة المجال الإسلامي

بماذا يفكر رجب طيب أردوغان؟ ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية الذي ينبغي طرحه بعد خطابه الأخير بمناسبة أسبوع المولد النبوي. فقد يبدو الخطاب، في ظاهره، خطاباً دينياً عن وحدة الأمة الإسلامية والتضامن بين المسلمين، لكن قراءة ترتيب الأفكار التي طرحها أردوغان تكشف عن مضمون سياسي واستراتيجي يستحق التوقف عنده، خصوصاً إذا وضعناه في سياق التحولات التي شهدتها السياسة التركية خلال العقدين الأخيرين.

فأردوغان بدأ من نقطة شديدة الدلالة: المجتمع الدولي عاجز، ولا ينبغي للأمة الإسلامية أن تعقد آمالها على الآخرين لحماية حقوقها ومصالحها. ثم انتقل إلى فكرة أكثر وضوحاً، وهي أن حماية الحقوق تحتاج إلى القوة والقدرة على الردع، قبل أن يصل إلى النقطة الأهم: القوة وحدها لا تكفي، لأن القوة المنفردة تظل محدودة مهما بلغت، ولذلك لا بد من التحالف والوحدة والتنسيق والتكاتف. ثم يذهب إلى النتيجة المنطقية لهذا التسلسل، وهي ضرورة أن يتحرك العالم الإسلامي بدرجة أكبر من التنسيق والتعاون.

قد يبدو ذلك للوهلة الأولى مجرد خطاب تضامني مألوف، لكن ترتيب الأفكار هنا مهم للغاية. فأردوغان لا ينتقل من الدين إلى السياسة بصورة عشوائية، وإنما يبني معادلة واضحة: العالم الدولي لا يحمي حقوقنا، إذن علينا أن نحمي أنفسنا؛ ولا نستطيع حماية أنفسنا من دون قوة؛ والقوة لا تصبح استراتيجية إلا إذا ارتبطت بالتعاون والتحالف؛ وبالتالي فإن المطلوب ليس فقط بناء قوة وطنية، وإنما بناء شبكة من القوى المتعاونة داخل المجال الإسلامي.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو استدعاؤه للآيات القرآنية التي تتحدث عن التماسك والوحدة، ومنها قوله تعالى: «إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص»، وقوله تعالى: «وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم». فالمعنى الذي يخرج من الجمع بين هذه الإشارات هو أن القوة، في التصور الذي يقدمه أردوغان، لا ينبغي أن تكون مجرد قدرة عسكرية منفصلة عن محيطها، وإنما قوة متماسكة داخل جماعة أوسع.

وهنا أتذكر العبارة التي قالها أردوغان في حديث سابق، والتي يمكن اختصار دلالتها في فكرة أن الأمر لمن يعرفه، والسيف لمن يحسن حمله. فإذا كانت تركيا قد أمضت أكثر من عقدين في بناء «السيف»، أي في تطوير صناعاتها الدفاعية وقدراتها العسكرية والتكنولوجية وتعزيز استقلال قرارها الاستراتيجي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: ماذا ستفعل بهذا السيف؟

ربما تكون الإجابة التي بدأت تتضح تدريجياً هي أن السيف التركي لم يعد مطلوباً منه أن يبقى سيفاً تركياً فقط.

وهنا يمكن أن نكون أمام انتقال نوعي في المشروع التركي؛ انتقال من مرحلة بناء القوة التركية إلى مرحلة ربط هذه القوة بمحيطها الإسلامي. فتركيا التي ركزت خلال السنوات الماضية على امتلاك قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة، وعلى تقليص اعتمادها على الخارج، تبدو اليوم أكثر اهتماماً ببناء شبكة من العلاقات والتحالفات والمصالح تجعل هذه القوة جزءاً من منظومة إقليمية أوسع.

وهذا هو المعنى الذي يجعل «تحالف مكة» مثيراً للاهتمام، ليس فقط باعتباره اتفاقاً بين تركيا والسعودية وباكستان، وإنما باعتباره يجمع، في تركيب واحد، عناصر قوة مختلفة: قوة عسكرية وصناعية وتكنولوجية تركية، ووزناً اقتصادياً وسياسياً ودينياً سعودياً، وقوة عسكرية ونووية وبُعداً جيوسياسياً باكستانياً. وإذا أضيفت إلى ذلك العلاقات المتنامية بين تركيا وسوريا الجديدة، واتساع شبكة علاقاتها مع الخليج وآسيا الوسطى وباكستان، فإن الصورة تصبح أكبر من مجرد مجموعة اتفاقات منفصلة.

قد لا يكون هناك، بالطبع، مشروع معلن اسمه «الإمبراطورية الإسلامية»، ومن الخطأ التعامل مع الأمر وكأنه حقيقة مكتملة. لكن السياسة الدولية لا تبدأ دائماً بإعلان المشاريع الكبرى؛ أحياناً تبدأ ببناء البنية التي تجعل المشروع ممكناً.

وهنا تحديداً يصبح من المفيد النظر إلى المشروع التركي باعتباره مر بثلاث مراحل. المرحلة الأولى كانت «ابنِ الدولة»، أي إعادة بناء مركزية الدولة التركية وتعزيز استقلال قرارها السياسي والاقتصادي والعسكري. ثم جاءت المرحلة الثانية: «اصنع السيف»، أي بناء القوة العسكرية والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الاستراتيجية التي تسمح لتركيا بأن تتحرك بهامش أكبر من الاستقلال. أما المرحلة الثالثة التي تبدو ملامحها الآن أكثر وضوحاً فهي: «لا تحمل السيف وحدك، ابن حوله شبكة من الحلفاء».

وهذه المرحلة الثالثة هي الأخطر والأكثر طموحاً، لأنها لا تتعلق فقط بزيادة القوة التركية، وإنما بإعادة تشكيل البيئة التي تتحرك فيها هذه القوة.

وهنا نصل إلى مفهوم «جغرافيا التحالف». فالدولة الكبرى لا تصبح مؤثرة فقط لأنها تمتلك جيشاً قوياً، وإنما لأنها تستطيع أن تربط قوتها بشبكة من الدول والممرات والأسواق والطاقة والطرق والموانئ والسكك الحديدية والمصالح المشتركة. القوة تتحول عندها من أداة وطنية إلى منظومة إقليمية.

ومن هذه الزاوية يصبح علينا ألا نراقب فقط ما تنتجه تركيا من طائرات مسيرة ومقاتلات وسفن وأنظمة دفاعية، بل أن نراقب أيضاً السكك الحديدية التي تربطها بمحيطها، والموانئ التي تفتحها على طرق التجارة، وممرات الطاقة، والاستثمارات، والاتفاقيات الدفاعية، والعلاقات مع سوريا والخليج وباكستان وآسيا الوسطى.

فالسكك الحديدية في هذه القراءة ليست مجرد بنية تحتية، والموانئ ليست مجرد منشآت اقتصادية، والاتفاقيات الدفاعية ليست مجرد ترتيبات عسكرية منفصلة. إنها جميعاً أجزاء من جغرافيا جديدة للقوة.

ومن هنا ربما يصبح «تحالف مكة» حلقة في سلسلة أكبر، وليس بالضرورة نقطة النهاية. والسؤال الحقيقي ليس فقط: من وقع الاتفاق؟ وإنما: من يمكن أن يدخل لاحقاً في هذه الشبكة؟ وما المصالح التي ستربط هذه الدول؟ وهل يمكن أن يتحول التعاون الأمني إلى تعاون اقتصادي؟ وهل يمكن أن تتحول المصالح الاقتصادية إلى اعتماد متبادل؟ وهل يمكن أن يتحول الاعتماد المتبادل إلى موقف سياسي أكثر تنسيقاً؟

إذا حدث ذلك، فإننا لن نكون أمام إمبراطورية بالمعنى التقليدي للكلمة، ولن نكون أمام عودة إلى نموذج عثماني قديم، وإنما أمام نموذج أكثر حداثة وواقعية: دول مستقلة تحتفظ بسيادتها، لكنها ترتبط فيما بينها بشبكات من الأمن والدفاع والتجارة والطاقة والاستثمار والممرات الاستراتيجية.

وفي قلب هذه الشبكة يمكن أن تكون تركيا واحدة من أهم مراكز القوة والمحركات السياسية والعسكرية والتكنولوجية.

وهنا تحديداً تصبح عبارة «الأمة الإسلامية» في خطاب أردوغان ذات دلالة سياسية تتجاوز بعدها الديني. فهي يمكن أن تتحول من مفهوم ثقافي وحضاري إلى مفهوم جيوسياسي، أي إلى مجال تتقاطع داخله المصالح والأمن والاقتصاد والقوة.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: هل يريد أردوغان إعادة الإمبراطورية العثمانية؟ فهذا السؤال، رغم جاذبيته الإعلامية، قد يكون أقل دقة من السؤال الآخر: هل تعمل تركيا على بناء مجال نفوذ جديد، تكون فيه الروابط الإسلامية إحدى أدوات الشرعية والهوية، بينما تكون القوة العسكرية والاقتصاد والبنية التحتية والتحالفات أدواته العملية؟

إذا كان هذا هو الاتجاه، فإن ما نشهده اليوم قد يكون انتقالاً من «القوة التركية» إلى «المجال التركي ـ الإسلامي».

وهنا تصبح السنوات الخمس والعشر القادمة أكثر أهمية من السنوات الخمس والعشرين الماضية، لأن تركيا لم تعد تختبر فقط قدرتها على صناعة السلاح، وإنما تختبر قدرتها على صناعة البيئة التي تجعل هذا السلاح جزءاً من منظومة أكبر.

لقد صنعت تركيا السيف.

ثم بدأت تبحث عن اليد التي تحمله معها.

والمرحلة التالية ربما تكون البحث عن الطاولة التي يوضع عليها السيف، وعن شبكة المصالح التي تجعل استخدامه، أو مجرد وجوده، مؤثراً في حسابات الآخرين.

لذلك، إذا أردنا أن نفهم ما يفكر فيه أردوغان، فعلينا ألا نراقب خطاباته وحدها، بل أن نراقب الخريطة التي تتحرك عليها تركيا: سوريا، الخليج، باكستان، آسيا الوسطى، البحر الأسود، شرق المتوسط، الممرات التجارية، السكك الحديدية، الموانئ، الطاقة، الصناعات الدفاعية، والتحالفات الجديدة.

فربما لا يكون المشروع التركي القادم هو أن تصبح تركيا أقوى دولة في العالم الإسلامي فحسب، وإنما أن تصبح إحدى الدول التي تعيد تنظيم القوة داخل العالم الإسلامي.

وهنا يكمن الفرق كله.

فمن يصنع السيف يصنع قوة.

أما من يصنع حول السيف شبكة من الحلفاء والمصالح والممرات والأسواق، فإنه يبدأ في صناعة مجال نفوذ.

وربما تكون هذه هي بالفعل المرحلة الثالثة من المشروع التركي: بعد بناء الدولة، وصناعة السيف، بدأت مرحلة صناعة المجال.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال