تشهد الساحة العراقية تحولات مهمة، ليس بفعل التدخل السياسي / العسكري، بل وأيضاً بسبب تداخل عناصر داخلية وخارجية عديدة، في مقدمتها حقيقة كبيرة موجعة، واعتراف متزايد، بأن ما نشهده هو إفراز للاحتلال قد فشل فشلاً ذريعاً في إقامة نظام سياسي وطني محترم، مقبول من كافة مكونات الشعب العراقي وأن المرحلة المنصرمة منذ 2003 وحتى الآن قد انطوت على أخطاء فادحة أرتكبها أطراف الاحتلال من القوى الخارجية والداخلية المتعاونة معها، لذلك فإن هذه المرحلة قد سقطت ولا سبيل لإنعاشها أو إعادة النضارة إليها بعمليات تجميلية، أو مخدرة. وبداهة فإن مضاعفة جرعة القمع الدموي الحكومي/الميليشياوي لم تعد صالحة حلاً ناجعاً، فالمطلوب إذن حلولاً جذرية، فالإشكالية جوهرية، والحلول لابد أن تكون جوهرية، وقد فات وقت التجارب والمحاولات، فنحن في العام 24 للأحتلال ...!
قلنا، ولا ضير في أن نعيد : أن سقوط حكومة الخضراء ينبغي يقرأ ويفهم كما هو دون لبس أو التباس، هو ليس إخفاقاً شخصياً، بل إنما هو إشهار إفلاس للنظام الذي أنتجه الاحتلال والحكومات الفاشلة المتعاقبة (العلاوي، الاشيقر، المالكي 1، المالكي 2، العبادي، الكاظمي، السوداني، الزيدي) ، ولابد من الاعتراف أخيراً أن الاحتلال وما تبعه من تداخلات، كان السبب في تدمير بلد كان على وشك مغادرة العالم الثالث والبلدان النامية، إلى بلد يقبع في آخر قائمة التخلف في كل أصعدة الحياة.
ومع تفاقم الازمات، واصل نظام المنطقة الخضراء ، ومن معه ومن خلفه، سياسة السير في الاتجاه الخاطئ، باتخاذ قرارات تفتقر إلى الدقة والصواب، ومخالفة نتائج الواقع الموضوعي، كانت نتيجتها أن تراجع أداء النظام، وفشله الذريع في مواجهة أي من الأزمات المستديمة، وقادت كنتائج إلى تعثر عام، وتفاقم الأزمات، وتفكك البلاد، وانفضاض حلفاء العملية السياسية والمؤسسة الدينية وتفرق شملهم، وتململ الغطاء دوليا وإقليمياً.
ورغم أن الإدارة الأمريكية أكدت على أهمية قيام العراقيين بتغيير القيادة بأنفسهم إلا أنهم أدركوا متأخراً، أن التأخير لم يعد محتملاً، وأن الوقت قد حان لتشكيل قيادة عراقية جديدة، قادرة على مواجهة تحديات مقبلة خطيرة .
والولايات المتحدة أدركت الآن أن هناك أخطار جسيمة مقبلة، ومن الضروري استباق تفاعلاتها، وهي تتصرف بحيث أنها تريد أن تحول دون التفاعلات الضارة، وتحويل مسار التطورات لصالحها، فهناك نظام انتهى مفعوله، متهالك، وهناك أخطار محدقة بأن تؤدي هذه الاحتقانات إلى مخاطر جسيمة، سيكون علاجها باهض التكاليف، وصحيح أن نظام الملالي يريد الحفاظ على مكاسبه في العراق بأي ثمن، لتفادي مضاعفات أصعب سواء في العراق أو إنعكاسات ذلك في ملفات أخرى ساخنة.
ومن أجل استشراف آفاق المستقبل، ووضع المرتسمات لعراق جديد، لابد من القول اليوم أن ليس فرداً بعينه أو جهة معينة المسؤولة عن كل ما حدث في العراق منذ 2003 وحتى الآن، وإلصاق كل ما حدث بجهة واحدة، فذلك ينطوي على استصغار لعقل الشعب، المسألة برمتها وحجم الدمار والتخريب وما حدث، أكبر من ذلك بكثير، لذلك فمثل هذه النتيجة الكبيرة بحاجة لحلول كبيرة، وسوف لن يكون بوسع جهة واحد التصدي لها، كبديل لحلها. وإذا صار تلخيص الموقف بأسره في تبديل وجوه وشخصيات بأخرى من ذات الرعيل، فستكون فاشلة حتماً، لأن الخلل جوهري وعميق جداً، والعلاج سطحي جداً، لذلك سوف لن تجد طريقها إلى النجاح، ومثل هذه المعالجات الشكلية، هي أفعال لن تؤدي إلى حل الإشكالات القائمة، التي ستظل قائمة تتفاعل وتحتدم وتفرز التناقضات التي قد تدخل البلاد لمرحلة جديدة، وتجر إلى عواقب جديدة، حتى تجد لها حلاً شاملاً.
والمرحلة اليوم تتميز بحدة الظواهر التي أفرزها نظام الاحتلال، وهي بتقديرنا، منتجات طبيعية لتصعيد طائفي يلغي أسس الدولة، ساهمت حتى الولايات المتحدة في إحداثه في المنطقة والعالم، لابد أن يكون له رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه، فالتطرف يقود للتطرف، وإرهاب الدولة الذي مارسته الحكومات المتعاقبة في العراق، فقد قتل وأعدم مئات الألوف، وهجرت الملايين، هي أهوال غير مسبوقة في تاريخ العراق، فقد مارس النظام، وأطراف الاحتلال، وأذنابهم الإرهاب بشتى صوره وأشكاله، بتشكيلات مسلحة حتى الأسنان بأسلحة ثقيلة، واستراتيجية إلى جانب القوات المسلحة النظامية لحكومات شرعية معترف بها، تمارس أنشطة إرهابية وتخريبية مخالفة للقانون الدولي وسيادة الدول ....؟
ومن نافلة القول أن حصر النتيجة بجهة واحدة، هي المسؤولة عن النتيجة الكارثية لحصبلة الأنشطة والفعاليات منذ عام 2003 وحتى اليوم،استنتاج خاطئ، بل ونجم عن مجموع هذه التدخلات، هدفاً آخر ربما الأساسي يكمن خلفها، ألا وهو مزيد من التدخل في شؤون المنطقة، ومزيد من الكوارث على أيدي قوى شتى، وهو ما أدركته الولايات المتحدة التي تسير على خطين : ألحفاظ على مكاسبها من جهة، وعدم السمح بتدهور الموقف لدرجة قد تعجز عن ملاحقته، والتغيرات لابد أن تكون تحت السيطرة، وتبدو مقنعة من جهة أخرى، وإلا فإن الارتداد سيكون أكبر وأشد وطأة من ذي قبل.
العائق الأكبر الذي يحول دون نجاح المشاريع الأمريكية، يكمن في أن العراق والمنطقة تحفلان بالكثير من التوجهات السياسية والإرادات المتناقضة، والتداخلات العسكرية والحروب، قادت إلى نتائج سلبية، بدأت اليوم تعود بالوبال على من قاد إليها. لذلك فالعمل السياسي والاستخباري ينصب اليوم في معظمه على إحداث الخلل في عناصر الموقف الداخلي بأي ثمن، مع ضربات هنا وهناك للحد من تدهور موقف في جبهات معين، مع احتمال توسيع العمل العسكري، وفتح صراعات ثانوية، وإضعاف جبهات الخصوم بإحداث خلخلة في عناصر الموقف.
عملية تجميلية أم تدخل جراحي ؟
2026-08-20
25 قراءة
مقالات رأي
د. ضرغام عبد الله الدباغ
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال