بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من يلعب لعبة أكبر منه

2026-08-23 15 قراءة مختلفات د. ضرغام عبد الله الدباغ
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
التقليد نعمة ونقمة في آن واحد... اليابانيون والصينيون خبراء بهذا الباب إذ يقلدون صناعة وإنتاج منتجات صناعية مهمة بحرفية عالية وهو عمل مخالف للقانون (حقوق الملكية الفكرية والمخترعات) ولكنهم يعرفون كيف يتملصون من التبعات القانونية فيضيفون شيئاً أو ينقصون شيئا، فيبدو وكأنه منتوج جديد ... فهي إذن شغلة أذكياء، وهذا التقليد محمود وإن كان ينطوي على تحايل (وسرقة) لما يعرف في عالم التكنولوجيا، (سر الصنعة/ now haw) فيستفيدون بالمليارات ...

وفي العمل الدبلوماسي، حين يلتحق موظفون جدد للخدمة الخارجية، ولا سيما في أوربا كنا ننصح الموظفين الجدد أن يتعلوا من أقرانهم الدبلوماسيين القدماء، ويدققوا النظر والعقل في كل ما يشاهدوه ويسمعوه، ويمر عليهم، ومن الحياة الدبلوماسية، كل شيئ، الدعوات وأصولها، فكل شيئ يدور بدقة وأصول وتقاليد ينبغي أن تحترم، وأن تتعلم من الآخرين ليس خطأً، بل هو جيد دائماً.
وتقليد العادات الحميدة وإبداء آيات التهذيب في الحديث والتصرف، هو بالطبع أمر جيد أيضاً، وتقليد أساليب التفكير الراقي والأساليب التي تؤدي للنجاح، ايضاً وبطريقة دقيقة، تختصر المسافة والطريق في التوصل لصناعات جيدة. ولكن بشرط أن يكون المنتوج الجديد مساويا بدرجة كبيرة للصناعة الأصلية. والدول صاحبة الملكية الفكرية للأختراعات والمنتجات تحاول أن ضع حداً لهذه العملية، ولكن دون نتائج ملموسة.
ولكن هناك ألعاب يحاول البعض تقليد اللاعبون الكبار فتأتي النتائج مأساوية. في التلفزيونات الأورببة يعرضون حركات بهلوانية خطرة، كمحاول القفز بين عمارتين شاهقتين، أو السير على حبل بتوازن بين قمتي جبل، أو محاولات مجنونة بالتزحلق بالسيارات وعارضوا بعض الأفلام الخطرة يكتبون جملة أو تحذير (warning).... لا تحاول فعلها ...! (dont tray it)... لا تحاول التقليد... وهنا التقليد ينطوي على خطورة... لا تفعلها...

في السياسة ... وهنا رباط السالفة ...
ليست قدرات جميع الأطراف)الدول) متساوية في القدرة على الفعل والصمود واحتمال ردود الفعل والتحمل.. نظرياً ... نعم، الدول متساوية، ولكن لابد من إضافة كلمة. " تقريباً "، لأن هناك خمسة دول عظمى، لها حق الفيتو (VETO)، (النقض) لذلك في العمل السياسي، علي أن تضع نصب عينيك في العلاقات الدولية، حجم التكتلات الدولية وقدراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، ويستحسن أن تكون خطواتك وفعالياتك بقدر قدراتك الذاتية أو أقل منها ..! هناك من يرى: أن التحالف مع جهة أقوى منك وأكثر اقتداراً سيعود بالفائدة على الطرف الأقوى والأكبر.. وهناك من يرى أن الطرف الاكبر سوف يستفيد حتما من الطرف الاصغر، والطرف الاصغر "سيكون بدرجة ما" تحت مظلة الطرف القوي. هذه قواعد عمل مفهومة وليست مكتوبة، عليك أن تتعلمها كحقائق للواقع الموضوعي ...

وهناك من يعتقد أن التحالف(عقد التحالفات والتعاهدات) مع طرف قوي، سيجعل منه قويا وذا منعة... وهذه إن انطوت على إيجابيات، ولكن السلبيات موجودة كامنة وقادمة حتماً. فبتقديرنا أن تحالف الصغير مع الكبير لا يخلو من المجازفة، فالمكاسب مؤقتة، والنكسات قادمة، فالطرف القوي حين يتحالف مع أطراف أقل منه، سيعرض عليه الحماية وهذا سيتيح له التدخل بالشؤون الداخلية بصراحة ووقاحة، لأنه شكلياً يتولى الإشراف وتقديم الحماية (Protectorate) يطلق عليها رسمياً " دول تحت الإشراف / تحت الحماية "، فإسباغ الحماية كلفت أمولاً، وجهداً سياسياً، لن يقدمه أحد مجاناً. ومن تلك الأكثر وضوحاً هي الدول التي تقبل (أو بالاحرى يفرض عليها أن تقبل ..!) أن تكون تحت نظام الانتداب (Mandate System). فالدولة الكبيرة تريد تقوية صفوفها بقوى صغيرة يجعلها كحائط دفاعي أمامه، كدروع وقاية، وتصب اقتصادياً في خدمة مصالحه، إذن هو يبحث عن مصالحه وليس عن مصالحك ..

هناك من الدول الصغيرة من تقبل أن تكون مهمتها القيام بدور الحاجز / وسادة بين قوتين عظميين ..(Buffer State)، فتكون نقطة وميدان صدام سياسي وربما عسكري، والدولة الصغرى قد تقبل (لأسباب شتى) أن تقوم بهذا الدور الذي قد ينطوي على وبال شديد للدولة الصغرى .. والأدهى والأمر حين تقبل دولة ما اختيارا أن تلعب هذا الدور (كأوكرانيا حاليا) ولست أتبين ما مصلحتها في ذلك ...؟ أو أن تتحول بصفة علنية أو مستتة إلى دولة تابعة (Vassal state).
هناك من الدول ذات القدرة الاقتصادية الأقل، تقيم" Luxus projects " مشاريع فخمة، مكلفة في البناء وتتطلب انفاقا سنويا باهضاً لإدامته، مما سيلتهم الفوائد المأمول جنايتها. ويصنف الخبراء بأن هذه إحدى مشكلات العالم الثالث، إذ يعتقد حكام في "أنظمة طغيانية" أنهم يضيفون شيئاً محموداً بإقامة مشروعات غير استثمارية، كملاعب ضخمة وانفاق، ومرافق خدمية، وصولاً إلى امتلاك السلاح النووي. هذه مشكلات وظواهر عامة في البلدان النامية.

أنت تحكم بلدك وأن تضعه على طريق التنمية والتقدم ليس أمراً سهلاً.. وسط غابة من المصالح المتشابكة والمعقدة، فقد يثير عليك برنامجك الوطني المتاعب، والحفاظ عليه أكثر صعوبة.. أما الدفاع عنه... فهذه أم المصاعب ...! وفي السياسة لا يوجد العفو سامحني .. كل شيئ له ثمنه، وهناك دائماً من ينتظرك أن تخطأ ..! بل ويدفعك للخطأ ...!
في حرب الكويت 1991، قابل وزير خارجية دولة عظمى أمير الكويت، وكان العراق قد أنهى انسحابه من الكويت بالكامل، وقال له : أمنحونا عقد إعمار كهرباء الكويت ، فلما اجابه الامير أن الكهرباء صالحة وتعمل لحد الآن .. أبتسم الوزير واجاب " لا .. اليوم ستقصف ليلاً ..." وفعلا قصفت محطة الكهرباء وكانت صالحة،، والامير الكويتي فهم الحفلة، ومنحهم حق إعمار الكهرباء ...!

حكمة سياسية عربية رائعة قيل :
" يإلهي أنجني من شر أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم "

ومثال رائع آخر " حين تجلس في مطعم فاخر هذا جيد، المؤكولات رائعة، هذا جيد جداً ، الخدمة أنيقة وسريعة، وهذا ممتاز، ولكن فكر في قائمة الحساب .....!

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال