بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

سوريا في جغرافيا الاختبار: تركيا وإسرائيل وصراع إعادة تشكيل المجال السوري

2026-08-20 345 قراءة مقالات رأي صدقي الزهدي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
سوريا في جغرافيا الاختبار: تركيا وإسرائيل وصراع إعادة تشكيل المجال السوري
سوريا في جغرافيا الاختبار: تركيا وإسرائيل وصراع إعادة تشكيل المجال السوري

ليست كل الحروب معارك عسكرية، وليست كل المعارك تبدأ بإطلاق النار.

أحيانًا تبدأ الحرب بإعادة تعريف الجغرافيا، ثم بإعادة تشكيل الوعي بها، ثم باختبار حدود القوة داخلها، قبل أن تنتقل إلى مرحلة إعادة بناء المجال اقتصاديًا وعمرانيًا وتحويله إلى مصدر مستدام للقوة.

من هذه الزاوية يمكن قراءة التطور الخطير الذي وقع في قاعدة أبو الظهور السورية في 18اوت 2026، عندما شنت إسرائيل غارات على القاعدة بعد ساعات من زيارة وفد تركي للموقع.

فالحدث، في ظاهره، ضربة جوية إسرائيلية لمنشأة عسكرية سورية لكن في عمقه، هو صراع على سؤال أكبر بكثير:
من يملك حق إعادة تشكيل الجغرافيا السورية بعد سقوط النظام السابق؟

وهنا تلتقي أربع دوائر: جغرافيا الحرب، وجغرافيا الاختبار، وجغرافيا الوعي، وجغرافيا العمران.

أولًا: جغرافيا الحرب

جغرافيا الحرب هي الجغرافيا التي تحدد أين تستطيع الدولة أن تتحرك، وأين تتوقف، وأي المناطق تعتبرها جزءًا من أمنها القومي.
فبالنسبة إلى تركيا، لم تعد سوريا مجرد دولة تقع جنوب حدودها.
إنها عمق أمني واستراتيجي مباشر.
ولهذا دعمت أنقرة الحكومة السورية الجديدة، وساهمت في تدريب قواتها وإعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية، فيما تتحدث مصادر دولية عن دعم تركي لعملية إعادة بناء الجيش السوري.

أما إسرائيل، فتنظر إلى التحول السوري من زاوية مختلفة تمامًا ، فبعد سنوات كان فيها الجيش السوري منهكًا، ترى إسرائيل أن إعادة بناء القوة العسكرية السورية، خصوصًا إذا جرت بمساعدة تركيا، يمكن أن تنتج بيئة استراتيجية جديدة على حدودها، ولهذا جاءت ضربة أبو الظهور في لحظة شديدة الحساسية.
إسرائيل قالت إن الضربة استهدفت منع انتشار عسكري تركي محتمل في القاعدة، بينما نفت دمشق وأنقرة وجود خطة لنشر قوات تركية هناك.
إذن، الجغرافيا نفسها أصبحت موضوع الصراع.

ثانيًا: جغرافيا الاختبار

لكن الحرب ليست وحدها التي تصنع القوة ، هناك مرحلة تسبق الحرب وتختبر فيها الدول بعضها بعضًا ، وهذه هي جغرافيا الاختبار،ففيها لا تسأل الدولة فقط: أين أستطيع أن أقاتل؟
بل تسأل:إلى أي مدى أستطيع أن أتقدم؟وأين يمكن أن أتوقف؟ وكيف سيرد الخصم؟ وما حدود قدرة حلفائي؟
وهذا تحديدًا ما حدث في أبو الظهور.
فالمبعوث الأميركي توم باراك قال إن الضربة الإسرائيلية كادت تؤدي إلى تصعيد مع تركيا، وإن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا.
أي أن الولايات المتحدة لم تتعامل مع الحادث باعتباره مجرد ضربة إسرائيلية داخل سوريا، وإنما باعتباره موقفًا يمكن أن ينتج عنه احتكاك عسكري بين دولتين إقليميتين كبيرتين.
وهنا تظهر أهمية المفهوم:
أبو الظهور ليست فقط جغرافيا حرب، بل جغرافيا اختبار.
-إسرائيل تختبر حدود الوجود التركي.
-تركيا تختبر حدود القدرة الإسرائيلية على منعها من الحركة داخل سوريا.
-دمشق تختبر قدرتها على استعادة السيادة.
-وواشنطن تختبر قدرتها على إدارة التناقض بين حليفين وشريكين استراتيجيين. ومن هنا فإن أخطر ما في حادث أبو الظهور ليس أن مواجهة تركية-إسرائيلية وقعت، وإنما أن احتمال وقوعها أصبح يحتاج إلى آلية لمنعه.

ثالثًا: جغرافيا الوعي
لكن وراء كل جغرافيا حرب واختبار جغرافيا أخرى أكثر عمقًا:

جغرافيا الوعي.

فالدول لا تتحرك في الجغرافيا كما هي فقط، وإنما كما تراها في وعيها السياسي والاستراتيجي، وهنا تبدو التجربة التركية شديدة الأهمية ، فمنذ صعود حزب العدالة والتنمية، تطور التفكير التركي من محاولة تحسين العلاقات مع الجوار إلى تصور أوسع لموقع تركيا ودورها الإقليمي والدولي.
و قد كان مفهوم أحمد داود أوغلو عن «العمق الاستراتيجي» أحد التعبيرات الأكثر وضوحًا عن هذا التحول، إذ نظر إلى تركيا باعتبارها دولة ذات عمق تاريخي وجغرافي متعدد الاتجاهات، وليس مجرد دولة محصورة داخل حدودها الجمهورية. وقد تطور هذا التفكير لاحقًا نحو مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية.
ثم ظهر مفهوم «الوطن الأزرق»، الذي أعاد تعريف المجال التركي من خلال الجغرافيا البحرية، قبل أن تتبلور في عهد أردوغان سياسة أوسع تقوم على تنويع الشراكات وتقليل الاعتماد الاستراتيجي على طرف واحد ، وبالتالي فإن السؤال التركي لم يعد فقط:
كيف نحمي تركيا؟
بل أصبح: كيف نجعل المجال المحيط بتركيا أكثر ملاءمة لأمنها ومصالحها؟
وهذا فارق هائل ، فالدولة التي تكتفي بحماية حدودها تنظر إلى الجغرافيا باعتبارها خطًا.
أما الدولة التي تريد إنتاج القوة من الجغرافيا فتنظر إليها باعتبارها مجالًا.

رابعًا: هل تعتمد تركيا فعلًا «نظرية جغرافيا الحرب والاختبار والوعي والعمران»؟

هنا ينبغي أن نكون دقيقين اذ لا توجد، بحسب ما يظهر في الأدبيات المتاحة، عقيدة تركية رسمية تحمل هذا الاسم.
لكن توجد مجموعة من المفاهيم الاستراتيجية التركية التي تتقاطع معها بصورة لافتة: العمق الاستراتيجي، والاستقلالية الاستراتيجية، والوطن الأزرق، والتصنيع الدفاعي، وتوسيع الشراكات، والانخراط في إعادة بناء المجالات المحيطة بتركيا.
إن التجربة التركية تقدم نموذجًا عمليًا يمكن من خلاله اختبار هذه النظرية.
وهنا يتحول الفرق بين النظرية والسياسة إلى فرصة فكرية.
فالنظرية تقول:
الوعي بالجغرافيا ينتج رؤية للمجال.
والسياسة التركية تقول عمليًا: لدينا مجال جغرافي واسع يؤثر مباشرة في أمننا ومصالحنا، ولذلك يجب أن نحضر فيه سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا و تقول ايضا:
لا يكفي الحضور ، يجب أن نمتلك القدرة على حماية هذا الحضور.
وهنا ننتقل من الوعي إلى الاختبار.

خامسًا: من جغرافيا الحرب إلى جغرافيا العمران

لكن الدولة لا تستطيع أن تبقى في حالة حرب دائمة.
القوة العسكرية قد تفتح المجال، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنتج الاستقرار.
وهنا تبدأ المرحلة الرابعة:

جغرافيا العمران.
جغرافيا العمران هي اللحظة التي تتحول فيها الجغرافيا من مساحة للسيطرة والصراع إلى مساحة لإنتاج القوة.
طرق ،مدن ، موانئ ،مطارات ، طاقة ، تجارة ، صناعة ، تكنولوجيا ، مؤسسات ، تعليم ،إعمار ، وشبكات اقتصادية تربط المجال ببعضه.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع جيوسياسي.
فإذا كانت تركيا تريد أن يكون لها نفوذ مستدام في سوريا، فإن وجودها العسكري وحده لن يكون كافيًا.
عليها أن تكون جزءًا من إعادة بناء سوريا ، وهنا تكتسب العلاقة التركية-السورية معناها الأوسع.
فالتقارير الدولية تتحدث عن دعم تركي لإعادة بناء الجيش السوري، كما تشير إلى تعاون أوسع في مجالات إعادة الإعمار والطاقة والاقتصاد.
وهذا يعني أن الجغرافيا السورية يمكن أن تنتقل تدريجيًا من جغرافيا الحرب إلى جغرافيا الاختبار ثم إلى جغرافيا العمران.

إسرائيل ترى العمران من زاوية أخرى

وهنا ربما يكمن أحد جذور الصراع التركي-الإسرائيلي.
إسرائيل لا تواجه فقط احتمال وجود قوات تركية في سوريا بل هي تواجه احتمال نشوء سوريا جديدة.
سوريا تمتلك مؤسسات.
وسوريا تمتلك جيشًا.
وسوريا تعيد بناء اقتصادها.
وسوريا ترتبط بتركيا.
وسوريا تستعيد سيادتها.

وهذا يعني أن الخريطة التي اعتادت إسرائيل التعامل معها بعد الحرب السورية يمكن أن تتغير.
وقد أشارت تحليلات دولية إلى أن إسرائيل تسعى إلى منع إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، بينما ترى تركيا في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية جزءًا من استقرار المنطقة.

وهنا تتحول المسألة من صراع على قاعدة عسكرية إلى صراع على النموذج الجغرافي والسياسي لسوريا المقبلة.

ولذلك فالصراع ليس بين أردوغان ونتنياهو فقط
فاختزال الصراع في شخصي رجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو قد يكون جذابًا إعلاميًا، لكنه لا يفسر عمق المسألة ،فنتنياهو قد يرحل ،وأردوغان قد يرحل.
لكن السؤال سيبقى: ما شكل سوريا؟
وما موقع تركيا فيها؟
وما حجم القوة التي يمكن أن تمتلكها دمشق؟
وأين تبدأ الحدود الأمنية الإسرائيلية وأين تنتهي؟
ومن يملك حق إعادة بناء الجيش السوري؟
ومن يمول الإعمار؟
ومن يسيطر على شبكات الطاقة والتجارة والنقل؟
هذه أسئلة تتجاوز الأشخاص، إنها أسئلة جغرافية.

تركيا: من «الدولة داخل الحدود» إلى «الدولة داخل المجال»

ربما هنا تحديدًا يمكن فهم التحول التركي.
فتركيا الحديثة بدأت كدولة جمهورية شديدة الحساسية تجاه حدودها أما تركيا الأردوغانية، فقد تحولت تدريجيًا إلى دولة ترى أن أمنها لا يبدأ عند حدودها، وإنما قبل الحدود ، وهذا لا يعني بالضرورة مشروعًا توسعيًا بالمعنى التقليدي ، بل يعني أن أنقرة تحاول بناء مجال استراتيجي حولها.
وفي هذا المجال تستخدم أدوات متعددة:
الدبلوماسية.
الاقتصاد.
الصناعة الدفاعية.
القوة العسكرية.
الاتفاقيات.
الطاقة.
التجارة.
والحضور الإنساني والثقافي.

وهذا هو جوهر الاستقلالية الاستراتيجية التي يصف بها عدد من الباحثين السياسة الخارجية التركية الحديثة.

من هنا يمكن صياغة النظرية

تقدم الحالة التركية مادة مهمة لتطوير النظرية في صيغة أكثر تماسكًا:

جغرافيا الوعي جغرافيا المجال جغرافيا الاختبار جغرافيا الحرب جغرافيا العمران إنتاج القوة.
فالوعي يحدد المجال والمجال يحدد المصالح والمصالح تفرض الاختبار والاختبار قد يتحول إلى حرب والحرب تعيد تشكيل المجال ثم يأتي العمران ليحول المجال الجديد إلى قوة مستدامة.
لكن هناك حلقة إضافية ضرورية: الوعي من جديد.
لأن العمران نفسه يعيد تشكيل وعي المجتمع والدولة بمكانهما في العالم وبذلك لا تكون العملية خطًا مستقيمًا، وإنما دائرة متصاعدة:
وعي مجال اختبار حرب عمران وعي جديد قوة جديدة.
وهنا تصبح النظرية أكثر من مجرد نظرية في الحرب.
إنها نظرية في إنتاج القوة الوطنية من خلال الجغرافيا.

سوريا: النموذج الأول للنظرية
وهذا ما يجعل سوريا اليوم حالة شديدة الأهمية.
فهي لم تعد مجرد مسرح لحرب انتهت بل إنها مختبر لنظام إقليمي جديد.
تركيا تريد أن تساعد في بناء الدولة السورية.
وإسرائيل تري ضمان ألا تتحول سوريا الجديدة إلى مصدر تهديد.
ودمشق تريد استعادة السيادة.
والولايات المتحدة تريد منع الصراع بين هذه الأطراف من التحول إلى حرب إقليمية.
ولهذا جاءت أزمة أبو الظهور.
إنها لحظة تكثفت فيها الطبقات الأربع للنظرية دفعة واحدة:
جغرافيا الحرب: لأن قاعدة عسكرية تعرضت لضربة.
جغرافيا الاختبار: لأن تركيا وإسرائيل اختبرتا حدود بعضهما.
جغرافيا الوعي: لأن كل طرف يحمل تصورًا مختلفًا عن سوريا وموقعها في أمنه.
جغرافيا العمران: لأن الصراع الحقيقي يدور حول من سيعيد بناء سوريا، وبأي نموذج، ولأي غاية.
ولهذا فإن أخطر ما في أبو الظهور ليس المدرج الذي دُمّر.
بل الخريطة التي يحاول كل طرف رسمها فوق أنقاضه.

الشرق الأوسط لا يعاد رسمه بالقنابل وحدها

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم.
الشرق الأوسط الجديد لن تصنعه الصواريخ وحدها.
ستصنعه أيضًا الطرق والموانئ والطاقة والمصانع والجامعات والتكنولوجيا والجيوش والتحالفات والمدن.
ومن ينجح في الجمع بين هذه العناصر هو الذي سيملك القدرة على إنتاج القوة، لا مجرد استعمالها.
وهنا يمكن فهم الصراع التركي-الإسرائيلي بصورة مختلفة.
إنه ليس فقط صراعًا على النفوذ.
إنه صراع على الجغرافيا التي ستنتج النفوذ في المستقبل.
وتركيا تبدو، في عهد أردوغان، وكأنها انتقلت بالفعل من سؤال:
كيف نحمي تركيا؟ إلى سؤال أكثر اتساعًا: كيف نبني مجالًا إقليميًا تكون فيه تركيا أكثر أمنًا واستقلالًا وقدرة على التأثير؟
أما إسرائيل، فتبدو معنية بمنع هذا المجال من التشكل في محيطها الشمالي.
وبين الرؤيتين تقف سوريا.
وهنا تصبح سوريا جغرافيا الاختبار الكبرى.
فإذا نجحت تركيا في المساهمة في إعادة بناء سوريا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، فإنها لن تكون قد ربحت نفوذًا في دولة مجاورة فقط؛ بل ستكون قد أثبتت نموذجًا كاملًا من «جغرافيا القوة».
أما إذا استطاعت إسرائيل منع هذا التحول، فإنها تكون قد حافظت على جزء أساسي من الجغرافيا الأمنية التي تشكلت خلال السنوات الماضية.
لذلك فإن السؤال الذي طرحته ضربة أبو الظهور ليس:
هل ستندلع الحرب بين تركيا وإسرائيل؟
بل سؤال أعمق: من سيملك جغرافيا سوريا، ومن سيملك حق تشكيل وعيها وبناء عمرانها وإنتاج قوتها؟
وهنا تحديدًا تتحول سوريا من ساحة حرب إلى جغرافيا اختبار للنظام الإقليمي القادم.
وإذا كانت الحرب تختبر قوة الجيوش، فإن العمران يختبر قدرة الدول على تحويل الانتصار العسكري إلى قوة تاريخية.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تبدأ منها المرحلة التالية من نظرية جغرافيا الحرب والاختبار والوعي والعمران.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال